الجمعـة 06 ذو الحجـة 1421 هـ 2 مارس 2001 العدد 8130 الصفحة الرئيسية
 
سمير عطا الله
مقالات سابقة للكاتب
إبحث في مقالات الكتاب
 
كريم ثابت وفاروق: عودة ثانية
عدت، لأسباب بحثية بحتة، الى قراءة الكتابين اللذين وضعهما مستشار الملك فاروق الصحفي كريم ثابت، عن فترة السنوات العشر التي امضاها في هذا المنصب. الكتاب الاول بعنوان «عشر سنوات مع فاروق» والثاني بعنوان «فاروق كما عرفته» وقد وضع مقدمته، كما ذكرت قبل اشهر، الاستاذ محمد حسنين هيكل.

الحقيقة انني لم أفهم تماماً، برغم القراءتين، ماذا كان كريم ثابت يريد ان يقول، مع العلم انه وضع الفصول الاولى من «عشر سنوات» وهو في سجن الثورة ونشرها يومها في «الجمهورية»، وقد صدر الكتابان بعد وفاة الاثنين، المؤلف وموضوعه. وفي هذه الحال لا تعود الموضوعية في أمان تام، غير انني اشتبه في ان ثابت كان يحاول الدفاع عن فاروق في معرض النقد، بعكس قاعدة «المديح في معرض الذم»، فهو يصور فاروق اقل فساداً بكثير مما صورته الحكايات التي رويت عنه.

مثال: يقول كريم ثابت ان فاروق لم يكن يذوق الخمر، لكن تصرفه في الاماكن العامة وضحكاته العالية وصوته المرتفع، كانت تعطي الانطباع بأنه ثمل على الدوام. ويقول انه كان يملك أغلى مجموعة من القداحات لكنه لم يكن يستخدم سوى قداحة من البلاستيك. يقول انه كان يطيل السهر لأنه غير قادر على النوم الا مع الفجر مذ كان طالبا، ولكنه كان أثناء دوام العمل والاطلاع على احوال البلاد السياسية جديا بصورة مطلقة، ويقول ان بهو القصور التي ورثها كان مفروشاً بالنفائس أما الاجنحة الاخرى من القصور فكانت في غاية البساطة.

ويقول وهو يقنعنا بانه ينتقد مليكه ويعدد نواقصه، ان فاروق كان يقود سيارته بنفسه طوال الوقت، وكان هو الذي يأتي الى بيت مستشاره للغداء، وانه لم يكن يتناول سوى وجبة واحدة في اليوم لانه يستيقظ متأخراً وينصرف الى عمله واستقبالاته ولا يتوقف الا في الثامنة والنصف مساء، ويقول انه كان ينام في ثيابه اينما حل به النعاس ولم يكن يهتم كثيراً بمظهره.

ويروي ان فاروق كان صياداً شديد المهارة، وذات يوم قرر ان يظهر تلك المهارة في احد النوادي فانحنى الى الارض واطلق النار على الصحون الطائرة من الخلف، واصابها، وفي اليوم التالي امتلأت القاهرة بالاشاعات التي تقول ان فاروق تعتعه السكر فانحنى وهو يطلق النار، لكن احداً لم يذكر انه أصاب الصحون الطائرة. يكتب كريم ثابت «ضربة على الحافر ضربة على المسمار»، خصوصاً في كتاب «فاروق كما عرفته» آخذاً على ملكه التقتير مع حب الظهور. غير ان الصورة التي رسمتها الروايات لفاروق كانت عن رجل باذخ ومتهتك وثمل على الدوام. ويمر كريم ثابت بسرعة على «الفيللا» التي ألحقها فاروق بقصر «الطاهرة» لكي يستخدمها في استقبال «خليلاته».

ان الانتقام من الأسياد عادة قديمة، خصوصاً عادة الانتظار حتى وفاتهم، وقد وضع طبيب ماو تسي تونغ كتاباً او مجلداً عن ماو والبنات، واشتريت مرة كتاباً وضعه الطبيب الخاص لارشيدوق النمسا الذي اشعل مقتله الحرب العالمية الاولى، وفيه حكاية رحلة الى مصر، ويصور لنا الطبيب أشهر رجال اوائل القرن الماضي بأنه كان غبياً لكي لا نقول مجنوناً.

غير ان مذكرات كريم ثابت عن فاروق محيرة أحياناً، انه يريد ان يرضي الذين أطاحوا ملك مصر ويريد ان ينتقم لنفسه من بعض المعاملة والافخاخ والدعابات، لكنه في الوقت نفسه يتحدث عن حسنات سيده في معرض انتقادها، ومثل كل موظف او معاون، يبدو في الكتابين ان الملك هو الذي توسله ان يعمل لديه، كما يبدو على الدوام ان الرجل الفاضل والعاقل والمهذب وصاحب الذوق الرفيع، هو... الموظف!

> > >

 
ارسل هذا المقال بالبريد الالكترونى   اطبع هذا المقال