السبـت 25 ربيـع الاول 1436 هـ 17 يناير 2015 العدد 13199 الصفحة الرئيسية
 
سمير عطا الله
مقالات سابقة للكاتب    
يدمِّران ما بنيا
المعرفة التركية بالجيران
عام اللغة وسنتها
المرة الثانية
أهل القانون وأهل اللغة
معاني النفوذ
بغداد من دون هاء فارسية
شكرا للسنيور دي ميستورا
أنشودة الشعر وديوان الحزن
في اليمين أم في اليسار؟
إبحث في مقالات الكتاب
 
الوعر العربي

قالت العرب الحزن هو الوعر. وأهل الأرياف كانوا يسمون الحقل المليء بالشوك والبريّات والحجارة والحصى، يسمونه وعرا، خلافا للحقل والسهل أو البستان. وشبّه الوعر بالحرون لصعوبته وقسوته. فإما أن تتجنبه وتسلك طريقا آخر، وإما أن تنزع أشواكه بيديك وتجرف حجارته، وإما أن تعرض نفسك للتعب والأذى والآلام.

يزال الحزن، أو الوعر، بالمعالجة. وما كان وعرا بالأمس يتحول إلى حديقة أو بستان، أو يقام عليه مبنى. لكن لا بد من إزالة الوعورة أولا. ولا بد من إقناع نفسك أن الوعر كان جميلا، كذكريات طفولية وأمسٍ جميل، لكن الغد لا يعيش في الأوعار. كان شعار الهندي كريشنا، الذي يمجده الهنود، آلة الناي. إنها موسيقى توزع الفرح على الناس. ولذلك نقض جميع المعتقدات الهندية القديمة المتنكرة للحياة والفرح. وربما كان أكثر الكتب مبيعا في العالم العربي، كتاب «لا تحزن» للشيخ عائض القرني، الذي جال في عقول الشرق والغرب، ليخرج بهذا النداء.

وعرٌ عالمنا هذه الأيام. حزن في كل النواحي ووعورة على جميع الدروب. وأبواب مسدودة مثل الكابوس. نحن الحرب العالمية الثالثة. اجمع الحروب والخسائر التي عشناها منذ نصف قرن، وسوف يكون المجموع حربا عالمية أخرى. أنقاض سوريا اليوم مثل أنقاض ألمانيا 1945، وحصيلة حروب العراق مثل حصيلة أوروبا. وليس في المغرب أو في المشرق بلد إلا وتعرّض لحرب أهلية أو حدودية أو لغزو أخوي. ومجموع من شُرد من عرب هو 33 مليون إنسان، رقم لم يُعرف منذ الحرب العالمية الثانية. ألا تستحق ظاهرة الوعر العربي مؤتمرا يدرس هذا الغرق المجاني في دماء بعضنا البعض؟ هذا الكره العابر للحدود باسم الوحدة؟ هذا العجز عن تمرير عام واحد من دون نزاع قتّال؟ هل يُعقل أن يصل الأمر بـ«داعش» لمحاولة تدمير السدود لكي يموت الناس عطشا، وتموت الأرض قحطا؟ حدث ذلك من قبل، عندما هددت غولدا مائير بتدمير السد العالي بعد انتصارات أكتوبر (تشرين الأول) 1973. لم يهدد أحد العرب في مياههم من قبل.

في مجموعها، وفي فظاعاتها، وفي تقصدها، وفي عنفها ودمارها وغياب جميع ظلال الإنسانية، تبدو هذه حربا عالمية أخرى لم تسَمّ بهذا الاسم. جرّبوا إحصاء الدول المشاركة فيها منذ 50 عاما إلى اليوم. جرّبوا إحصاء الضحايا من موتى ومشردين وفقراء ومصابين وحزانى. جربوا إحصاء الأكلاف وما بُذخ على السلاح والقتل والغزو والدمار، ولم يُصرف على التنمية والإعمار والتطوير وتحسين المعيشة. أنا لا أفهم نظرية النسبيّة، لكني منذ 50 عاما وأنا أرى أو أسمع عن حرب ما، في كل بلد عربي. طبعا الآن نحن في أسوأ الحروب. أو هكذا نظن. أو هكذا نأمل. هكذا أصبحت الأمنيات. أن يكون التوحّش قد شعر بالملل. نصف قرن. أو أكثر.

> > >

 
ارسل هذا المقال بالبريد الالكترونى   اطبع هذا المقال