الاثنيـن 24 ربيـع الاول 1424 هـ 26 مايو 2003 العدد 8945 الصفحة الرئيسية
 
عبد الرحمن الراشد
مقالات سابقة للكاتب    
إبحث في مقالات الكتاب
 
بين نيويورك والرياض
اذا كان يقال ان المتطرفين يوم استهدفوا نيويورك، في هجمات الحادي عشر من سبتمبر، قد اصابوا انفسهم في القدم فانهم في تفجيرات الرياض قد اصابوا انفسهم في الرأس. بكل بساطة السعودية هي الدولة شبه الوحيدة في العالم التي يستطيعون التعايش معها بشكل أو بآخر. وباستهدافها اطلقوا النار على مصادر دعمهم الشعبي، واستنفدوا مصادر تمويلهم، وألبوا النظام السياسي للتفكير جديا في حماية نفسه والمجتمع بما كان يتردد في فعله في السابق، لأن القضية خارجية ولا تهمه. اطلقوا النار على قواعدهم الشعبية، حيث كانوا يجدون تأييدا اكثر من أي تأييد في اي مكان آخر في العالم. لكن سر في الرياض وسل من شئت، غالبا ستجد ولأول مرة مزاجاً متغيراً ونزوعاً نحو النقمة على الفاعلين، وعزوفاً عن تصديق النظرية الخارجية ورفضا لمبررات استهداف الاجانب.

اطلقوا النار فعليا على انفسهم وعلى جماهيرهم وعلى مشروعهم. اعتقد انهم في الرياض كانت سقطتهم الأخيرة، مهما حققوا من نجاح لاحق من تفجيرات في السعودية او في غيرها.

فعلى حواجز التفتيش في الرياض وجدة، يطالع اهل المدينتين باستغراب ما يحدث في شوارعهم. يرون عالما جديدا لم يسبق ان مروا بمثله من قبل.. شرطة مكثفة ورشاشات وسيارات مسلحة وخرسانات حراسة حول المباني الرئيسية. غيرهم اعتادوا على هذه المناظر المقلقة، لسنين طويلة مرت بها القاهرة وتونس والجزائر واليمن، وعشر مدن عربية مر عليها الخوارج الجدد.

تلمس مشاعر الطرفين عند كل حاجز، فرجال الأمن يبدو عليهم الحرج في تفتيش السيارات مرددين اعتذاراتهم وهم يأمرون بفتح صندوق او شنطة، والركاب بدورهم في حال ارتباك وغضب مما حل بمدينتهم.

الناس مصدومون بمضاعفات احداث التفجيرات بعد ان كانوا يسمعون عن مثلها عبر وسائل الاعلام. صداها صدم المحايدين ايضا الذين لا يؤمنون بتبني مواقف سياسية في قضايا الارهاب، لأنهم رأوا أن ضرره ليس مقصورا على اهل المجمعات او المؤسسات بل يمس حياة كل انسان، وما هذه الجنازات، والدمار، والطوابير الطويلة الا نتيجة مباشرة لها.

ردة الفعل الكارهة والحانقة عند الناس دفعت اطرافا، من عادتها استثمار هذه الاحداث لاعلان برامجها السياسية، للتوقيع على عرائض الاستنكار. لم تشجبها الا بعد ايام حينما رأت ان حجم الغضب كان اكبر بمقاييس كثيرة مما كان متوقعا.

ذكرتنا نتائجها السريعة بما وقع في مصر إبان الصراع مع الجماعات المماثلة التي تؤمن بالعنف سبيلا، فقد كسب النظام المصري معركته في الحرب ضد مشروع الارهاب بمواجهة الناس بنتائجه، حيث انقلب كل الذين يبحثون عن عذر لدعاة العنف عندما صدمتهم صور القتلى وشاهدوا حجم الدمار، وحسم النقاش السياسي ضد هؤلاء بفشل ذريع في الشارع المصري. الآن التاريخ يعيد نفسه في احداث الرياض وكذلك الدار البيضاء، فالقدرة على تفجير مبنى مهمة سهلة اليوم في اي مكان في العالم لكن كسب الرأي العام هو الأهم.

> > >

 
ارسل هذا المقال بالبريد الالكترونى   اطبع هذا المقال