الخميـس 23 ربيـع الاول 1436 هـ 15 يناير 2015 العدد 13197 الصفحة الرئيسية
 
سمير عطا الله
مقالات سابقة للكاتب    
يدمِّران ما بنيا
المعرفة التركية بالجيران
عام اللغة وسنتها
المرة الثانية
أهل القانون وأهل اللغة
معاني النفوذ
بغداد من دون هاء فارسية
شكرا للسنيور دي ميستورا
أنشودة الشعر وديوان الحزن
في اليمين أم في اليسار؟
إبحث في مقالات الكتاب
 
ليس ضروريا أن يلتقيا

بعض «الكليشيهات» اهترأت من كثرة الاستعمال عند الذين لا يعرفون من الكتابة سوى النقل، كما يقول الأستاذ محمد حسنين هيكل. ومن قبيل الاضطرار والطارئ، أعود إلى قول روديارد كبلنغ «الشرق شرق والغرب غرب ولن يلتقيا». وليس من الضروري أبدا أن يلتقيا، ولا أن ينصهرا. ولكن من الضروري، للاثنين، ألا يبقيا على صدام دائم يهز سطح الكوكب. ولكي نقترب من هذا الانسجام يجب أن نتبادل ركائز العلاقة، وأولاها الاحترام المتبادل للجوهري عند الفريقين.

لا الغرب يسيء إلى حرية المعتقد، ولا الشرق يسيء إلى حرية التعبير. لا الغرب يعامل حرية التعبير على أنها حرية الإساءة، ولا الشرق يعامل القانون على أنه رشاش يحمله أي محكوم سابق. لا ازدواجية في الأمر. لا يمكن أن نطلب من الإرهاب احترام معتقدات الإيزيديين وحقوقهم كمواطنين، وألا نطلب من رسامي الكاريكاتير احترام مشاعر المسلمين حول العالم، خصوصا الأكثرية الساحقة، المتميزة بالعقل والإيمان ومفهوم الرسالة.

تحدي المشاعر عجرفة لا ضرورة لها ولا مكان. فحوار الحضارات لا يتقبل المستويات المهينة لأحد. وفي فرنسا نفسها أبواب حوار كثيرة، شرَّعها المفكرون والمصلحون والمستشرقون والعاملون، من أجل عالم أكثر تسامحا وتقبلا للآخر. وآخر معرض في «معهد العالم العربي» كان عن مكة. لكن المتطرفين من كل طرف لا يلقون بالا إلى كل ما هو إيجابي وانفتاحي وعقلاني. إنهم يهدفون إلى العكس تماما. لأن التطرف لا يستطيع أن يعيش في مناخ صحّي ومتعافٍ.

الحرية أيضا تقوم على القانون. وإذا كان القانون الفرنسي يحظر الإساءة إلى الأفراد، فالأحرى أن يمنعها عن المعتقدات. كما أن القانون، في كل مكان، يحظر الإساءة إلى العلاقات بين الأمم. المؤسف أن هذا أمر يطلب من أهل القانون وليس من أصحاب الجريمة التي لا شيء، لا شيء، على الإطلاق يبررها أو يسوِّغ همجيتها.

أمام مجزرة «شارلي إيبدو» مفترقان: إما أن تأخذ الشرق والغرب إلى الصدام الذي يريده التطرف، وإما أن توقظهما إلى مدى أهمية الحوار وعجلته. الفريق الأول لا مسؤولية له، لأنه يعيش في الظلام وينمو في العتم، لكن المسؤولية الكبرى على فريق العقل والسعة وثقافة الحياة.

رفض فرنسوا هولاند أن يدعو اليمين المتطرف إلى تظاهرة باريس، على الرغم من نسبة تمثيله الشعبي. وعادت أنجيلا ميركل إلى برلين لترأس تظاهرة تدعو الناس إلى التعقُّل والهدوء. لكن مسؤولية الزعامة ليست فقط في أيام الهدوء والهناء. الزعامة والحكمة للأيام الشديدة الصعوبة والوعورة.

> > >

 
ارسل هذا المقال بالبريد الالكترونى   اطبع هذا المقال