الثلاثـاء 21 ربيـع الاول 1436 هـ 13 يناير 2015 العدد 13195 الصفحة الرئيسية
 
سمير عطا الله
مقالات سابقة للكاتب    
يدمِّران ما بنيا
المعرفة التركية بالجيران
عام اللغة وسنتها
المرة الثانية
أهل القانون وأهل اللغة
معاني النفوذ
بغداد من دون هاء فارسية
شكرا للسنيور دي ميستورا
أنشودة الشعر وديوان الحزن
في اليمين أم في اليسار؟
إبحث في مقالات الكتاب
 
الحرب العالمية

كان بوب ماكلان مراسل شبكة «سي بي إس»، أول صحافي يدخل الكويت بعد تحريرها: «بيوت كثيرة صودرت. الفنادق على طول الشاطئ أُحرقت. الشوارع مليئة بالخنادق. ومدينة الكويت تبدو مثل بيروت من قبل». كان المراسلون الأجانب في الماضي يستعيرون التشبيهات من حرب كوريا أو فيتنام. لكن لم يعودوا مضطرين للذهاب بعيدا، لا في المسافة ولا في الذاكرة. النماذج في المنطقة تتكدس بلا توقف.

كل حرب أسوأ من الأخرى. فيما يقول قائد القوات الحليفة شوارتزكوف إن «عشرات الآلاف من الجنود العراقيين» قتلوا في حرب الكويت، يقول المراسلون إن الجيش العراقي المنسحب، ترك في مصافي الأحمدي أسوأ كارثة نفطية في التاريخ. عندما تجمع الحروب العربية القاتلة والانتحارية والخاسرة يتجمع لديك ما يوازي حربا عالمية أخرى. فعندما ضربت بغداد، بعد رفض صدام حسين الانسحاب، «كانت الضربة أقوى مما أصاب هيروشيما وناغازاكي معا». غير أن «القائد الأعلى للقوات العراقية المسلحة، لم يسطّر في ملجئه قرب فندق الرشيد بيان وقف النار» إلا بعد سلسلة من الهزائم المريعة. رجل خاض حربا برية وهو لا يملك سلاحا جويا يصور له تحركات أعدائه، وحلفاؤه السوفيات، الذين يصورون كل شيء مرتين في النهار، لم يُكرموه بصورة واحدة مما لديهم.

بعد 1967 كتب العسكريون المصريون، آلاف الصفحات عما حدث. لم يصدر كتاب لعسكري عراقي عن حرب إيران والكويت لكي يقارن بعشرات المؤلفات التي وضعها الأميركيون. لا تعرف شيئا عن حقيقة وحجم الخسائر البشرية والمادية في الحربين. لا أرقام لدينا من النظام السوري وإنما من المعارضة. وحدها تقارير الشرطة اللبنانية كانت تحصي ما تستطيع من موتى الأيام، من دون وقت كاف لإحصاء المصابين. الرقم الذي عرضته الجزائر عن «حرب الإنقاذ» كان واضحا أنه أقل بكثير من معدلات الحقيقة.

لكن الإنسان العربي والحجم العربي والمال العربي خسائر لا تستحق التدوين. لن يستطيع أي حساب بشري أن يقرر حجم خسائر حروب العراق بالبشر والحديد. ولا هناك كتب أو ملاحم أو روايات تتسع لوصف ما تعرض له العرب في نصف القرن الذي مضى.

حروب البشر لها من يدوِّنها. صراخ الناس له من يسمعه. العرب يفجّرون في الشوارع أو على الجبهات، وأقصى ما يحلمون به تقارير الشرطة. قاد الزعيم العربي شعبه نحو الموت والدمار والخسارة في كل مكان، لأنه لم يصغ إلاّ إلى صوت نفسه وصداها. لم يستمع إلى الدبلوماسيين في السياسة، ولا إلى العسكريين في القتال، ولا إلى الأنين في ساحات الموت والخراب. كل صوت واعٍ وحكيم كان يخاف أن يُتَّهم بالجبن والخيانة. لذلك، رأينا جيوشا لا تُهزم فقط بل تُهان أيضا. الرمال مليئة بأحزان رجال لا علاقة لهم بالمقابر الهائلة والاستسلامات الجماعية، وآلاف أسرى الحرب الذين تركوا إلا من رغيف وقبضة أرز. أو ما شابه.

> > >

 
ارسل هذا المقال بالبريد الالكترونى   اطبع هذا المقال