الثلاثـاء 01 صفـر 1428 هـ 20 فبراير 2007 العدد 10311 الصفحة الرئيسية
 
صافي ناز كاظم
مقالات سابقة للكاتب    
إبحث في مقالات الكتاب
 
عفوا سادتي: في الزحام سيدة أكبر منا جميعا 

في كتابي «صنعة لطافة»، الذي صدر أخيرا عن دار العين للنشر بالقاهرة، لم أتردد في أن أضع «توحة» الخياطة، جنبا إلى جنب 21 سيدة مصرية وجدتهن حجتي وحيثياتي لكي أقول للسيدة جيهان صفوت رؤوف، أرملة الرئيس الراحل أنور السادات، انه من غير الصحيح ما تكررين ذكره في لقاءاتك الصحفية من أنك «.. على الأقل قد أثبت أن المرأة المصرية تحترم نفسها وتعمل وتشارك.. وهذا لا يعجب ذوي العقول الضيقة..الخ»، لأن هذا يعطي الانطباع بأن المرأة المصرية قد أثبتت نفسها منذ عام 1970 فقط، منتظرة حتى خرجت السيدة جيهان لتقود مسيرتها في العمل والمشاركة، ومن الواجب على السيدة جيهان أن تصحح مقولتها مع الاعتراف بكل تواضع بأن جهدها كان مجرد نقطة في بحر إنجازات المرأة المصرية ونهضتها منذ مطلع القرن العشرين، ومنذ نساء كملك حفني ناصف حتى الدكتورة العلامة بنت الشاطئ، ومن أول رائدة التعليم نبوية موسى، ورائدة العمل الاجتماعي جميلة صبري، والنابغة الآنسة مي، وعالمة الرياضيات الدكتورة معصومة كاظم، ورائدة علم النفس الدكتورة سمية فهمي، والرائدة في علم الوراثة والهندسة الوراثية الدكتورة عفت بدر، والنحاتة فاطمة مدكور، والمسرحية منحة البطراوي، والرائدة الصحفية وداد متري، والشاعرة أماني فريد، والأديبة أليفة رفعت، والكاتبة زينب صادق، ورائدة فن لوحة الغلاف سميحة حسنين، وغيرهن ممن علا قدرهن في مجالهن ولم ولا تتركز عليهن كثيرا كشافات الإضاءة الإعلامية.

«توحة» الخياطة، التي أسميها «الشهيدة توحة»، حائكة ملابس شعبية بسيطة مواليد أبريل 1955، تصلي وتصوم وتحمد الحي القيوم، تحمل حقيبتها الثقيلة بملابس زبائنها على كتفها وتركب الميكروباص أو الحافلة من عند بيتها في مدينة السلام، وتقطع القاهرة شرقا وغربا وشمالا وجنوبا بالمواصلات المتاحة للمواطنين ولا يهمها العرق والتعب والزحام. على الدوام هي قريرة ما دامت تسمع من زبائنها، اللاتي صرن صديقاتها: «الله.. يا توحة». لم أتعامل معها بصفتها «مجرد» حائكة ملابس، كنت أراها فنانة بالخيطان وشرائط الساتان الملونة والزجزاج. لا بد معها من لعبة الفصال، لكن «الفصال» مع «توحة» له طبيعته الخاصة، فهي كما كانت تردد: لا تحب الفلوس، أجرها الحقيقي، ككل فنان أصيل، هو صيحة: «الللللللله يا توووووووووووووحة»! أقولها من قلبي بإعجاب حقيقي. تطور معي جلباب الفلاحة وتزركش بشرائط الساتان الملون والزجزاج أو قطع القماش بأسلوب الخيامية، وألبس الجلباب وأدخل حفلا في الأوبرا. ولم لا: جلباب الفلاحة أم «الجينز» الكالح الصايع من صناديق رعاة البقر الأجلاف. جلباب الفلاحة المصرية أم «جينز» الفلاح الأمريكي؟ تضحك توحة ويشرق وجهها الأسمر النحيل بملامح صعيدية منمنمة لعلها من آثار عرق نوبي جميل بمزايا الأنف الصغير الدقيق الشامخ في نبل فطري. أسألها: «هه...أدفع كام؟» تبخس أجرها وتطلب ما لا يصدقه متعامل في السوق. أبدأ الفصال: «يا توحة الكلام ده ما ينفعش مش ممكن أدفع المبلغ ده». يكتسي وجهها بالجدية: «يعني أخد فلوس حرام؟» يستمر الجدل: «لا... تأخدي حقك لا زايد ولا ناقص». تقول قرشا ويكون حقها عشرة، من هنا لهنا ترتضي الحد الأدنى من حقها. لكن هذا التنازل منها عن الحق المادي، لا يتبعه أي تنازل في حقوق الرأي والشهادة الأمينة. اعتدى بلطجية البانجو على زوجها وابنها بالضرب بالمطاوي، وطلبت منها شكوى جماعية من أهل مدينة السلام المهددة ليلا ونهارا بهؤلاء البلطجية وكتبت في جريدة معارضة نداء: «يا وزير الداخلية مدينة السلام تستجير من إرهابي البانجو». تم استدعاء توحة للتحقيق في قسم بوليس مدينة السلام، قالت في أقوالها الحق كله، وأكدت معلومة إطلاق سراح المجرمين بعد كل مرة يتم القبض عليهم. شخط فيها الضابط: «إنت بتتهمينا.. إمشي اطلعي بره!» قالت لي: «طلعت بره بس أنا لم أكمل كلامي ولم أوقع بإمضائي على المحضر». لم تكن متأثرة من الإهانة والشخط، كانت متأثرة لأنها لم تتمكن من إتمام الشهادة والاستجواب ولم توقع بإمضائها على ذلك. قلت لها كلاما ضد اعتقادي ومبادئي خوفا عليها: «يا توحة لازم تكوني لبقة مع الضابط... ما يضرش لو تقولي مثلا... طبعا سيادتك يا باشا قمتم بالواجب بس المجرمين كانوا ....»، استمعت مني بأدب بالغ وبالإنصات الهادئ الذي هو من سماتها وابتسمت. جاءتني بعد ذلك: «هه يا توحة.. عملتي إيه مع قسم البوليس؟» قالت وهي تشبك الدبابيس لضبط ذيل العباءة: «صراحة كان هناك واحد ذوق ... وأخذني للضابط الذي طردني وقلت له.. أنا لم أكمل أقوالي ولم أوقع بإمضائي على المحضر، وأنا مستعدة أجيب لحضرتك كل أهل مدينة السلام ببطاقاتهم الشخصية يقولوا زي كلامي، وللا حضرتك مش عاوز أكمل أقوالي؟ طيب أنا أروح الداخلية وأكمل عندهم أقوالي فهناك فيه ناس ذوق قوي قوي..»، ضحكت وحمدت الله أنها لم تسمع نصيحتي ولم تخضع.

خرجت «توحة» من محنة بلطجية البانجو حين تم شفاء زوجها وابنها من ضربات المطاوي، وكان في انتظارها السفاحون والقتلة من سائقي الميكروباصات. ركبت «توحة» الأتوبيس ثم الميكروباص وكانت في طريقها من منزلها إلى منزلي، انتظرتها ولم تحضر. كان الميكروباص يسير بعكس الاتجاه متفاديا الأتوبيس، وتوحة تحمل على كتفها حقيبتها المليئة بالأقمشة والخيطان وشرائط الساتان الملون وعلى وجهها كل السماحة والغبطة والطيبة، التي لو وزعت على أهل الأرض جميعا لكفتهم، تجلس قرب الباب الأمامي وفي ثوان كانت الصدمة مع الاصطدام. انقلب الميكروباص بتوحة عدة مرات، فانكسرت اضلاعها وكبس قفصها الصدري على رئتيها وقلبها وانكسرت كتفها وذراعها وحوضها وساقها، كل جانبها الأيمن، الذي تحمل عليه وتقص به وتحرك به ماكنة الخياطة، كل هذا تعطل تماما، لكن توحة لم تفقد الوعي. احتضنت حقيبتها وهم يكسرون باب الميكروباص لإخراجها، وفي مستشفى مدينة السلام، حين رأتها ابنتها، كانت توحة تضع حقيبة ملابس الزبائن تحت رأسها؛ حتى لا تضيع منها الأمانة، ثم سلمتها لابنتها وتفرغت لرحلة الآلام. 

تم نقل «توحة» إلى مستشفى القصر العيني القديم، مبنى الطوارئ حيث تم تصحيح أخطاء العملية التي أجرتها لها مستشفى مدينة السلام لإنقاذ الرئتين من ضغط الأضلاع المكسورة. وظلت «توحة» تحت اسمها الرسمي، «فتحية عمر حسن»، متروكة في مبنى الطوارئ في غرفة بها ضحايا آخرون، من دون أن يعلق لها ولو محلول تغذية واحد، من فجر يوم أحد حتى ظهر الأحد التالي حين هبطت دورتها الدموية ورجعت إلى ربها «شهيدة» الإهمال والاستهتار، والخيبة، وبطء الحركة، وانسحاق حق المواطن المصري، وقيمته المهدرة المهدورة.

من أجلك يا «توحة»، ومن أجل أمثالك في هذا الشعب الصابر العزيز، أكرهك يا كل بذخ احتفالات وزارة الثقافة. أكرهك يا متاحف جديدة تكلفت الملايين، وليست من أولويات شعب مريض فقير. أكرهك يا مهرجانات ركيكة عن المسرح والسينما والتلفزيون و..ملتقى الشعر، فيا للقسوة المغلفة بـ«الشعر»، تغدق عليها الميزانيات التي لو أنفقنا نصفها لنهضة مستشفى القصر العيني وترميمه من أجل الإنقاذ والإسعاف وحياة أصحاب الحق الأصيل في الخدمات والرعاية لما استشهدت «توحة»، وأمثالها من الضحايا ولم نكن لنصرخ، كما صرخ الذي قال على الأرض الفلسطينية: «إسعااااااااااف يااااااااااااا الله».

ملحوظة: لم أتراجع حتى الآن عن صيحتي التي أطلقتها بصدق منذ سنوات، تضامنا مع مصلحة أهل بلدي: «تبرعوا بوزارة الثقافة لوزارة الصحة!».

> > >

التعليــقــــات
عبدالكريم البصري ـالصين، «الصين»، 20/02/2007
السيدة صافي ناز كاظم: أنا من متابعي كتاباتك ، ومقالك اليوم مؤثر وصادق من سيدة اعتادت قول الصدق في هذا الزمن العربي الردئ. تقبلي تحياتي واعجابي.
خليل الطائي، «الولايات المتحدة الامريكية»، 20/02/2007
شكرا على هذه المشاعر النبيلة المقدسة التي تفوح من روح السيدة صافي ناز كاظم والتي تثبت لنا ان الكتابة ممارسة نبيلة للوعي والإلتزام الشريف بقضايا الانسان .
و الرحمة الى روح المرحومة توحة التي هي رمز لعذابات المرأة العربية المستمرة !
أحمد فوزى عطية، «مصر»، 20/02/2007
للأسف في حال التبرع بوزارة الثقافة لصالح وزارة الصحة فلن ينعدل حال الصحة و سيزداد حال الثقافة سوءا و سنفقد العديد من إصدارات وزارة الثقافة و الأجهزة التابعة لها المدعمة و الوحيدة الممكن الحصول عليها بأسعار محتملة ....فالمشكلة ليست في قلة الموارد , إنما في الفساد و سوء الإدارة.
جيولوجي/محمد شاكر محمد صالح، «المملكة العربية السعودية»، 20/02/2007
شكرا استاذة صافي ناز كاظم على هذا المقال الذي يوضح الإهمال الذي يصيب كافة الفقراء في كثير من بلادنا العربية ، والست توحة ما هي الا مثل من ملايين الأمثلة التي تعج بها دولنا العربية . وتذكرت الآن أيام سيدنا عمر بن الخطاب اعدل خلفاء المسلمين في العصر القديم والحديث وإلى ان تقوم القيامة عندما كان يسهر على الرعية ويقول اخشى ان تتعثر دابة في العراق فيسألني الله لماذا لم تمهد لها الطريق وانقلب الحال في عصرنا التعيس هذا ليشمل ملايين البشر يعانون من تدني مستوى معيشتهم بالرغم من مظاهر البذخ والفشخرة التي نراها في حياتنا اليومية وفي جميع وسائل الإعلام والتي ننكرها ونكرهها جميعا ولست انت وحدك ياسيدتي.
أحمد علي، «المملكة العربية السعودية»، 20/02/2007
في زحام الماديات والمظاهر وانعدام الأخلاق والقيم والرحمة، تأتي فتحية لتعلمنا كيف يكون التواضع ممزوجا بالعزة والكرامة. رحم الله فتحية وأدخلها فسيح جناته.
عادل عمر محمد، «قطر»، 20/02/2007
أؤيدك ياسيدتي في تبرعك بوزارة الثقافة لصالح وزارة الصحة وأضيف نداء آخر أهيب فيه التبرع بوزارة الداخلية لصالح مصر كلها وشكرا.
AHMED MISMAR، «الولايات المتحدة الامريكية»، 20/02/2007
السيده صافيناز مقالك مؤلم ولكن هذا حال امة محمد, سيدتي الانحدار في بدايته.
أبو أسامه الرياض، «المملكة العربية السعودية»، 20/02/2007
هذا المقال يحمل فى طياته عدة نقاط أشارت اليها الكاتبة بإخلاصها تجاه وطنها والكادحين فيه من طبقات الشعب المختلفة لعلها بذلك تدعو لإحداث صحوة للنهوض بالوطن المهترىء :
أولا : ـ أشارت الى جهود المرأة المصرية بوجه عام ـ وللمعلومية فإن المرأة المصرية فى جميع أرجاء الوطن منذ مئات القرون أثبتت جدارتها في القرى والنجوع والمدن وقدمت للعالم أجمع شخصيات عظيمة لها مكانتها وثقلها على الصعيد العالمي كأدباء وساسة ومفكرين وأطباء وعلماء وباحثين ومدرسين ومهندسين وغيرهم في شتى المجالات وأذكر بعضا منهم كالعقاد والمازني وأحمد شوقي وحافظ ابراهيم والشيخ المراغي والدكتور مشرفة والدكتور زويل والدكتورفاروق الباز والدكتور الطبيب محمد ابراهيم والدكتور والباحث الكبير محمد الظواهرى والدكتور أحمد شفيق والدكتور النشائى عالم الفيزياء العالمي ورائد علم النانو وغيرهم كثير وكثير وكثير معنى ذلك أن المرأة المصرية لم تثبت نفسها إبتداء من عام1970 كما تقول السيدة جيهان السادات وإنما منذ قديم الأزل .
ثانيا :ـ هذا بالإضافة الى ما ذكرتهم الكاتبة من اقضليات المشاهير وكذلك السيدة الشهيدة توحه رحمها الله بواسع رحمته فقد كافحت وتعبت وعانت حتى لا تمد أيديها للتسول أو الحرام .
ثالثا :ـ موقف الشرطة من سائقي الميكروباسات وتجار البانجو والناس العاديين .
رابعا :ـ عدالة القضاء وصحوته لدرء هذه المفاسد لمصلحة الوطن .
خامسا :ـ الإسراف والإبتذال الذي تتميز به بعض الوزارات بدون داعي .
سادسا :ـ الإهمال الطبي الجسيم الذي أدى إلى وفاة السيدة الشهيدة توحة وآلاف الموتى قبلها وبعدها.
من يكون للوطن ... من يكون للوطن .
الدكتور نجم البرزنجي، «قطر»، 20/02/2007
الاستاذة الفاضلة لك مني خالص التعزية بهذا المصاب واعلمي انه هناك الالاف يسقطون يوميا في مسلسل الاهمال والعبثية التي سيطرت على كل شيء ....ارجو منك ان تكتبي كل يوم يا سيدة مصر العزيزة ودمت.
شريف أحمد ـ الامارات، «الامارت العربية المتحدة»، 20/02/2007
بالله عليك أخطاء طبية في مستشفى السلام وإهمال في القصر العيني ....... أين يذهب مرضانا ومصابونا؟ وبعد ذلك كله نتساءل ويتساءل الكثيرون معنا عن احوالنا ... انا واثق ان كلامك عن اموال الثقافة ستواجه باتهامات بالجهل تكال لك فالثقافة هي وهي وهي وكذا وكذا وكذا ومن لا يقول بغير ذلك فهو جاهل او متجاهل ولنا الله.
عقيل الخطيب، «السويد»، 20/02/2007
سيدتي الفاضلة قلمك حر ونفسك طاهرة ادعوا الله العلي القدير ان يرعاك ويحفظك لاجل كلمة حق يراد بها الحق.
الصادق اليوسفي، «المملكة المغربية»، 20/02/2007
تحية احترام لك أيتها الأستاذة المعلمة الكبيرة في أعيننا جميعا و تحية إجلال و تقدير لتوحة النموذج الحي لكل النساء العربيات الشريفات المناضلات من أجل لقمة العيش الطيب الحلال.
عبد الملك فراش، «المملكة العربية السعودية»، 20/02/2007
وقبلهن سيدات أكبر قدرا وعلما. لعل الاستاذة صافيناز نسيت ان تذكر اهم السيدات الرائدات وهن السيدة هدى شعراوي والسيدة أمينة السعيد والسيدة درية شفيق حسب ظني وهؤلاء رائدات العمل الثقافي والسياسي، مع مجموعة ضخمة من السيدات يصعب حصر أسمائهن كن الرائدات ، وفي مجتمعات عربية أخرى مثلهن كثير في السعودية ولبنان وسوريا والعراق والسودان والمغرب وهكذا.
mechal aladawi، «فرنسا»، 20/02/2007
سيدتي الفاضلة لقد اختصرت الواقع العربي في قصة الشهيدة توحة. تحية اكبار لك ولكل الامهات .

 
ارسل هذا المقال بالبريد الالكترونى   اطبع هذا المقال