الاربعـاء 22 ربيـع الاول 1436 هـ 14 يناير 2015 العدد 13196 الصفحة الرئيسية
 
سمير عطا الله
مقالات سابقة للكاتب    
يدمِّران ما بنيا
المعرفة التركية بالجيران
عام اللغة وسنتها
المرة الثانية
أهل القانون وأهل اللغة
معاني النفوذ
بغداد من دون هاء فارسية
شكرا للسنيور دي ميستورا
أنشودة الشعر وديوان الحزن
في اليمين أم في اليسار؟
إبحث في مقالات الكتاب
 
حرير ونايلون

تزامنت عودة الانفراج بعد حرب لبنان مع بدايات الانفتاح في الصين قبل نحو ربع قرن. وكان أول الواصلين إلى بلاد الحرير طبعا تجار لبنانيون. أحدهم، جار لي، ذهب إلى بيجينغ «مستكشفا» ولا يزال فيها مقيما. وفي انطباعاته الأولى كان يخبرني أن من غرائب الصينيين حبهم «للنايلون» الذي ننفر نحن منه، وعدم تعلقهم بالحرير. ويضيف ساخرا: «إذا ما أردت أن تصنع ثروة بسرعة اذهب ومعك شحنة نايلون وبادلها بشحنة حرير».

على الرغم من ثقتي بموضوعية الجار الكريم، لم أقتنع كثيرا بانطباعه عن الصين. لعله جهل اللغة. أو لعله حدث فردي. ومضى الوقت مضيا كما في كل مكان وكل زمان. وبما أنني أعود دوما إلى كتابات ذلك الطنجاوي الشهير، أو الأكثر شهرة، ابن بطوطة، فصدفةً أيضا وقعت على رحلته إلى الصين:

«وجميع أهل الصين إنما يحتفلون في أواني الذهب والفضة، ولكلٍ منهم عكاز يعتمد عليه في المشي، ويقولون: (هو الرِجل الثالثة). والحرير عندهم كثير جدا، لأن الدود يتعلق بالثمار ويأكل منها، فلا تحتاج إلى كثير مؤونة، ولذلك كثر، وهو لباس الفقراء والمساكين. ولولا التجار لما كانت له قيمة، ويباع الثوب الواحد من القطن عندهم بالأثواب الكثيرة من الحرير».

اعتذرت في نفسي من إساءة الظن في الجار السابق. أما لماذا لم أعتذر منه شخصيا بدل ذلك، فلأنه أصبح من سكان شنغهاي، التي كانت في الماضي مدينة الأفيون والخدر، وأصبحت الآن مثل مانهاتن وشيكاغو، مدينة الحياة في السحاب. لطالما ذهب إليها أشهر أدباء أوروبا أوائل القرن الماضي، لكي يكتبوا عن معالم التخلف وصور الكسل. أما الآن فقد عادوا «أهل صناعة» كما قال عنهم ابن بطوطة، الذي لاحظ أن الصين أيضا بلاد آمنة «تسري فيها 9 أشهر» من دون أي مشكلة. ويلاحظ أيضا أن أهل البلاد بارعون في «التصوير»، أو الرسم. وكانوا إذا طاردوا فارّا، وزّعوا رسمه على الأقاليم، كما توزع صور المطلوبين هذه الأيام. ومما لفته أيضا، كان ما لفته دائما، وهو أن سعر الجواري شديد التدني.

إلى بضعة عقود كانت الصين بلدا مغلقا، يرتدي فيه الرجال والنساء زيا موحدا. حتى رئيس وزراء الاتحاد السوفياتي كوسيغين انتقد ذلك في حديث مع الجنرال ديغول، قائلا: «هل يُعقل أن يبدو شعب كامل مثل الجنود»؟ كان الاختلاف ممنوعا، أو محظورا، وعلى كل مواطن أن يرتدي بزة التشرمان ماو. وطاب للرئيس ياسر عرفات أيضا أن يناديه الأجانب «تشرمان عرفات». وفي الستينات شاعت بزة ماو بين اليساريين العرب والأفارقة. وانتشرت أيضا كموضة في العالم، ثم ما لبثت أن تراجعت. وكنت أشتري البزة من مخزن خاص بذلك في لندن، لكنه كاد أن يفلِّس، فكف عن عرضها، وصرنا نبحث عنها في بعض أسواق الخليج.

> > >

 
ارسل هذا المقال بالبريد الالكترونى   اطبع هذا المقال