الجمعـة 07 رمضـان 1422 هـ 23 نوفمبر 2001 العدد 8396 الصفحة الرئيسية
 
محمد العربي المساري
مقالات سابقة للكاتب
إبحث في مقالات الكتاب
 
الحوار المغربي ـ الإسباني وشبح عودة المورو
كان من المقرر أن تنظم في إسبانيا في العام القادم سلسلة من التظاهرات الثقافية والفنية تحت شعار «عام المغرب في إسبانيا»، وذلك على غرار عام المغرب في فرنسا، الذي نظم في 1999، والذي توج بمبادرة فريدة في تاريخ فرنسا، حيث تم استدعاء فرقة من الحرس الملكي المغربي، للمشاركة في استعراض جيش الجمهورية الفرنسية، بمناسبة ذكرى الثورة الفرنسية في 14 يوليو.

كان التفكير في تنظيم عام المغرب في إسبانيا، يندرج في سياق توطيد التقارب بين البلدين، والتغلب على الحواجز الناجمة عن الجهل، فكما قال الباحث الإسباني غونثالث ألكاندوتو يظل المغربي القريب جدا من إسبانيا هو البعيد جدا من الناحية الفكرية. وبدت تلك المبادرة، كمحاولة أخرى في اتجاه تقليص سوء التفاهم بين الحضارات، مما كان يضفي على التظاهرة أهمية تتجاوز العلاقات الثنائية. ذلك أن سوء التفاهم بين الجانبين، مصدره منذ القدم، هو التجاور الصعب بين إسبانيا والمغرب، باعتبار أن البلدين وضعتهما الجغرافيا في منطقة تماس بين حضارتين، شابت علاقاتهما مظاهر التحفظ والاحتكاك المقلق إلى حد المجابهة في كثير من الأحيان، والتعايش والتعاون في أحيان كثيرة من التاريخ.

فالحوار العربي الإسباني يمر حتما عبر المغرب. كان الحال هكذا طيلة التاريخ، وتجدد ذلك في القرن العشرين، بسبب احتلال إسبانيا لجزء من التراب المغربي، بمقتضى اتفاق الحماية الذي فقد به المغرب استقلاله. وشاءت تصاريف السياسة أن يكون الجزء الشمالي من المغرب الذي احتلته إسبانيا في 1912 هو جسر التعامل بين إسبانيا والعالم العربي، في فترات شكلت أغلب عهد الحماية. فحينما أعلنت الجمهورية في إسبانيا سنة 1931، وأزيحت الحواجز الفكرية، التي كانت تقيمها الكنيسة التي تقلص نفوذها عندئذ، انفتح أصحاب القرار في إسبانيا الجمهورية على العالم الإسلامي، الذي بدأ النظر إليه لأول مرة عبر منظار جديد، كعالم فتي ينهض من سباته، وكشريك لإسبانيا في صنع تاريخ حافل بالعطاءات للحضارة البشرية. وتكرس التفكير حينئذ في أن البعد العربي هو من المكونات الأساسية والباعثة على الاعتزاز في مكونات الهوية الإسبانية. وظهرت اجتهادات فكرية طريفة كتلك التي برز بها روضولفو خيل بنومية (خليل بن أمية)، المفكر الأندلسي الذي بنى على نظرية أميركو كاسترو بشأن النظر إلى الحقبة الإسلامية من تاريخ إسبانيا نظرة إيجابية، وركب خلاصة سماها «الجيوبسيكيا» وهو ما يمكن أن يترجم بالجغرافية النفسية، ويمكن أن تقابل مقولة «عبقرية المكان» التي أطلقها الجغرافي المصري جمال حمدان. وهذه الجيوبسيكيا تقوم على أن إحدى تجليات عبقرية إسبانيا التاريخية هي التراث الأندلسي، الذي اعتبره خيل بنومية، حقيقة مستمرة، قابلة للإحياء، انطلاقا من غرناطة التي كانت فيها نهاية المسيرة الأندلسية. وكانت أطروحة روضولفو خيل تقوم على أن مسار إسبانيا هو في خط متميز «لا شرق لا غرب».

لكن هذه الدعوة وكذا نداءات بلاس إينفانطي بشأن هوية أندلسية بمضمون سياسي وثقافي، طمست بسقوط الجمهورية، وقيام حركة فرانكو على أساس القيم المسيحية الأوروبية. وتأجج حماس فرانكو وصحبه في هذا المضمار، بالعداء الذي لقيه من كل من الشيوعية والماصونية. ورغم تركيز حركة فرانكو على القيم المسيحية الغربية، وتمكين الكنيسة من تبؤ مكان الصدارة في الجهاز الفكري السياسي لحركته، فإنه اكتشف أن الآصرة التاريخية مع العالم العربي والإسلامي تقدم له فرصة لفك العزلة التي حكم بها عليه الغرب الأوروبي المعادي.

ومنذ وقت مبكر من حركته، انفتح فرانكو على العالم الإسلامي، مقدما وعده بالتعامل اللين مع المغاربة الذين هم تحت النفوذ الإسباني في منطقة الحماية، كبرهان على الصداقة مع المسلمين. وفي رسالته إلى عبد الحميد سعيد رئيس الشبان المسلمين في مصر سنة 1938 لدى انعقاد مؤتمر بالقاهرة لصالح القضية المغربية، وردت عبارات جد براقة عن نواياه تجاه المغاربة، في سياق «روحانية الشعوب أمام مادية الذهب اليهودي المفسدة». وقد أتاح انفتاح إسبانيا على العالم العربي، أن يكون لشمال المغرب الواقع تحت حكمها، تمثيل في حظيرة الجامعة العربية من خلال اللجنة الثقافية، حيث كانت تقوم بعثة خاصة لمنطقة شمال المغرب في دواليب الجامعة العربية، دون باقي المغرب، ودون سائر الشعوب العربية التي كانت رازحة تحت الاستعمار، بحكم أن ميثاق الجامعة كان لا يسمح بالعضوية لغير الدول العربية ذات السيادة. وفي الخمسينات اتجه فرانكو صراحة نحو الصداقة مع العرب، ومرة أخرى كان شمال المغرب الذي هو تحت الحكم الإسباني جسر التواصل والتعاون. وكان موقفه الرافض لنفي محمد الخامس من لدن فرنسا الورقة البارزة التي توطدت بها الصداقة مع العالم العربي، في وقت كانت الأصوات العربية القليلة في الأمم المتحدة هي الوحيدة، مع قلة من دول أميركا اللاتينية، إلى جانب نظام فرانكو المعزول عالميا، من لدن الغرب والشرق معا.

أوردت هذه الفذلكة لبيان أهمية الحوار الإسباني المغربي كصورة لحوار الحضارات، في عالم تضطرم فيه الرؤى التشاؤمية، القائمة على حتمية الصراع بين الغرب والإسلام، ولا تنعدم فيه الأمثلة على صعوبة الحوار، سواء بين إسبانيا والمغرب ثنائيا، أو بين الإسلام والغرب اليهودي المسيحي. إن إسبانيا من خلال تاريخها نفسه تقدم مثالا حيا على أن التعايش بين الإسلام والمسيحية واليهودية، ليس دعوة طوباوية، ولا اختراعا جديدا لمنتوج سياسي تدعو إليه المناسبة. فقد كانت المناطق الإسلامية في إسبانيا بالفعل مناطق تعايش سلس، وتلاقح ثقافي أغنى الحضارة الأندلسية.

والمغرب بدوره كان طيلة تاريخه، خاصة في أوقات الاستقرار والاطمئنان إلى النفس، يقدم مثالا حيا لكون التعايش في ظل الاحترام المتبادل، هو امتثال لتعاليم الإسلام السمحة، حيث كان الإسلام هو أول ديانة توحيدية تنظم العلاقة مع الآخر، وتقبل أن يعيش في ظلها حاملون لمعتقدات دينية مغايرة. وأدى الجوار بين المغرب وإسبانيا إلى احتكاكات ومبادلات وصلات متنوعة، تجارية وثقافية فضلا عن الصلات السياسية، التي عبرت عن نفسها بكل الصور، بما في ذلك الاصطدام في حروب دينية واقتصادية واستعمارية.

وكان العربي والمسلم بالنسبة للإسبانيين هو بالذات المغربي. فهو الذي كانت جيوشه تعبر إلى أرضهم، أيام الوجود الإسلامي لكي تناصر الممالك الإسلامية في مواجهاتها مع الممالك النصرانية في شمال شبه الجزيرة الإيبيرية. ومعه جرت مواجهات الانتقام من المورو الكافر الذي أدخل الإسلام إلى إسبانيا وعمر ثمانية قرون. وهو الذي يسكن أفريقيا التي تطلعت لاحتلالها حركة الاستعمار الأوروبي في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر. واليوم وقد دخل التاريخ البشري في مرحلة جديدة قوامها التساكن والتداخل في المصالح، فأصبحت تسود قيم ومفاهيم جديدة، خاصة بعد تصفية الاستعمار، وميل البشرية إلى التخلي عن أسباب الحروب، ونشدان عالم متوازن، وأصبح الحوار بين الحضارات، تمرينا يوجه الخواطر إلى صياغة علاقات عقلانية بين المجموعات البشرية، قوامها تبادل المصالح وصيانة الحقوق واحترام العقائد والثقافات. من هنا كان الحوار الثقافي بين المغرب وإسبانيا مدخلا مهما لصياغة رؤية جديدة منسجمة مع متطلبات الحياة العصرية، وهو في حد ذاته مساندة مهمة لحركة عارمة تشمل المعمور تدفع إلى انضباط المجموعات البشرية مع قيم التعايش.

وكان مؤملا أن يكون عام المغرب في إسبانيا كاشفا لملكات غنية بالإيحاءات بل وحتى بمبادرات، تقلص مساحة التشاؤم التي تنذر بها نظريات تقول بحتمية الصراع بين الحضارات، وتسلط الضوء بواقعية على المشاكل الظرفية القائمة، قصد التعامل مع تلك المشاكل في حجمها الطبيعي، وفي ظل ثقافة الحوار.

إن «العربي» في مخيلة الأسباني هو ذلك الكائن البعيد الذي يحيل على التاريخ، وهو في أحسن الأحوال ذلك السائح الغني العابر، بينما «المغربي» هو الجار المباشر، المعروف بمواصفات ليست منقولة بالرواية بل محددة بالمشاهدة، إنه في آن واحد العربي والأفريقي، الراهن، المزعج لأنه فقير، والذي توجد معه حسابات لا تنتهي. ينتمي المغرب وإسبانيا إلى عالمين متميزين، ليس حتما أن يكونا متواجهين. والتاريخ المشترك بينهما لا يجب النظر إليه وكأنه لا يبعث إلا على النوسطالجيا الرومانسية، بل كمعين مليء بالدروس التي تمكن من التعامل بيقظة مع حقائق الجغرافيا والاقتصاد والديموغرافيا.

لكن «عام المغرب في إسبانيا» أصبح مؤجلا، فلن يعقد هذه السنة. والقطيعة الصغرى المتمثلة في استدعاء السفير المغربي في مدريد قصد التشاور، قد تطول أشهرا أو سنة، ريثما تهدأ الخواطر، ويسفر التأمل في أسباب القطيعة، عن تفكير جدي ونهائي في الشكل الذي يجب أن تتخذه علاقات المغرب وإسبانيا، بعيدا عن شبح «عودة المورو».

> > >

 
ارسل هذا المقال بالبريد الالكترونى   اطبع هذا المقال