الجمعـة 05 شـوال 1422 هـ 21 ديسمبر 2001 العدد 8424 الصفحة الرئيسية
 
جمال البنا
مقالات سابقة للكاتب
إبحث في مقالات الكتاب
 
السنوات الأخيرة للشيخ الوالد (3)
كانت الحالة المالية للشيخ الوالد مستقرة، لأنه اخذ نفسه بالاقتصاد، وكان شعاره هو الحديث النبوي «ما عال من اقتصد» وقد ابتعد عن كل صور التوسع او المشروعات التي تجمد ماله القليل او تبعده عن متناول يده، او تشغل فكره به، وكان يؤمن بالكتابة ويقيد كل معاملاته المالية ويقول ان الله تعالى عوده ان لا يخذله، وان ييسر له ثمن ورق كل جزء من اجزاء الفتح. وكان ذلك مع مصاريف الطبع، هي المشغلة المالية للشيخ، اما الاكل واللبس وتكلفة الحياة اليومية، فلم تكن تمثل شيئا مذكورا. وقد كان مما يثير عجبنا ان يوجد لدى الشيخ دائما مبلغ من المال الحاضر في أي وقت، وكنا نلتجئ اليه عندما تمس بنا حاجة فنقترض منه وعندما توفي الى رحمة الله، كان دفتره يضم صفحة لكل ابن من ابنائه بها حسابه، وكانت كلها مدينة له. وكان قد ادخر قبل ان يموت بفترة قرابة مائتي جنيه في صندوق البريد (بدون فوائد طبعا) وقد توكأ علي ذات يوم ليصرفها من مكتب بريد الازهر، ليعطيها للشقيق عبد الباسط عندما ألمت به ازمة خانقة، وقبل ان يموت اشار الى مكان مبلغ من المال ليصرف منه على تجهيزه. وكان في هذه كالوالدة رحمها الله، فكل منهما ترك ما ينفق على تكفينه وتجهيزه وجنازته. ولم يكن الشيخ ليزور او يزار الا في المناسبات. ولم يكن يقرأ الجرائد، او يستمع الى الراديو. وغني عن القول انه لم يذهب في حياته الى سينما او مسرح، كما لم يخرج طوال الثلاثين عاما الاخيرة من حياته لنزهة او لرؤية متحف او حديقة... الخ. ولعله رأى الاهرام اول قدومه القاهرة، وقد امضى حياته القاهرية كلها في مثلث السيدة ـ الخليفة ـ الدرب الاحمر.

وكان الشيخ يتناول عددا من فناجين القهوة، وكان في متناول يده وابور سبرتو وعدة القهوة، وقد قيض الله له من كان يعينه في هذا، اذ كان في الحوش، رجل يعمل في صناعة الاحذية هو «الاوسطى» احمد الذي تطوع بخدمة الشيخ فكان يحضر «الخبز» ويغسل فناجين القهوة الخ.. رحمه الله فقد توفي بعد وفاة الشيخ. وكان هذا اقل ما يمكن ان يفعله الشيخ لدفع الملل الذي كان ولا بد يستبد به، عندما تتوالى الساعات، ساعة بعد اخرى، وهو مكب على عمله، ويتكرر هذا يوما بعد يوم، في مكتب لا تدخله الشمس، ولا يظفر بتهوية، ولم يكن، رحمه الله، مجردا من الحاسة الفنية ايامه الاولى، وكان مكتبه في المحمودية على شاطئ النيل، يطل على منظر من اجمل المناظر تحفه الخضرة ويغسله الهواء وتجففه الشمس، ولعله في احدى بدوات الشباب امل ان يكون له «كارتة» يجرها حصان مطهم، ويقطع بها طرقات المحمودية. وكانت تلك هي اعظم وسيلة للاستمتاع وقتئذ، ولكنه اطرح كل هذا وآثر ان يتبتل للعلم في هذا المكتب المقبض الذي لم يكن ليطيق البقاء فيه ساعات وليس اياما احد غيره.

وقد عثرنا بين اوراقه على خطاب من احد شيوخ مكة يطلب منه الاجازة وترجمة حياته الحافلة فأرسل الشيخ خطابا جاء فيه:

الاخ الصالح سليمان بن عبد الرحمن الصنيع حفظه الله ونفع به آمين.

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.. وبعد، فقد تسلمت خطابكم من فضيلة الاستاذ الشيخ محمد عبد الرازق حمزة، وامتثالا لامركم وحسن ظنكم بي كتبت الاجازة بخطي وسلمتها لحضرته وتصلكم ان شاء الله تعالى وانتم متمتعون بالصحة والعافية. عمم الله النفع بكم وبارك فيكم. اما ترجمتي «الحافلة» فلا تكون في حياتي ولا من صنع يدي «5 شعبان».

وهذا الخطاب يصور ادب الشيخ وتواضعه الحقيقي، وفي الوقت نفسه فإنه يكشف عن انه كان يعلم حق العلم قدر نفسه وقدر العمل العظيم الذي يقوم به ولكنه كان يتقرب الى الله بهذا فلا يجد فيه مبررا لزهو، او فخر او استعلاء وقد قرأنا على غلاف لاحد الاصول بخطه هذا التنبيه «لأوسطى المطبعة» الرجاء عدم تكسير الورق كثيرا والمحافظة على نظافته بقدر الامكان، ولا يصح ان يكتب عليه بالانجليزي كأنه لعبة، لان هذه الاصول ستجلد ويحتفظ بها جيدا لانها خط المؤلف.

> > >

 
ارسل هذا المقال بالبريد الالكترونى   اطبع هذا المقال