الاربعـاء 30 ذو القعـدة 1433 هـ 17 اكتوبر 2012 العدد 12377 الصفحة الرئيسية







 
يوسف الديني
مقالات سابقة للكاتب    
هل تسعى إيران لاحتلال جنوب اليمن؟
أصدقاء السلطان!
هل ولد البديل لـ«الإسلام السياسي»؟
العنف المقدس.. دلالات سياسية!
11 سبتمبر vs 17 ديسمبر
«إيرانات جديدة».. منطق الدولة الهشة!
تونس: بين «التكفير» و«التطهير»!
من الحرب على الإرهاب إلى الحرب على الطائفية!
رسملة الإخوان: حملات التبرع السياسي!
سيناء مصر بين صوتين: الإرهاب والشعارات!
إبحث في مقالات الكتاب
 
قفزة فيليكس.. والمخيال العربي

أربع نسوة من الطبقة «المتعلمة» كن يتابعن بشغف محموم قفزة المغامر فيليكس باومغارتنر يوم الأحد الماضي الحدث الأكثر إثارة، كلهن تقريبا يحملن درجة الدراسات العليا من جامعات محلية وخارجية في تخصصات مختلفة من الأحياء، للإدارة، للفنون، لكن اللافت في حديثهن ذلك الجهل التام بأي تصور، ولو مبسط لقفزة فيليكس من الناحية العلمية، فقط كان الباعث على المتابعة هو ملاحقة «المغامرات» ذات الطابع الجماهيري المعولم، إحداهن طرحت سؤالا بهدف الاستعراض لحاستها النقدية التي لا تمرر للغرب الذي تعرفه، كيف يمكن أن يتخطى فيليكس حاجز الصوت، وهو يتحدث مع المنصة تحت بالهاتف!

طبعا هذه ليست نكتة وربما الصحف العربية دون غيرها أغرقتنا خلال اليومين الماضيين إضافة إلى منصات الإعلام الجديد «تويتر» ورفاقه بتحقيقات وتعليقات ساخرة، لا بد من الاعتراف أن حس النكتة في عالمنا العربي في أفضل حالاته ولا يعكس الحالة السياسية، إلا إذا اعتبرنا أن هذه الروح المرحة التي سالت بسخاء هي جزء من أزمة جلد الذات بطريقة معكوسة تحمل في طياتها مضامين ورسائل ثقافية وسياسية مما يدخل ضمن تصنيف المخيال.

المخيال بحسب جاك لاكان، رائد التحليل النفسي الفرنسي، هو رؤية مجتمعية لشعب ما أثناء تفاعله مع محيطه القريب والبعيد، بمعنى آخر الإطار الجماعي الذي يؤسس لخطاب مجتمع ما تجاه قضية ما.

هنا المخيال العربي فيما يخص قفزة فيليكس كان محملا بدلالات عميقة تعكس حالة «التردي»، لو شئنا التلطف بين الحالة العلمية التي وصلنا إليها مقارنة بالسياق الذي أنتج فيليكس المغامر، الذي لم يكن أحد أبطال أفلام الخيال، وإنما نتاج سنوات من التحليل والرصد والمتابعة كان من القدر الجميل أن تصادف إعادة إنتاج إعلامية عبر سلاح الـ«ميديا» والإعلان ذي الحدين، فهو في كثير من الأحيان ينزع إلى تبخيس قيم الأشياء من خلال «تسليعها» وتحول إلى سلع تجارية، وهو ما كان طاغيا على الحدث في التناول العربي حيث تعليقات ساخرة من قبل المذيع يقرأها من الإعلام الجديد في وقت كان المشهد في الأعلى مهيبا وفيليكس يستشعر ضآلته أمام تجربة عملاقة كتلك.

هبط فيليكس بسلام من ارتفاع يزيد قليلا على 39 ألف متر عند حدود الغلاف الجوي للأرض، في سماء نيومكسيكو، جنوب غربي الولايات المتحدة مخترقا لدى هبوطه حاجز الصوت، واستغرق هبوطه نحو ثماني دقائق ليحطم بذلك الرقم القياسي العالمي في السقوط الحر الذي سجله عام 1960 الكولونيل السابق في سلاح الجو الأميركي، جو كتنجر من ارتفاع 31333 مترا من منطاد هيليوم أيضا.

هناك ثلاثة تمثلات من أزمة «المخيال العربي» في التعامل مع حدث فيليكس، يمكن أن تعكس دلالات سياسية واجتماعية تومئ بلسان الحال والمقال إلى مدى الهشاشة التي وصلنا إليها في الانكفاء على الذات وجلدها والكذب عليها، وصولا إلى محاولة استغلال إنجازات الآخرين عبر إعادة إنتاجها.

«أسلمة فيليكس» كان أحد أطرف تلك التمثلات التي تدل على عمق أزمتنا حيث علق عصام العريان القائم بأعمال حزب الحرية والعدالة (الإخوان) في مصر بقوله: كاد فيليكس يسجد عندما وصل إلى الأرض! وبقدر ما يثيره تعليق كهذا من شخص يمثل رمزا في الحاكمين الجدد الآن في مرحلة الربيع العربي من استغراب ودهشة، إلا أنه لا يبعد كثيرا عن قائمة عريضة من التعليقات التي لم تر في فيليكس سوى شخص مَهما فعل لم يؤت معجزة النبي محمد صلى الله عليه وسلم في الإسراء، وكأن فيليكس ادعى النبوة أو تناول شأنا دينيا مصدره التصديق والإيمان وليس مغامرة علمية لا علاقة لها بأي دوافع دينية وقام بالتحضير لها طيلة خمس سنوات.

العريان والتعليقات ذات المنزع السلفي وجهان لعملة واحدة، الأول يريد أسلمة الحدث العلمي على طريقته، بينما يريد الثاني أن يعيد إنتاجه على قاعدة الإعجاز القرآني الذي سبق الحضارة الغربية.

نقد الحضارة الغربية من خلال تجربة «فيليكس» كان رأي مجموعة أخرى تنزع إلى العلمية في طرحها لتؤسس لمخيال متوهم بعيد الصلة عما آلت إليه العلوم الحديثة، فالبعض تحدث عن نسبية الفيزياء، وأن نيوتن قد تحطم على صخرة فيليكس في حين أن مراجعة بسيطة لمدونات كتبها شباب مراهقون مهتمون بالفيزياء ممن تابعوا الحدث، يمكن القول إن قانون نيوتن للسقوط الحر لم يتعارض مع قفزة فيليكس لأن القوى الخارجية تغيرت وعلى رأسها قوة مقاومة الهواء عدا أن محاولة اختزال القفزة في ثنائية الصراعات التي اعتادها المخيال العربي، على طريقة (ضد ومع) تسطيح للتجربة التي ربما كان إنجازها الأكبر غير كسر حاجز الصوت هو القدرة على إنتاج بذلات بهذه القدرة الفائقة على مقاومة الحرارة الشديدة، مما سيفيد منه رواد الفضاء لاحقا.

الأمر لم يقف عند حدود افتعال شجار وهمي بين نيوتن وفيليكس؛ بل تعداه إلى إنكار التجربة بالكلية، وأنها مستحيلة رغم المشاهد، فهي لا تتجاوز حيلا تلفزيونية أنتجت في أحد معامل هوليوود، والغريب أن هذه الثقة في النفي تأتي في قالب نقد للتفاصيل وهو ما يذكرنا سابقا بالموقف من المنتجات الحديثة من التلفاز والإنترنت والبث الفضائي وما كان ينسج حولها من قصص مؤامراتية.

التمثل الثالث للمخيال العربي هو محاولة استغلال قفزة الفتى الطموح «فيليكس» على طريقة الاستحلاب السياسي، فكل ما يمكن أن تتخيله من نقد للذات وتجريم للواقع المعرفي ومناهج التعليم والطريقة المتبعة في تدريس العلوم الرياضية والفيزياء، قد صبه لصالح غياب تجربة كهذه كانت مبهرة للأبصار بسبب أنها دخلت ضمن نطاق لعبة الـ«ميديا» المضللة في تسويق أي حدث بشكل يجعله كونيا وغير اعتيادي، وربما كان هذا التمثل للمخيال العربي يتكئ على تفاصيل نقدية حقيقية لواقعنا العلمي، إلا أنها تتذرع بأن سبب ذلك هو غياب الحريات السياسية أو حقوق المواطنة.. إلخ، في تعليق شخص منزعج جدا من خدمات شركات الاتصال قال عبر حسابه على «تويتر»: «فيليكس يكلم اللي في الأرض بكل وضوح بينما تتحدث إلى صديقك بالجوال وتنقطع المكالمة!»

بعد ساعتين من متابعة حثيثة قفز فيليكس وانتهى الحدث من شاشات التلفاز، عاد النسوة إلى مسلسل كوري مدبلج بالدارجة الخليجية.. كان حدث فيليكس خارج «المخيال» فاصلا إعلانيا طويلا كسبته ريد بول بجدارة!

> > >

التعليــقــــات
محمود بن صديق، «المملكة العربية السعودية»، 17/10/2012
لانلوم العقل العربي بل من صنعه، كم نسبة الذين كانوا يعلمون قبل القفزة شيئا عن ابعادها البحثية والعلمية.
أي من وسائل الاعلام العربية أو الكتاب العرب تناولوا الحدث قبل القفزة وقدموا للجمهور العربي فكرة عن
أهميته وأهدافه؟، للاسف لايوجد. ربما معظم الكتاب الذين كتبوا بعد القفزة وسخروا من تغريدات المشاهدين
العرب (وغالبيتهم من المراهقين )، لم يعلموا بالحدث الا يوم وقوعه، لقد كانوا منشغلين في اجترار مواضيع
الشأن السياسي العربي والاسلامي وبعضهم كانت تشغله حركة مرور جدة وحفرياتها فلم يعلموا بالقفزة الا
ليلة حدوثها. ومع ذلك لم يفوتوا الفرصة في سحب سياطهم وجلد المشاهد العربي (الضحية)، ضحية ثقافة
(لاتقرأ).وهم في الحقيقة كانوا يجلدون انفسهم دون وعي. ولان هذا الحدث خارج عن المخيال فعلا كما يقول
الكاتب، فيجب أن نرأف بأنفسنا و نكف عن نقد ذاتنا، وبالمناسبة لزملاء عمل من بلاد العم سام، لم يتابعوا
الحدث أصلا، وبعضهم لايعرف شيئا عن قوانين نيوتن أصلا، والتي بالمناسبة لم تعترضها قفزة فيليكس،
والرأي هنا لعلماء الفيزياء.
صالح الصقار، «فرنسا ميتروبولتان»، 17/10/2012
عفوا أعتقد فيليكس لم يحطم الرقم القياسي في القفز الحر لانه فتح البرشوت قبل الوقت المحدد
Salim، «المملكة المتحدة»، 17/10/2012
هذه القفزة هي حدث علمي عالمي بامتياز لا شك فيه لمن يقرأ !!! أما الجهلة فالكلام عنها كثير وكثير
جدا ومنه مثلا شو يعني !!!. لا يوجد لدينا - العرب خاصة - من هو على مستوى علمي لتفهم هذا
الحدث العلمي الهائل وأنه قد جرى مثيل له سابقا ( لم أكن أعرف أنه قد حدث المثيل سابقا ) ولكني شاهدته
وهو حدث علمي كبير جدا مع المخاطرة بالحياة والتي لا يريد أحد أن يموت في هذه الأيام فالجميع مستكلب
على البقاء حيا!!!. نسي المسلمون خاصة أن أول ما أنزل رب العلمين على سيد الخلق والمرسلين صلوات الله
وسلامه عليه وعلى آله الطيبين الطاهرين هو اقرأ وهو الأمي الذي لا يقرأ ولا يكتب !!! فمتى سنسمع
أمر رب العالمين بأن نصبح من القارئين؟؟؟.
حسّان عبد العزيز التميمي - السعودية، «المملكة العربية السعودية»، 17/10/2012
في الحقيقة فإنّ ما يبعث على الأسى ليس هو عدم تصديق كثير من الناس في عام 1969 أن رائد الفضاء
نيل آرمسترنغ قد هبط فوق سطح القمر رغم انهم شاهدوا ذلك من خلال التلفاز ، فقالوا أنّ ما نراه هو
صحراء في امريكا، وبعض منْ صدّق ذلك ، ومنهم مسلمون غير ملمّين بالفقه الإسلامي ولا هم من علماء
الدين أفتوا بأنّ رائد الفضاء قد أشهر إسلامه بعد ذلك الإعجاز . نعم إن هذا لا يبعث على الأسى فقد كان ذلك
منذ 43 عاما ، ولكن ما يبعث على الاسى حقا هو أننا ما زلنا نفكر مثلما كنا نفكر قبل نحو نصف قرن ، فها
هي مغامرات فيلكس وحيله تعيد إلى الاذهان خزعبلات نيل آرمسترنغ وملحقاتها .
راكان بن سعود88، «الولايات المتحدة الامريكية»، 17/10/2012
قدرنا ان نتفرج على انجازات العالم ونحن فاغري الافواه وببلاهه يحسدنا عليها العالم المتقدم ..! قدرنا ان نشكك في
منجزات الغرب الكافر من مبدأنا الشهير تفو على العنب لأنه بعيد المنال ! ما حيلتنا الا ان نضع ايدينا على خدودنا ثم
نتأمل هذا الغرب الذي يبهرنا بانجازاتة ، ثم ندعوا الله ان يجمد الدم في عروقه .. حياتنا في هذا الشرق البائس صارت
انتظار .. انتظار لمنجزات الغرب لكي نقتات عليها ونلون بها حياتنا ، على الرغم من اننا عاجزين عن الاتيان بمثلها ..
امام قفزة فيليكس ليس امامنا ، بسبب هذا العجز والتخلف الذي نتبحبح فيه الا ان ننكت او نشكك .. او على الاقل نقلل
من شأن هذا المنجز الانساني الذي يضيفه الغرب الى الحضارة الانساني ..! قدر من يقرأ انجاز فيلكس ان يردد بأسى
المقولة الخالده : يا أمة ضحكت من جهلها الامم ..!!

 
ارسل هذا المقال بالبريد الالكترونى   اطبع هذا المقال  
The Editor
رئيس التحريــر
Terms of use
شروط الانتفاع
Editorial
هيئة التحرير
Mail Address
العنوان البريدي
Advertising
الإعــــــلان
Distribution
التــوزيــــع
Subscriptions
الاشتراكات
Corrections
تصويبات
Copyright: 1978 - 2017 © H H Saudi Research and Marketing LTD, All Rights Reserved And subject to Terms of Use Agreement .
© جميع الحقوق محفوظة للشركة السعودية البريطانية للأبحاث والتسويق وتخضع لشروط وإتفاق الإستخدام