الاربعـاء 23 محـرم 1430 هـ 21 يناير 2009 العدد 11012 الصفحة الرئيسية
 
رشيد الخيون
مقالات سابقة للكاتب    
إبحث في مقالات الكتاب
 
مهدي الحكيم.. عِمامة من طراز آخر!

استجاب السيد محمد مهدي الحكيم لدعوة الشيخ حسن الترابي لحضور مؤتمر «الجبهة الوطنية الإسلامية» بالخرطوم، وهناك كان موعده (17 كانون الثاني/يناير 1988) مع رصاصات مجهول، أردته قتيلا، وقد تحدث الكثيرون أنه اُستدرج لهذه الغاية. ولم تسع حكومة السودان، ولا الشيخ الترابي، إلى كشف القاتل، مثلما فعلت عاصمة اليمن الديمقراطية وفضحت قتلة ضيفها أستاذ الفلسفة توفيق رشدي (1979)، ودولة البعث كافة، على الرغم من فقر عدن وحاجتها لمعونة بغداد الغنية!

كان مركز «أهل البيت» في لندن، بإشراف السيد محمد بحر العلوم، يحيي مناسبة الاغتيال، ولعله واظب على هذا التقليد بعد عودته النهائية إلى النجف. ليس لدور المُغتال في تأسيس المركز حسب، إنما لدوره المبكر في المعارضة، التي لا أراها تذكره مثل ذكرها لبقية شهدائها من أصحاب العمائم، ومحاولاته في إقامة دولة مدنية، تحفظ حقوق الشيعة والسُنَّة وبقية الجماعات العراقية. وترى مقولة دولة مدنية متسعة الآفاق، وأن تدعيها عِمامة، في ذلك الزمن، ليس بالحدث الهين، بل تنم عن مسؤولية وطنية وانفتاح لم نعتد فعله من العديد من أهل العمائم، بيضها وسودها، وهم في السلطة حاليا.

جاء في المذكرات المبتسرة، التي تركها شفاهية، ثم صدرت بعد اغتياله: «عندنا في الواقع عمل سياسي دؤوب.. همنا حينذاك أن يأتي حكم مدني نتخلص به من الحكم العسكري، وهذه خطوة كنا نعتقدها ضرورية، وأن الحكم المدني يعطي شيئا من الحريات للناس..». وبهذا الصدد ينقل عن والده آية الله محسن الحكيم (ت 1970) قوله لرئيس الوزراء الشيعي محمد فاضل الجمالي (ت 1997): «إن الحكومة التي تتشكل من الشيعة، من الشرطي حتى الملك، ولكنها تميز بين الناس على أساس الشيعة والسُنَّة فإنها حكومة طائفية، وإنني أرفضها، ولو أن الحكم كله سُنَّي من الشرطي حتى الملك، ولا يفرق بين الناس فإنني أعتبره حكما طبيعيا.. إني أرى الناس الآن يصنفون على أساس مذهبي، وليس على أساس الكفاءات». وهو ما يعانيه العراق اليوم، ومن الأماني أن أصحاب الأمر يقلدون فتوى الميت فهو محسن الحكيم!

حصل اللقاء عند زيارة الجمالي إلى النجف، وكان التقليد أن يتم اللقاء بين المرجع والمسؤول الحكومي، مهما كانت منزلته، بالحضرة العلوية، جرى ذلك منذ (1870) عندما زار ناصر دين الشاه العتبات المقدسة ولقاؤه بمرجع زمانه السيد محمد حسن الشيرازي (ت 1897) بأروقة الحضرة المذكورة (مَغنية، مع علماء النجف). إلا أنه في الأيام الأخيرة تُرك العمل بذلك التقليد وأخذ المسؤولون يقصدون المرجع إلى داره!

كان السيد الحكيم وكيلا لوالده ببغداد (1964-1969)، وهو حلقة اتصاله بأرباب الدولة، وبعد تفاقم الخلاف، بعد انقلاب 17 تموز، أُجبر، أمين عاصمة بغداد السابق، مدحت الحاج سري، على الإدلاء بشهادته من على شاشة التلفزيون، بأنه يعمل في شبكة تجسس مع الحكيم الابن، فاضطر على الهجرة سرا. لذا يمكن عد المهدي من أوائل المعارضين في الخارج. أسس الأفواج الإسلامية، ومنظمة حقوق الإنسان، ولجنة رعاية المهجرين العراقيين، إلى جانب مركز أهل البيت، وكان محلا لمعارضة دولة البعث.

يجمع العديد من معارف مهدي الحكيم، من مختلف المشارب، على عقله المتنور، وحزمه على أمرين بالغي الأهمية بالنسبة للعراق: إقامة دولة مدنية، ومحاربة الفقر، وعلى خلاف إيران ليس له شأن بولاية الفقيه. ولا يستغرب تعامله السياسي المعارض مع شخصيات من أهل السُنَّة أومن خارج النطاق الديني. وعلى الرغم من موقفه السابق من ثورة 14 تموز وما جرى من خلاف بين المرجعية ورجالات الثورة، إلا أنه لا ينسى لعبد الكريم قاسم عراقيته. قال: «هو ليس بشيعي، وليس بسُنَّي، وليس بمسلم، وليس بيهودي، فهو عراقي، وهذا الأمر جعله لا يملك تحيزا لجهة شيعية أو سُنَّية»(مذكرات..). وبالفعل كان عندما يصلي يقفل الباب دونه، ولما سُئل قال: «لا أريد أن يراني أحد على أي مذهب صلاتي، لأني رئيس وزراء العراق»!

أجد خسارة العراق كبيرة بعِمامة مثل عِمامة مهدي الحكيم، ذلك إذا علمنا بقولة أحد الرؤساء الحاليين، ودأبه السير خلف صاحب عِمامة: إن «سواد الناس يريدون عِمامة يتبعونها»! وهنا أنقل ما حدث لي مع السيد هاني فحص: كنت أقود والدتي، التي التقيتها بعد ثلاثين حولا، فصادفنا السيد فحص، معتمرا الفيصلية بدلا من عمامته السوداء، فسلم على والدتي مع تقديم الإشادة بابنها، وعندها قلت له لا ملاطفا بل جادا: «سيد لو كنت تعتمر العِمامة لكان لكلماتك وقعا عليها»! وهكذا بقية المُقلدين من السواد في أمور الدين والدنيا..!

r_alkhayoun@hotmail.com

> > >

التعليــقــــات
حميد الكفائي، «المملكة المتحدة»، 21/01/2009
شكرا للدكتور رشيد الخيون على تذكره للسيد مهدي الحكيم الذي عرفته جيدا وأتذكر أنني كنت ذاهبا لزيارته يوم الأحد 17/1 من عام 1988 في مركز أهل البيت، حيث كان يعقد جلساته كل يوم أحد، وقد قيل لي إنه مسافر فعدت وأثناء عودتي إلى المنزل مساءا سمعت في أخبار إذاعة البي بي سي العالمية في السيارة خبر إغتياله في السودان. لقد كان السيد مهدي كما وصفه الدكتور الخيون كبيرا بكل ما للكلمة من معنى وكان قد افتتح مركزا في لندن وكان يستقبل فيه كل العراقيين بكل أديانهم وتوجهاتهم السياسية والاجتماعية، وكانت هذه الصفة عند مهدي الحكيم، وهي شعبيته بين العراقيين جميعا، هي أحد أهم اسباب استهدافه من قبل النظام السابق الذي خاطر بسمعته الدولية والعربية من أجل تغييب هذه الشخصية الوطنية جسديا.
باسل فخري، «كندا»، 21/01/2009
نعم, كفانا تقديسا للشخوص والعمائم. يجب ان نعلم ونثقف سواد الناس وعامتهم للارتقاء الى مستوى من الوعى يؤهلهم لاتباع العقل والمنطق. لا ان نشجعهم على اتباع شخوص والتخلي عن عقولهم. فالحضارة والمدنية لا تبنى الا بالعقول السليمة النظيفة لا بالعواطف والاوهام.
عامرعمار، «الولايات المتحدة الامريكية»، 21/01/2009
إن عمامة مثل عمامة الشهيد المغدور تجمع ولا تفرق تنير ولا تظلم.. لا تحتاج أحدا ليتبعها فهي فنار لنا سنة وشيعة نحتاجها اليوم أكثر من أي وقت مضى وسط تجاذبات ومهاترات العمائم الطاغية التي أشبعتنا تفرقا وطائفية وظلاما...
طلال ابراهيم، «الولايات المتحدة الامريكية»، 21/01/2009
رحم الله والديك على ذكرك المرحوم الشهيد المظلوم. لقد جائنا الشهيد عدة مرات لاحياء ذكرى استشهاد الصدر في جامعة لوس انجلس فلم نجد له شبيها له لم يحمله من عقلية متنورة وافكار نيرة فكان رحمه الله رجل دين وسياسي محنك وقائد وطنيا عراقيا مخلصا لبلده واهله. رحمه الله برحمته الواسعة.
كاكو عبدالرحمن-العراق، «العراق»، 21/01/2009
لا أحد يستطيع ان يمحو اسم انسان نظيف ووطنى وجيه وعراقى مخلص من القلوب وكذلك مواقف آل الحكيم ومع اننى لست شيعيا ولكنى تأثرت بمواقف السيد محسن الحكيم رحمة الله عليه, فعندما طلبت منه الحكومة العراقية أصدار فتوى بهدر دم الكرد رفض وقال لايجوز قتال المسلم مهما كانت الاسباب. مهدى الحكيم صار بنفس النهج لذلك حاول النظام البائد التخلص منه ولم يستطع النظام اثبات تهمة عليه سوى الاتهام او الادعاء كما فعل مع عشرات المئات من الاخرين. رحم الله رجال العراق الراحلين وشهداء آل الحكيم. عزاؤنا ان السيد عبد العزيز وعمار الحكيم يسيران على نفس النهج ولهم نفس النفَس فى الوطنية والاخلاص لتربة العراق.
محمد الشبكي، «هونج كونج»، 21/01/2009
شكرا لك ايها الاستاذ نرجو من الله ان يحفظ لنا امثالكم من الجيل (القبل وبعد البعثي) انتم ذخيرة العراق
بعد ان فقدنا امس الاستاذ حسين محفوظ
د.عباس عبدالله، «فرنسا ميتروبولتان»، 21/01/2009
كلمتك رائعة ومؤثرة اعادت لنا الثقة بالعمامة التي فقدت الكثير من وقارها في عراق اليوم
جواد كاظم الخالصي، «المملكة المتحدة»، 21/01/2009
لقد وضع السيد الكاتب المنهاج الصحيح الذي يجب على من يمارسون العمل السياسي في عراق اليوم أن يسيروا عليه وخصوصا المعممين منهم في قيادة العراق وأن يبتعدوا عن المهاترات السياسية التي لا تخدم البلد في ضوء التحديات العالمية التي تمر بها دول العالم ، كفى تقوقعا خلف الشخوص وتنزيهها، يجب أن ينطلق الشخص الكفء بعيدا عن كل التبعيات ليساهم في بناء العراق ولتتقدم الطاقات الشابة والكفوءة علميا في رسم طريق جديد ولا يجب أن نعسكر المجتمع بشكل فئوي ولائي لجهة معينة ثم يكون الوطن في حساباتنا يأتي بالدرجة الثانية.
د. حميد النجدي، «المملكة المتحدة»، 22/01/2009
رحم الله تعالى الشهيد الغالي السيد مهدي الحكيم فقد كان مخلصا لوطنه مجاهدا عن مبادئه محبا لشعبه عالما عاملا واعيا صادقا في تعامله يكاد من يلتقيه لايرغب في مفارقته لدماثة اخلاقه وحسن معاشرته وانبساطه لجليسه بعلم وادب وخلق حسن واهتمام بمعارفه وجلسائه مع نباهة وفطنة وود ونزاهة ندر ان تجد امثاله في صدق تعامله وواقعيته ودقة تحليله للواقع الذي يعيشه مع احترامه للعلماء وخاصة العاملين منهم.

 
ارسل هذا المقال بالبريد الالكترونى   اطبع هذا المقال