الاحـد 24 ربيـع الاول 1422 هـ 17 يونيو 2001 العدد 8237 الصفحة الرئيسية
 
أحمد عثمان
مقالات سابقة للكاتب
إبحث في مقالات الكتاب
 
الأدلة الأثرية تعارض قصة انتحار اليهود الجماعي في ماسادا
نظمت جمعية «صندوق الاستكشافات الفلسطينية» Palestine Exploration Fund في بريطانيا محاضرة يوم الاربعاء الماضي 13 يونيو (حزيران)، عن ماسادا آخر معاقل المقاومة اليهودية ضد الرومان وألقى جودي ماجنسس باحدى قاعات المتحف البريطاني، محاضرة تضمنت عرضا لما ورد في مصادر التاريخ اليهودي عن الانتحار الجماعي في ماسادا. وكانت قناة «هيستوري» الاميركية التلفزيونية المتخصصة بالبرامج التاريخية، قدمت تحقيقا لقصة ماسادا شارك فيه عدد من رجال الآثار والباحثين في التاريخ التوراتي من الولايات المتحدة واسرائيل. واجمع المشتركون في البرنامج على ان قصة انتحار اليهود الجماعي في ماسادا، لا تمثل حدثا تاريخيا وانما هي مجرد رواية اخترعها المؤرخ اليهودي جوزيفوس (يوسيفوس) لاعتبارات قومية.

فبعد سقوط مدينة القدس عام 70 في ايدي الرومان فرّ جماعة من السيكاري اليهود المتطرفين الى قلعة ماسادا الواقعة في منطقة جبلية وعرة، وظلوا مختبئين هناك اربع سنوات أخرى. واخيرا ارسل إليهم الرومان فرقة حربية لاخلائهم فرضت حصارا على القلعة. ولما ادرك اليهود ان لا مخرج امامهم سوى الاستسلام للرومان، ارتكبوا عملية انتحار جماعي كي لا يسقطوا احياء في ايدي الرومان. ومنذ عام 1956 نظمت السلطات الاسرائيلية عمليات للتنقيب الأثري في المنطقة الواقعة تحت سيطرتها بجنوب البحر الميت، خاصة في المنطقة التي تعرف باسم ماسادا. وكانت بعثة ماسادا تحت اشراف الجنرال ييجال يادين ـ الذي كان رئيسا لأركان الجيش الاسرائيلي ثم تفرغ لأعمال الحفر الأثري ـ قبل ان يعود الى ميدان السياسة. وقد عثر على العديد من بقايا القلعة القديمة. وعندئذ اعلن يادين ان ما عثر عليه في هذا الموقع يعتبر تأكيدا اثريا للقصة التي وردت في الكتاب السابع من مؤلفات جوزيفوس عن حروب اليهود.

لمحة تاريخية كان الملك هيرود الذي حكم ممالك فلسطين بتصريح من الرومان في النصف الثاني من القرن الاول السابق للميلاد، قد حصن قلعة ماسادا الواقعة الى الغرب من الجزء الجنوبي للبحر الميت، فوق صخرة عالية عند حافة الصحراء على بعد حوالي 25 كيلومترا جنوب عين جدي، لخشيته من كليوباترا آخر ملوك الاسكندرية من البطالمة (البطالسة).

وكانت الملكة تريد ان تمد سيطرتها على فلسطين، تحرض حبيبها مارك انتوني (مرقص انطونيوس) القائد الروماني الذي وقع في غرامها ـ وكانت له السيطرة على فلسطين على اقصاء هيرود عن الملك لصالحها، فشيد هيرود سورا يحيط بكل منطقة سطح الهضبة المرتفع، وبنى ابراج المراقبة والحراسة، كما بنى لنفسه قصرا بها. ولما كانت التربة اعلى الصخرة صالحة للزراعة، بنى الملك احواضا لحفظ مياه الامطار وخصص منطقة لزراعة المواد الغذائية، والى جانب كل هذا شيد هيرود المخازن داخل القلعة ووضع بها كميات كبيرة من الذرة والتمر والزيت والنبيذ.

السيكاري من ناحية أخرى بعد سقوط القدس في ايدي الرومان واحراق «الهيكل» استولى إليعازر قائد جماعة سيكاري اليهودية المتطرفة على القلعة، وكان إليعازر من سلالة يهودا الجليلي الذي تولى من قبل قيادة تمرّد اليهود ضد السلطات الرومانية عندما فرض عليهم الرومان دفع الضريبة عام 6 ميلادية، وهي المناسبة التي يقول انجيل لوقا ان المسيح ولد عند حدوثها. وجاء القائد الروماني فلافيوس سيلفا على رأس جيشه الى ماسادا واستولى على المنطقة المحيطة بها، ووزع معسكراته حول القلعة، ثم بنى اسوارا تحيط بالهضبة التي عليها القلعة حتى لا يتمكن احد من الهروب، واكمل الحصار حولها. ونظم الرومان ايضا عملية تموين قواتهم بالطعام والشراب المجلوبين من اماكن بعيدة، لانعدام منابع الماء او المزارع في المنطقة. ودام الحصار فترة طويلة حاول فيها الرومان بناء الابراج العالية التي تمكنهم من القاء الاحجار على اسوار القلعة لتحطيمها، إلا ان السيكاري كانوا في كل مرة يعيدون بناء الجدران بعد تحطيمها، ويستخدمون لذلك خليطا من الاخشاب والطين. واخيرا قرر القائد الروماني ان يلجأ الى النيران لتحطيم الاسوار، هكذا رمى الجنود السهام المشتعلة على الاسوار التي سرعان ما شب بها الحريق بسبب الاخشاب الموجودة بها، وعاد الجنود الى معسكراتهم على اساس ان يباشروا بالهجوم النهائي واقتحام القلعة في اليوم التالي، بعد ان تكون النيران قد التهمت جزءا كبيرا من الاسوار.

وحسب ما ذكره جوزيفوس، رفض إليعازر قائد التمرد الهرب من القلعة ولم يسمح لرفاقه بالرحيل. انما جمع رجاله واخبرهم ان الرومان سيفظعون بهم وبعائلاتهم لو قبضوا عليهم احياء، واقترح عملية انتحار جماعي لتفادي هذا المصير وتحدث إليهم قائلا: «اصدقائي الكرماء، عزمنا منذ فترة طويلة ألا نصبح خدما للرومان ولا لأي سلطة أخرى غير الإله نفسه، الذي هو وحده الرب الحق والعدل للبشر، وقد حان الوقت حتى ننفذ هذا العزم في الواقع.. وانا اعتبر بأن منحة من فضل الإله علينا ان جعلنا ما زال في مقدورنا ان نموت بشجاعة ونحن احرار.. ومن الواضح بأنها ستؤخذ خلال يوم، لكنه ما زال من المناسب لنا ان نموت معا بطريقة مجيدة مع اعز اصدقائنا».

ومضى إليعازر يشرح خطته وكيف ان على الرجال الشجعان الذين انتقاهم ان يبادروا الى قتل النساء والاطفال اولا، ثم يتولى الرجال قتل بعضهم بعضا. وهكذا احتضن كل واحد زوجته واولاده للوداع الاخير ثم قتلهم، واختار الرجال عشرة منهم ليقتلوا الباقين، فكان الرجل يرقد بجانب اسرته ليموت قريبا منها وعندما اكمل الرجال العشرة مهمتهم اختاروا واحدا منهم للقضاء على التسعة الآخرين وانتحر هو في النهاية، بعدما تأكد من عدم وجود احياء من بين سكان القلعة.

وبحسب رواية جوزيفوس ايضا بلغ عدد من ماتوا في هذه الواقعة 960، ولم يبق منهم سوى امرأتين وخمسة اطفال، كانوا مختبئين في احدى الفجوات تحت الارض. وفي صباح اليوم التالي خرج الرومان للاستيلاء على قلعة ماسادا والقبض على من بها من السيكاري، ففوجئوا بأنه لم يكن هناك من يعترض طريقهم، ولم يدروا ما الذي حدث حتى خرجت المرأتان ومعهما الاطفال واخبرتا الرومان بقصة الانتحار، ولم يستطع الرومان تصديق الرواية إلا بعدما عثروا على الجثث المذبوحة.

الدليل الأثري السبب الرئيسي الذي استند اليه الباحثون في رفض قبول قصة الانتحار الجماعي هذه، هو ان عملية التنقيب الأثري لم تفرز ما يدل على موت ما يقارب الألف شخص في قلعة ماسادا، ولم يتجاوز مجمل العظام التي عثر عليها مدفونة هناك 24 شخصا.

والى جانب هذا فإن الاعتقادات اليهودية التي كانت سائدة في تلك الفترة كانت تحرم ان يقتل الانسان نفسه لأي سبب. فقبل ظهور جماعة السيكاري الاصولية المتطرفة، كان اليهود ينقسمون الى ثلاث طوائف هم: الصدّوقيون والفريّسيون والعيسويون وكانت جماعة الكهنة الصدوقيين تتضمن بشكل عام التجار والارستقراطيين، اذ كانوا المتحكمين في الشعب عن طريق تحكمهم في طقوس «الهيكل»، حيث تقدم القرابين والعطايا الى الكهنة. وكان الصدّوقيون يعتقدون بأن الروح تموت مع موت الجسد، وهم يطبقون النصوص التوراتية تطبيقا حرفيا ولا يرون ضرورة استخدام العقل والمنطق في تفسيراتهم. وعلى ذلك فإن الصدّوقيين لم يؤمنوا لا بخلود الروح ولا بالبعث بعد الموت أو الحساب، ولا بوجود كائنات روحية من الجن والملائكة. وتأثرت الطائفة الثانية أي الفريسيون الأكثر عددا والأكثر اعتدالا، بالفلسفات التي تعتقد بوجود العالم الروحي الميتافيزيقي، فأصبح كثيرون من اليهود يعتقدون بأن الروح لا تفنى بعد الموت. وكانوا يقولون بأن أرواح الشريرين ستوضع في سجن بعد الموت تعذب فيه إلى الأبد، أما أرواح الخيرين فهي في رأيهم تعود إلى الحياة في جسد آخر، أي أنهم كانوا يؤمنون بفكرة الحلول، لكنهم مع ذلك لم يكونوا يعتقدون بالبعث ولا بالحياة الأخرى. واختلف العيسويّون ـ وكانوا أقلية ـ عن باقي اليهود في كونهم يؤمنون بخلود الروح والحساب في الآخرة. وهم لا يشاركون باقي اليهود في تقديم الذبائح بالمعبد، وكان عددهم لا يزيد على أربعة آلاف عند بداية التاريخ الميلادي. وينقسم العيسويّون إلى قسمين: قسم يعيش مثل الرهبان لا يتزوجون، وقسم آخر يتزوج، لكنهم جميعاً يحاولون الابتعاد عن الشهوات وملذات الحياة. وهم يعتبرون أن الوجود المادي للإنسان والمتمثل في الجسد وجود مؤقت فان، وإنما الحياة الحقة عندهم هي الحياة الروحية، لذلك فهم لا يخشون الموت بل يرحبون به. وكانوا يؤدون صلاتهم الثانية عند غروب الشمس قبل أن يجلسوا لتناول الطعام الذي يتكون من الخبز ونوع واحد من الخضروات، ويعتبر التطهر بالماء قبل الصلاة من أهم العادات التي حرص عليها العيسويون.

أما السيكاري ـ وهم الطائفة الرابعة التي أنشأها يهودا الجليلي جد إليعازر قائد تمرّد ماسادا ـ فهم يتفقون مع الفريسيين في اعتقاداتهم، إلا أنهم يرفضون السلطة السياسية للكهنة. وهم بشكل عام يمثلون الاتجاه الأصولي السياسي لليهودية منذ نشأتهم.

فبعد موت الملك هيرود في العام الرابع قبل الميلاد، توزّعت فلسطين بين ثلاثة من أبنائه، فأخذ ارخيلوس ما كان يعرف بيهوذا (اليهودية)، وأدوم والسامرة، وأخذ انتيباس الجليل، أما فيليبس فكان نصيبه الجزء الشمالي من المملكة، لكن سرعان ما أقصي ارخيلوس عن ولايته التي اخضعت مباشرة لإمرة حاكم روماني منذ العام الميلادي السادس، ووضعت حامية عسكرية رومانية في قلعة القدس.

وجاء كيرينيوس الحاكم الروماني لسورية وفلسطين، إلى يهوذا في ذلك العام للإشراف على عمل الإحصاء والذي على أساسه تفرض الضرائب الرومانية على المواطنين مباشرة. وبالرغم من موافقة احبار اليهود على دفع الضرائب الجديدة للرومان، ظهرت بينهم جماعة متطرفة في تلك الفترة ترفض دفع الضرائب وكان زعيم هذه الجماعة اسمه يهوذا، من منطقة الجليل، الذي حرّض الناس على التمرد على السلطة الرومانية، والاحبار معاً، ورفض دفع الضرائب. وراحت جماعة المتحمّسين الجدد «سيكاري»، تقتل المخالفين لتعاليمها وتسرق للإنفاق على حركتها، وبالتالي اضطر أفرادها للهرب من المدن والحياة وسط الجبال، وكان معظمهم من المتعصبين الذين لا يخشون الموت في سبيل قضيتهم. على الرغم من تمكن الحاكم الروماني من القضاء على هذا التجمع وقتل زعيمهم يهوذا، فإن أولاده وسلالته عادوا إلى تشكيل الجماعة مرة أخرى واستمر صراعهم مع الرومان حتى تدمير القدس «الهيكل» عام 70 ميلادية.

وبناء على نتائج الكشف الأثري، يشكك الباحثون الآن في رواية جوزيفوس ويعتقدون أنه ـ بسبب انضمامه إلى الرومان بعد فشل تمرد اليهود ـ حاول في هذه القصة التي ألّفها من خياله عن انتحار ماسادا، أن يعبّر عن أحلامه القومية الخاصة، ولم يلتزم بالوقائع الحقيقية للتاريخ. ويبدو أن هذه الدوافع السياسية نفسها هي التي جعلت يادين يؤكد صحة الانتحار الجماعي في قلعة ماسادا، رغم انه لم يعثر على ما يثبت ذلك، عندما كان المطلوب تحميس اليهود على الموت في صراعهم الحديث مع العرب.

> > >

 
ارسل هذا المقال بالبريد الالكترونى   اطبع هذا المقال