الثلاثـاء 03 جمـادى الاولـى 1433 هـ 27 مارس 2012 العدد 12173 الصفحة الرئيسية
 
غسان الإمام
مقالات سابقة للكاتب    
الشطرنج الروسي: قيصر وشاه وبيدق سوري
مصارحة حول مأساة بابا عمرو
قراءة في دستور الشبيحة
سين وجيم حول عسكرة الانتفاضة السورية
سباق بين الأمركة والأسلمة لاحتواء الانتفاضة
مصير نظام الأسد تقرره حرب الاستنزاف
الصراع الاجتماعي وجه آخر للمأساة السورية
في انتظار المساومة بين بوتين وأوباما
العرب بين «ماما» أميركا و«خالتي» إيران
المتغيرات التي حولت بشار إلى شمشون
إبحث في مقالات الكتاب
 
نظام الطائفة: سجل حافل بالاغتيال السياسي

نظام الطائفة والعيلة لا يحب المثقفين. عسكر الطائفة أزاحوا مثقفي البعث التاريخيين، ليستولوا على السلطة بأقل ضجيج ممكن. ألقى النظام الطائفي بشاعر سوريا الكبير «بدوي الجبل» في وحل فرع جاف لبردى، بلا تقدير لقيمته، وبلا اعتبار لعلويته. مات المفكر القومي زكي الأرسوزي معلما. فقيرا. متقاعدا. لم ينله شيء من «غنائم» طائفته الحاكمة.

بعد اغتيال عسكر الطائفة في الحزب السوري القومي للعقيد عدنان المالكي رجل البعث والجيش القوي، علنا، في ملعب لكرة القدم (1955). فر المثقف العلوي و«السوري القومي» علي أحمد سعيد إلى لبنان. تقمص علي روح أدونيس آخر آلهة السوريين القدماء السابقين للعروبة والإسلام. ونصب نفسه أميرا لورشة الشعر «الميكانيكي».

لكن أدونيس لن يدخل التاريخ من بوابة الشعر، بعد تدميره هو وتلامذته ذائقة العرب الشعرية. إنما كمفكر. ودارس. وناقد لفقه. وتاريخ. وتراث المرجعية السنية الدينية. من سوء حظ الثقافة والسنة معا، أن أدونيس كتب ذلك بلغة نثرية بالغة الجمال والأناقة في العرض والإنشاء، وليس في النقد والإقناع.

في توبة خجولة عن انتسابه لحزب فاشي، فر أدونيس بعد نشوب الحرب اللبنانية، إلى فرنسا، ليقيم فوق السين، على رأس «خلية» من مثقفي الطائفة. شلة من «الأوادم» الحقيقيين الذين لم تلوثهم مذابح نظام طائفتهم. إنما انهمكوا بتهيئة مرشدهم أدونيس للنوبلة التي يبدو أنه فقد الأمل بها، بعد موقفه المتردد إزاء نظام طائفته الذي سود سمعته الدولية والعربية بمجازره ضد شعبه.

من «مآثر» أدونيس وخليته إقناع المفكر الجزائري الأمازيغي محمد أركون بـ«تقدمية» الفقه الشيعي بالمقارنة مع الفقه السني!

صدق الراحل أركون «نظرية» أدونيس. فألف وكتب بالفرنسية عن هذه الأفضلية المزعومة، من دون أن يقدم بحوثا في الفقه الشيعي تثبت تفوقه «العقلاني» و«الانفتاحي» على الفقه السني. ومن حسن حظ الفقه السني أيضا، أن أركون طبق نظريات النقد الاستشراقية، على الإسلام، فلم يعد مفهوما. أو مقروءا في ترجمته إلى العربية.

أدونيس ناقد ومفكر شديد الحساسية. دمعته مستعدة دائما للهطول مدرارا على وجنتيه. لكن إنسانيته لم تتأثر بمجازر النظام. ففي آخر إعلاناته التلفزيونية، يقول أدونيس بصراحة «لست ضد النظام»! وكأنه يعتذر بلباقة عن نقده السابق الخفيف لبشار. خلية أدونيس تسايره. فهي في ترددها أمام مجازر النظام الطائفية، تدين ضمنا «طائفية» السوريين جميعا، سنة وعلويين!

ليست مهمتي، في هذا الحديث اليوم، الرد على هذا اللغو الطائفي الذكي. فثوابت الفقه السني معلنة. لا سرية فيها. وله مدارسه ومؤسساته التي تدافع عنه وتحميه. إنما أحببت أن أواجه هذا التردد في إدانة النظام، من خلال تقديم ملخص ليوميات سجله الحافل، ليس بالمكر السياسي فحسب، لكن الحافل بالمجازر. والتصفيات. والاغتيالات، ضد شعبه ومجتمعه، لمجرد كون غالبيتها من الطائفة السنية في انتمائها العربي، بادئا في حلقة عما فعله في سوريا. وفي حلقة الثلاثاء المقبل عما فعله في لبنان.

بدأت مسيرة الطائفة العلوية، عمليا وجديا، للاستيلاء على السلطة، منذ تشكيل «اللجنة العسكرية» السرية خلال عهد الوحدة مع مصر (1959). وقد لعب ضباط البعث العلويون (محمد عمران. صلاح جديد. حافظ الأسد) الدور الأكبر فيها. وخلال سنوات قليلة. تمكنوا من تحييد زعماء البعث التاريخيين (عفلق. البيطار. الحوراني)، وإقصائهم عن العمل السياسي بالانقلاب العسكري، على الرغم من أن الحوراني (السني) هو الذي فتح المجال أمامهم للانتساب للجيش.

برز أولا دور صلاح جديد في تحييد الضباط المستقلين والناصريين الذين شاركوه في انقلاب 1963. استخدم صلاح جديد ضابطين سنيين كبيرين (اللواء زياد الحريري. والفريق أمين الحافظ) في ضرب الشارع الناصري. ثم تخلص منهما بنفي الأول. وبالانقلاب الدموي على الثاني.

بقيت حركة اللجنة العسكرية سرية. لم يعرف السوريون عنها شيئا. حتى بعد تفككها بالخلاف بين زعمائها العلويين. قتل اللواء محمد عمران في منزله بطرابلس لبنان. كان الاتهام الموجه إليه أنه ليبرالي «متآمر» مع صلاح البيطار الذي غادر الحزب أصلا في خلاف مع عفلق.

ثم برز دور حافظ الأسد الذي اعترض على «مركسة» صلاح جديد لحزب البعث. في انقلاب الأسد (1970)، نحر أو انتحر مدير المخابرات (الإسماعيلي) عبد الكريم الجندي. وتم الزج بصلاح في السجن مع رئيس دولته وحكومته. مات صلاح في السجن (1993). وأفرج عن يوسف زعين رئيس الحكومة. أما «الرئيس» نور الدين الأتاسي، فقد أفرج عنه في العام ذاته، ليموت بعد أسابيع بالسرطان في مستشفى بباريس.

مع الأسد الأب، استكملت الطائفة العلوية عملية الاستيلاء المطلق على السلطة. ظل السوريون بمعزل عن السياسة والحرية. حملوا الأسد الأب على الأكتاف بعد ترئيسه. رفضت الغالبية السنية دعوة الإخوان المسلمين للاعتصام المدني، لشل النظام الطائفي. فكافأ الأسد السنة بتدمير قواها الليبرالية، عندما طالبت النقابات المستقلة (المحامون. الأطباء. المهندسون. الصيادلة) بديمقراطية حقيقية (1980).

ظل الأسد يعدها بالوفاء بما طالبت به. إلى أن حلت النقابات الاعتصام والإضراب. فكافأها باعتقال المضربين سنين طويلة وبتأميمها. وأوكل إلى أجهزته الأمنية اختيار رؤساء وأعضاء المجالس النقابية منذ ذلك الحين إلى اليوم.

أرهق التورط في لبنان أعصاب الأسد وحده. أصيب باكرا بأمراض مستعصية. أفاق من غيبوبة طويلة بعد أزمة قلبية، ليجد نفسه ونظامه على وشك الانهيار: قضى شقيقه رفعت بالمشاركة مع خصومه من ضباط الطائفة، على اعتصام الإخوان في مدينة حماه بتدميرها فوق رؤوس أهلها (1982). ثم اختلف المنتصرون على اقتسام التركة، ظنا بأن الرئيس لن يفيق من غيبوبته.

بالمناورة حينا. بالتسوية. والحيلة. والتهديد أحيانا، تمكن حافظ الأسد من تحييد شقيقه الأصغر رفعت بإبعاده نهائيا عن سوريا (1998). وتسريح خصومه. لوحق ما تبقى من الجناح الاستئصالي الإخواني بلا هوادة. قتل ألف معتقل في مجزرة بسجن تدمر الصحراوي.

وامتد الانتقام حتى للقيادة الإخوانية السلمية السابقة. فاغتيلت زوجة القيادي السابق عصام العطار في منزلها بألمانيا، عندما لم تعثر فرقة الاغتيال على زوجها.

لا حدود لصبر حافظ الأسد. استعاد المبادرة في لبنان. ضرب الموارنة. والسنة. اعتمد الشيعة. استوعب الدروز. ناور. لم ينفذ اتفاق الطائف. ملت أميركا منه. سلمته دور الشرطي. فاغتيل رئيسان لبنانيان. وفي مقابل مشاركته في حرب الخليج الثانية (إخراج صدام من الكويت)، سمحت أميركا وأوروبا له بمحاصرة ميشال عون. فقوض «دولته». نفاه إلى فرنسا. ثم استعاده الأسد الابن، بعد 15 سنة، حليفا. مطيعا!

لنظام الأسد والابن في لبنان قصة تستحق أن تروى ليس من جانبها السياسي المعروف، وإنما من جانبها المظلم. من ملابساتها المخابراتية. فإلى الثلاثاء المقبل، لعل خلية أدونيس الثقافية تفصل، في تقييمها المتردد للنظام، بين انتمائها الطائفي الذي لا أحاسبها عليه، إنما ألومها في تسخيره لاتهام الأغلبية (السنية السورية) مع الطائفية. إنه النظام الطائفي الذي ربى، على مدى خمسين سنة، السوريين على تذكر طائفيتهم قبل عروبتهم. وها هو يكرر المأساة اليوم في ذبح الانتفاضة و«تطييفها».

> > >

 
ارسل هذا المقال بالبريد الالكترونى   اطبع هذا المقال