الاربعـاء 27 جمـادى الاولـى 1423 هـ 7 اغسطس 2002 العدد 8653 الصفحة الرئيسية
 
خالص جلبي
مقالات سابقة للكاتب
إبحث في مقالات الكتاب
 
متى بدأت رحلة الإنسان على الأرض؟
عندما كتب المؤرخون عن تاريخ الإنسان على الأرض كانت الرؤية التقليدية أنه هبط من جنة عدن إلى أرض الشقاء. وكلمة (اهبطوا) أوحت إلى البعض أنه (أنزل) من كوكب آخر. وأنه عجن دفعة واحدة. وأن لا علاقة له ببقية الكائنات. أو أن طوله كان ثلاثين مترا مثل عمالقة اليمن ثم انضغط إلى القصر كما كان يظن تلاميذ أرسطو في العصور الوسطى أن فخذ الإنسان مقوسة فلما شرَّح (فيساليوس) الجسم وأثبت العكس قالوا استقامت بفعل لبس البنطلونات الضيقة. وتقليب كل تربة الأرض على يد الأنثروبولوجيين أثبت أن طول الإنسان كان أقل من متر ونصف وزاد. وأن جمجمته لم تتجاوز حجم الليمون الهندي كما كشف (برونيت) الفرنسي من جامعة (بواتييه) من فرنسا في صيف 2002 عن أحدث إنسان عمره يصل إلى سبعة ملايين من السنين عثر عليه في صحراء (جراب) شمال تشاد. والذي ظهر الآن أن عمالقة اليمن أساطير. وأن كلمة (اهبطوا) أو (أنزل) لا تفيد القدوم من المريخ بل الانتقال من مكان لآخر. كما في الآية القرآنية (اهبطوا مصرا فإن لكم ما سألتم) وإنزال الحديد ليس من كوكب الزهرة كما يخيل لأبطال الإعجاز العلمي في القرآن بل هو حلقة في سلسلة تفاعل نووي توجد فيها العناصر طبقا عن طبق بدءا من الهيدروجين وانتهاء باليورانيوم. والقرآن قال عن وجود الأنعام انها أنزلت (وأنزل لكم من الأنعام ثمانية أزواج) فلم تنزل من كوكب الزهرة بل توالدت على الأرض. وما يقوله العلم ان آدم عاش في أفريقيا وأنه لم يكن شكلاً واحداً بل زاد عن عشرة أشكال. وأنه كان من طين لازب من الأرض. وأنه وبقية الكائنات تتصل بشجرة الخليقة فلم يهبط آدم من السماء بل نبت من الأرض والله أنبتكم نباتا. وعندما حاول الطبري قراءة التاريخ ضغط الزمن في سبعة آلاف سنة مضى منها 6500 سنة وبقي على نهاية العالم 500 سنة فقط. ولو بعث من قبره لأصابته دهشة كبيرة لبقاء العالم بدون دمار. مما يثبت أن أفكارنا عن الحقيقة لا تعني الحقيقة وأن توظيف النصوص لا يخدم النصوص. والآن صدر كتاب جديد محشي بالأدلة العقلية والنقلية عن نهاية العالم منقولة عن (السيوطي) في كتابه (الكشف عن مجاوزة الأمة الألف) وأن القيامة ستقوم بعد 77 سنة. ولعل أفضل من قرأ الزمن هم الهنود حيث تطوع العاملون في معبد براهما فيما وراء (زانادو) بنقل 48 حجرا بين إله الحياة براهما وفيشنو الحافظ وإله العدم شيفا. بحيث يستقر كل حجر فوق الذي أكبر منه. وهو يوصل الرقم إلى عشرة بلايين من السنين. وهو الرقم الذي يراه الكوسمولوجيون لنهاية الشمس من الانفجار العظيم حتى تحولها إلى عملاق أحمر. وبين هذه الأرقام الفلكية يبدو وجود الإنسان رقماً تافهاً. فإذا كان سفر الأرض ألف صفحة ابتدأت قبل 4.6 مليار سنة جاءت قصة الإنسان في الصفحة الأخيرة في (حين من الدهر لم يكن شيئا مذكورا) ببضعة ملايين من السنين. ويشار إلى الحضارة التي بدأت قبل ستة آلاف سنة في السطر الأخير، أما القرن الواحد والعشرون فهو النقطة الأخيرة من السفر. الرؤية السابقة لرحلة الإنسان ووجوده ثبت خطؤها علمياً. ولا توحي بها ألفاظ القرآن. وأنها لا تزيد عن مفاهيم تنبثق من مشكلة أساسية (لغوية) و(تاريخية) في فهم النصوص. وهو الذي ولد علم (الألسنيات) وكذلك (علم التاريخ) وما يشتق منه من علم الإنسان (الأنثروبولوجيا) باعتبار أن الإدراك الإنساني مشوش ومشوش عبر فلاتر لا تنتهي من (الحواس) و(اللغة) و (الثقافة). فالحواس مضللة بثلاث، بشق الإدراك بالعتبة والطيف والفروق. ومن قبض أنبوبا باردا أحس به. ومن أمسك بأنبوب حار شعر به. ولكن الإمساك بأنبوبين حار وبارد يجعلنا نحترق من وهم حرارة قاتلة فنتركه كمن لسعه ثعبان. والطفل الذي تعرض أمامه ثلاث أنابيب مختلفة الأحجام مملوءة بالماء لم يدرك العلاقة بين الحجم والكمية واعتبر أن الماء واحد في الجميع وهي مسألة انتبه لها عالم النفس السويسري (جان بياجييه) أثناء تأسيسه ما عرف بعلم النفس الارتقائي. أما عيوب اللغة فهي بدورها ثلاث من التعميم والحذف والتشويه. كما تقول بذلك مدرسة (البرمجة العصبية اللغوية NLP). وأما الثقافة فهي متورطة في أربع مصائب أشار لها الفيلسوف (فرانسيس بيكون) من أوهام القبيلة والكهف والمسرح والسوق. وكان (ابن خلدون) و(ابن مسكويه) من أوائل من أشار إلى اتصال كل أفق من المخلوقات بالأفق الذي بعده كما بين الحلزون والنخيل وأن هناك نوعا من التحول (العجيب) من آخر أفق من الكائنات إلى أول الأفق الذي بعده. ومع أن (تشارلز دارون) طرح منذ عام 1859 كتابه عن (أصل المخلوقات) فنحن ما زلنا في الشرق لا نتحدث في هذا الموضوع خوفا من العوام. كما حصل عام 1854م في زمن الشريف (عبد المطلب) في مكة حينما جاءه أمر من الوالي العثماني بأن السلطان تحت ضغط بريطانيا يريد إنهاء بيع الرقيق في الأسواق. (فلما استدعى الوالي دلالي الأرقاء وأبلغهم بالخبر هاج الناس وتنادوا بالجهاد.. وأنه مخالف للشرع واشتبكوا مع الحامية التركية ووقع العديد من القتلى) على ما ذكره الوردي في موسوعته عن تاريخ العراق الحديث. وقريب من هذا التصور التقليدي طوفان نوح أنه اجتاح كل الأرض. وأنه حمل كل أنواع الحيوانات والطيور والحشرات. وأن الله غضب على البشر فأراد مسحهم من وجه الأرض. والذي ظهر إلى السطح الآن أن الطوفان كان في الأغلب حذاء عتبة البوسفور قبل 7500 سنة حيث انساحت مياه المحيطات بعد ذوبان ثلوج العصر الجليدي فارتفع منسوب المياه 120 مترا. فكسر العتبة وتدفق ماء منهمر فاجأ شعوباً أولية نجحت في الثورة الزراعية كانت تتحلق حول بحيرة غناء انقلبت إلى البحر الأسود المالح الحالي. وبغمر المياه لمنطقة هائلة نزحت شعوب المنطقة هربا فكان الطوفان الشرارة التي عممت الثورة الزراعية في العالم. وبتأمل الزمن الممتد نراه يقفز فوق عتبة التاريخ ليدخل ظلمات ما قبل التاريخ حيث لم يكتب شيء. واختراع الكتابة مرتبط بولادة الحضارة وهو ما عناه القرآن عن (صحف إبراهيم وموسى). أي أنهما جاءا في وقت مورست فيه الكتابة ووجد الورق (رق منشور) وهو أمر حديث جدا لا يتجاوز خمسة آلاف سنة. والآن كيف يمكن تحديد عمر قطعة من العظم أنها مليون سنة وليست سنة؟ والجواب أن هذا لم يكن ممكناً لولا تطور علم (الأحافيرFossile). كما في الكشف الحديث الذي تقدم (برونيت) والذي عثر على جمجمة وثلاث أسنان وقطعتين من الفك السفلي. وتحديد العمر يحدد من طبقة الأرض التي وجدت فيها. فيأخذ العلماء بلّورات نقية تعرف بالـ (ساندين Sandine) وتضم بلورات من عناصر مشعة. وهي نوعان الكربون 14 الذي يتحول إلى نتروجين أو البوتاسيوم الذي يتحول إلى آرغون. وهي ساعة جيولوجية عجيبة (تتك) بدون توقف. ويوجد في كل مليار من الذرات ذرة واحدة مشعة تتفكك. والقانون الإشعاعي كشفه (بيكريل) للمرة الأولى عام 1896م. وهو نشاط من ثلاثة أنواع من الأشعة ألفا وبيتا وجاما. فهي إما قذف نويات الهليوم من بروتونين وبروتونين. أو قذف إلكترون في أشعة بيتا. أو أشعة كهرطيسية في جاما، وهي تدمر المادة الوراثية فهي مؤذية. وهذا التحول في العنصر المشع إلى مادة أخرى مستقرة يحتاج إلى وقت يعرف بنصف الزمن. بمعنى أن ألف ذرة في نظير الكربون 14 مثلاً يحتاج كي تتحول 500 من ذراته إلى نتروجين إلى 5730 سنة. وهو يعني أن تحلل كل المادة تحتاج إلى خمسين ألف سنة في المتوسط. وهو رقم زهيد أمام تحول نظير البوتاسيوم إلى آرغون حيث يتطلب التحول إلى مليار وربع سنة. وبواسطة الكربون أمكن تحديد عمر الحضارات والمومياء وبواسطة تقنية الآرغون تم دراسة ما تجاوز خمسين ألف سنة. وهو الذي مكن العلماء من تحديد عمر الأرض بأقل من خمسة مليارات من السنين وأن عديدات الخلايا بدأت قبل 530 مليون سنة. وأن أقدم إنسان حتى الآن يصل إلى سبعة ملايين من السنين. وهو رقم قياسي عن كل الأرقام التي سبقته. ويترتب عليه قلب سفر الإنسان من جديد في عدة نقاط. أولاً أنه سبق الكشف الأخير عن إنسان الألفية (Orrorin tugenensis) فزاد عليه بمليون سنة. كما ضرب في الزمن أكثر من ثلاثة ملايين من السنين عن أنثى لوسي (Ausralopithecus afarensis) بأكثر من ثلاثة مليون سنة وعن أول كشف في جنوب أفريقيا عام 1924م بخمسة ملايين من السنين (Taung - child). وبينهما يأتي كشف (تيم وايت) عن (ارديبيثيكوس راميدوس) الذي كشفه في الحبشة بعمر يرجع إلى 4.6 مليون سنة.

وبكشف برونيت حول نشأة الإنسان قلب التصور في مكان النشأة أيضاً، حيث كانت الأبحاث مركزة في الحبشة وكينيا، في المكان الذي اصطدمت فيها الصفائح القارية فأوجدت صدعا يمتد من البحر الأحمر حتى الشرق الجنوبي من القارة أمام الغابات الاستوائية في الغرب بينهما برزخ من المرتفعات. وحيث الشرق وجدت السافانا ومعها مشى الإنسان فأوجد الحضارة عندما تحررت يده ونطق. وحيث الغابات بقيت القرود تتسلق الأشجار بمتعة. والذي أتى به برونيت أن شرق أفريقيا لم يكن مهد الإنسانية بل شمال تشاد حيث تعصف رياح رملية بحرارة 58 درجة وحيث بقايا الإنسان يقتلون بعضهم في حرب أهلية طاحنة بما يتبرأ منه الشمبانزي. ولكنها كانت أيام (توماي Toumai) والذي يعني في لغة تشاد الأمل في الحياة. الاسم الجديد (لساهلانتروبوس تشادينسيس Sahelanthropus tchadensis) الذي نشر في مجلة (الطبيعة Nature) العلمية يتجول فيها الإنسان بين برك عذبة والحيوانات بأمان من كل صنف زوجان. والآن الخلاف على أشده هل كان توماي نوعا إنسانياً مستقلاً أم أصل الإنسان هل كان ابن عم لنا أو جدنا الأول؟

> > >

 
ارسل هذا المقال بالبريد الالكترونى   اطبع هذا المقال