الخميـس 16 شـوال 1424 هـ 11 ديسمبر 2003 العدد 9144 الصفحة الرئيسية
 
الخاتم عدلان *
مقالات سابقة للكاتب    
إبحث في مقالات الكتاب
 
محاذير على اتفاق الميرغني ـ طه
وقع محمد عثمان الميرغني، رئيس الحزب الاتحادي الديمقراطي، ورئيس التجمع الوطني الديمقراطي، وعلي عثمان محمد طه، نائب رئيس الجمهورية، في مدينة جدة، اتفاقا «اطاريا»، بين التجمع والحكومة السودانية، يوم 4 ديسمبر (كانون الأول) الحالي. وتتمثل أهمية الاتفاق في أنه وضع النهاية لحقبة كاملة من العداء بين أحزاب التجمع ومكوناته الأخرى، وخاصة في شقها الشمالي، وبين السلطة القائمة في السودان، ولكنه فعل ذلك بصورة ستثير كثيرا من الجدل في أوساط القوى السياسية السودانية، وربما تكون قد غرزت المسمار الأخير في نعش التجمع الوطني، كما عرفه الناس.

تكوّن التجمع الوطني الديمقراطي بعد عدة أشهر من وقوع انقلاب الجبهة الاسلامية يوم 30 يونيو (حزيران) 1989، ووقع عليه أحد عشر حزبا وأكثر من عشر نقابات. وظل يمارس عمله داخل السودان، بصورة سرية طوال هذه الفترة. ولكن اللحظة الحاسمة في حياة التجمع كانت عندما عقد عام 1995، ما عرف بمؤتمر القضايا المصيرية بالعاصمة الإرترية أسمرا وتبنى وثائق انطوت على مبدأ تقرير المصير للجنوب، وفصل الدين عن الدولة في السودان، كما اعتمد العمل العسكري في منازلة النظام، «ولاستئصاله من الجذور»، كما قال الميرغني نفسه في ذلك الوقت، وكما ظل يردد حتى وقت قريب.

وربما يتغاضى البعض عن حقيقة أن الميرغني تنازل عن كثير من المبادئ التي ارتبطت بالتجمع الوطني ومواثيقه، فمثل هذه الاتفاقات تنطوي دائما على مساومات وتنازلات مشتركة. وهذا ما نشهده في مفاوضات الحكومة السودانية والحركة الشعبية لتحرير السودان رغم الفروق الشاسعة بين الاتفاقين. ولكن الاعتراضات والاحتجاجات، وربما الادانات وصيحات الاستنكار، ربما تنطلق من حجم التنازلات التي قدمت، وافتقارها للتناسب مع المكاسب التي حققت، ومن المنهج الذي اتبعه الميرغني في الوصول الى كل ذلك. وربما يسهل التقييم الموضوعي لوثيقة الميرغني، إذا بدأنا بنقطة يسهل الاتفاق حولها.

زعم الميرغني أنه مفوض من قبل أطراف التجمع للوصول الى اي اتفاق يراه مناسبا مع السلطة. وهو قول تنازعه فيه بعض أطراف التجمع التي أعلنت تحفظاتها على الاتفاق وقالت ان الميرغني لا يمثل الا حزبه وهو يوقعه. وعلى كل حال فان فكرة التفويض غريبة تماما عن مناهج التجمع والتي تقوم بالضرورة على المناقشات الموسعة والموازنات والتنازلات، والتراضي، وذلك بحكم اختلاف رؤى وتصورات القوى المكونة له. أما أن تفوض هذه القوى رجل واحدا، هو رئيس حزب في نهاية المطاف، ليفعل ما يشاء في مثل هذه القضايا الحيوية، فان هذا مما لا يقبله العقل ولا يرضاه الحس السليم. ولذلك فنحن نميل الى الأخذ بقول أولئك الذين قالوا إنهم لم يفوضوا الميرغني، خاصة أن زعامات من حزبه نفسه أعلنت رفضها للاتفاق.

ولكن الاعتراضات، بطبيعة الحال تنصب على محتوى الاتفاق نفسه وليس فقط على جوانبه الاجرائية الخاطئة. فبعض بنود الاتفاق تقع في إطار ما يسمى بتحصيل الحاصل، وهي تلك المتعلقة بالموافقة على ما توصلت اليه السلطة في مفاوضاتها مع الحركة الشعبية، مثل تحقيق السلام وتقرير المصير وعلاقة الدين بالدولة. بل كان الاتفاق كريما بحيث عبر عن موافقته المسبقة على كل ما تتوصل اليه تلك المحادثات في المستقبل. وهي نقطة ان انطوت على بعض السماحة، الا أنها جاءت خالية من الحصافة والصوابية السياسيتين. أما التنازلات الحقيقية، والتي قدمت من دون مقابل وطني واضح، فقد تمثلت في ما يلي:

ربما يكون أخطر تنازل قدمه الميرغني هو قبوله ببقاء الجيش وأجهزة الأمن، وهي أجهزة حزبية أقامتها الجبهة الاسلامية على أنقاض الجيش القديم والأجهزة الأمنية القديمة، من دون «تصفية أو الغاء» مع حديث معمم عن قوميتها. فسكوت الاتفاق عن الجرائم التي ارتكبت وحقوق الانسان التي خرقت، وأعمال القمع التي لم يشهد السودان مثيلا لها من قبل، وتركيزه على عدم تصفية أو الغاء الأجهزة القائمة، المسؤولة عن كل ذلك، تمثل تنازلا هائلا، خاصة أن المفاوضات مع الحركة الشعبية توصلت الى ضرورة إحداث تغييرات بعيدة الغور في هذه الأجهزة بالذات.

يوافق الاتفاق على النظام الاقتصادي الذي أقامته الجبهة الاسلامية، وهو نظام حزبي ايضا. اذ طرد الجبهويون كل من عداهم من السوق واستولوا على مؤسسات الدولة وعلى أموال الآخرين وعلى ثروات البلاد، ورفعوا يد الدولة عن الخدمات بصورة ترتبت عليها أضرار فادحة طالت الملايين. وقد صعد الاتفاق الى ذرى عبثية بالفعل، عندما نص صراحة على ضرورة تخلي الدولة عن الخدمات، باعتبار أن ذلك من شروط اقتصاد السوق الحر. وهذا خلط فادح، ان لم يكن فاضحا، بين المقولات الاقتصادية، في دولة مثل السودان، لا يعرف الكثيرون من أهلها، السوق نفسه، حرا كان أو غير حر.

يقبل الاتفاق النظام الرئاسي القائم، مع أن التجمع لم يحسم هذه القضية وتنادى بعض أطرافه ببقاء السودان جمهورية برلمانية كما كانت منذ الاستقلال. وبصرف النظر عن محاسن أو مثالب النظامين، الا أن الميرغني لا يمكن أن يكون مفوضا لحسم أمر بهذه الأهمية من دون بحث أو حيثيات ومن دون الاتفاق عليه من قبل الأطراف التي يمثلها التجمع.

ليس ثمة مقابل ملموس، ظاهر للعيان، يعود الى التجمع الوطني، بموجب هذا الاتفاق، وهذا ما يدفع البعض الى القول بأن صفقة شخصية أبرمت بين الميرغني وطه، تنحصر فوائدها وتتنزل ثمارها على الميرغني نفسه وعلى بعض أعضاء حزبه. وهذا متروك للمستقبل على كل حال.

الدافع الأكثر أهمية لابرام هذا الاتفاق، في نظري، هو الخواء الرهيب الذي شعر به الميرغني، بعد انصراف الحركة الشعبية لتحرير السودان، عن التجمع الوطني، وتفرغها لمعالجة قضايا أكثر أهمية بالنسبة اليها. فقد استند التجمع والميرغني شخصيا، الى قوة الحركة الشعبية، وهم ينادون بشعاراتهم ويقدمون مطالبهم. وقد حلت لحظة الحقيقة، وجاء أوان مواجهة الذات، بكل ما انطوت عليه الذات من العجز، بعد مفاوضات الحركة مع الحكومة. وهذا شيء طبيعي بالنسبة لجميع الذين يحاربون بسيوف الآخرين.

ولكن اتفاق الميرغني، بصرف النظر عن مآلاته، غرز المسمار الأخير في نعش التجمع الوطني، الذي لن يعود كما كان حتى لو أراد. وتتمثل أهميته، ليس في أي إنجاز ايجابي يترتب عليه، بل في عملية الهدم القاسية لكل ما بنته المعارضة.

* كاتب سوادني يقيم بلندن

> > >

 
ارسل هذا المقال بالبريد الالكترونى   اطبع هذا المقال