السبـت 09 شـوال 1423 هـ 14 ديسمبر 2002 العدد 8782
ارسل هذا المقال بالبريد الالكترونى   اطبع هذا المقال  
 

الفقه الإسلامي يفرض مسؤوليات مهنية على الطبيب المسلم

زامل شبيب الركاض *

مسؤولية الأطباء المهنية موضوع قديم، وان لم يتأطر بالصورة التي عليها الآن إلا حديثاً، حيث اصبحت الخدمات الطبية مشاعة للجميع، حيث تقوم الدول بتوفيرها للرعية، حفاظاً عليهم من العلل والأمراض وحتى ينشأ الأفراد أصحاء اقوياء، وكل الشعوب القديمة والحديثة عرفت هذه المهنة ووضعت لها الأطر التي تنظمها وتحدد مسؤولية القائمين عليها.

تعريف المسؤولية وانواعها: وان كان الفقهاء المسلمون لم يعرفوا مصطلح المسؤولية كما هو متعارف عليه اليوم، لحداثة هذا المصطلح نسبياً، وبالرجوع الى كتابات الفقهاء المسلمين نجدها تتحدث عن الضمان كمصطلح مواز للمسؤولية، وذلك للدلالة على مسؤولية الشخص تجاه الغير عن تصرفاته، وقد عرف الفقهاء المسلمون الضمان بأنه شغل للذمة بحق او بتعويض عن ضرر، وفي اعتقادنا ان مصطلح الضمان بذلك المعنى يعني مصطلح المسؤولية، إذ يمكننا القول ان المسؤولية هي التزام شخص بضمان الضرر الواقع على الغير نتيجة لتصرف قام به، او هي صلاحية الشخص المكلف لتحمل نتائج أفعاله. أما في اصطلاح القانونيين فنجد ان الدكتور عبد الرزاق السنهوري، يعرف المسؤولية بأنها تعويض للضرر الناشئ عن عمل غير مشروع، والمسؤولية عموماً إما ان تكون عقدية وهي تلك التي تكون نتيجة الاخلال بالتزام عقدي، او مسؤولية تقصيرية وهي التي تقوم نتيجة خطأ.

المسؤولية في الفقه الاسلامي: لقد قررت الشريعة السمحة مسؤولية الانسان منذ ميلاده سواء بصورة مباشرة او غير مباشرة، وهي مسؤولية فردية، حيث يقول سبحانه وتعالى «ولا تزر وازرة وزر أخرى وان تدع مثقلة إلى حملها لا يحمل منه شيء ولو كان ذا قربى»، ويقول سبحانه وتعالى «كل نفس بما كسبت رهينة»، وأيضاً قوله جل وعلا «ثم توفي كل نفس ما كسبت وهم لا يظلمون» ويقول المولى سبحانه وتعالى «اقرأ كتابك كفى بنفسك اليوم عليك حسيباً» فالقرآن يؤكد على مسؤولية الانسان عن سعيه ليس في الدنيا فقط، بل في الآخرة ايضاً، وهذا ما يميز الخطاب الاسلامي والفهم الفقهي له، وبذا يكون معنى المسؤولية اشمل وأوسع في الاسلام، وها هو الرسول عليه أفضل الصلاة والسلام يقول «ألا كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته» وايضاً يقول صلى الله عليه وسلم «لا تزول قدما ابن آدم حتى يسأل عن خمس، عن عمره فيما أفناه؟ وعن شبابه فيما ابلاه؟ وعن ماله من أين اكتسبه وفيما انفقه؟ وماذا عمل في ما علم؟»، فما أعظم هذا المبدأ وشموليته في الشريعة الاسلامية.

مسؤولية الطبيب المهنية في الفقه الإسلامي: والطبيب شأنه كأي انسان يكون محلاً للمساءلة عموماً، بل واعتباراً لمهنته تكون مساءلته وفق ضوابط تقتضيها خطورة المهنة التي يمارسها، وذلك اذا لم يلتزم بأصولها وأعرافها، مما يؤدي به الى الحاق الضرر بالمريض، وان كان التزام الطبيب التزاما ببذل عناية، وهي العناية التي يفترض ان تكون وفق أصول المهنة. ولقد أكدت الشريعة الغراء على حق الانسان في الحياة، كما أشرنا الى ذلك سابقاً، وعلى سلامة وحرمة جسده من ان تمسه الأيادي او يلحق به ضرر، وجعلت الحق في الحياة من الضرورات التي تقوم عليها مقاصد الشرع باعتباره اصلاً من أصولها، وكل ما تضمن هذا الأصل فهو مصلحة وكل ما يفوته فهو مفسدة يجب دفعها.

مسؤولية الطبيب الجنائية في الفقه الإسلامي: ومسؤولية الطبيب الجنائية عموماً باستقراء أقوال الفقهاء تتحقق بوجود ركنين أساسيين هما، التعدي والضرر وعلاقة قائمة بينهما، وهذا لا يعني ان الارادة غير مشترطة هنا ولكن الطبيب تقوم مسؤوليته حتى ولو لم يكن قاصداً الضرر، أما اذا توفر لديه القصد الجنائي فيسأل عن جريمة عمدية، ومن المتفق عليه فقهاً ان شرط المكلف ان يكون عاقلاً للتكليف هو شرط لازم لنشوء المسؤولية الجنائية. والتعدي كركن يعرفه الفقهاء المسلمون بأنه، هو العمل الضار بدون وجه حق، والتعدي يمكن تصنيفه الى:

اولاً: تعدي عمد وهو يتحقق عندما يقوم الطبيب بفعل محظور بقصد الوصول الى نتيجة الاضرار بالمريض (توافر القصد الجنائي)، وهنا المسألة تعتبر جناية عمد تستوجب القصاص، وفي هذا الصدد يقول الإمام النووي «ولو قطع السلعة (الخراج) او العضو المتآكل من المستقل قاطع بغير إذنه فمات لزمه القصاص».

ثانياً: تعدي الخطأ، أي عدم توفر القصد الجنائي، والأصل في الشرع ان المسؤولية لا تتحقق إلا عن عمد، ولكن رغم ذلك اجازت الشريعة العقاب على الخطأ استثناء من هذا الأصل، مراعاة للمصلحة العامة، والطبيب المخطئ خطأ فاحشاً كالعامد مسؤول جنائياً وذلك لأنه قد عصى الشارع لا عن عمد ولكن عن تقصير وعدم تثبت، والرسول صلى الله عليه وسلم يقول «من تطبب ولم يعلم منه طب فهو ضامن».

إعفاء الطبيب من المسؤولية في الفقه الاسلامي: وفي هذا الصدد يقول الإمام الخرقي كلاماً جميلاً مفاده «ولا ضمان على حجام ولا ختان ولا متطبب اذا عرف منهم حذق الصنعة ولم تجن ايديهم»، وقد علق على ذلك ابن قدامة رحمه الله بتعليق مفاده ان هؤلاء جميعاً اذا فعلوا ما أمروا به لم يضمنوا بشرطين:

اولاً: ان يكونوا ذوي حذق في صناعتهم ولهم بصارة ومعرفة، لأنه اذا لم يكن كذلك لم يحل له مباشرة القطع، واذا قطع مع هذا كان فعلاً محرماً فيضمن سرايته كالقطع ابتداء.

ثانياً: ان لا تجني ايديهم فيتجاوزوا ما ينبغي ان يقطع، فاذا وجد هذان الشرطان لم يضمنوا لأنهم قطعوا قطعاً مأذوناً فيه فلم يضمنوا سرايته كقطع الإمام يد السارق، او فعل فعلاً مباحاً مأذوناً في فعله.

وبالجملة فان الطبيب اذا راعى حقه في عمله ثم نتج عن فعله ضرر لحق بالمريض ولا يمكن الاحتراز منه فلا ضمان عليه، لأن الطبيب اذا كان حقه في حدوده المشروعة فهو يقوم بواجبه، والأصل ان الواجب لا يتقيد بوصف السلامة، او على قول بعض الفقهاء ان شرط الضمان على الأمين باطل.

أثر رضا المريض في المسؤولية الجنائية للطبيب: ذكرنا فيما سبق ان رضا المريض العاقل الراشد شرط لازم لعدم قيام مسؤولية الطبيب، وان كانت هنالك حالات تستلزم تدخل الطبيب دون التعويل على مسألة الرضا هذه، بل أحياناً يكون تدخل الطبيب واجباً عليه يسأل عند امتناعه عن القيام به. وعموماً هنالك حالات لا يعتد فيها برضا المريض، منها حالة ان الطبيب كان واقعاً تحت اكراه بالتدخل الطبي، وعموماً الاكراه جنائياً بعدم ارادة الجاني مما يعفيه من المساءلة، وحالة كون المريض قاصراً او في حكم القاصر، وحالة كون المريض مغمى عليه او فاقد الوعي واستدعت حالته المعالجة السريعة التي لا تحتمل انتظار افاقته او وعيه ومن ثم الحصول على اذنه بالمعالجة، ويعتبر رضا المريض كشرط لاعفاء الطبيب من المسؤولية استثناء من القاعدة التي لا تعفي الجاني عموماً عن جنايته في حال رضا المجني عليه بالفعل الذي شكل واقعة الاعتداء الجنائي.

مسؤولية الطبيب الأدبية: وهي تلك المسؤولية التي تتعلق بسلوك الأطباء، مثل فشائه لأسرار مرضاه، او الكذب على المريض، أو تزوير الشهادات والتقارير الطبية لمصلحة المريض او ضده، وكذلك اجراء عملية لمريض دون حاجته الحقيقية لها وذلك من اجل الكسب المادي، كل هذه المسائل يسأل عنها الطبيب، فاذا شكل ذلك السلوك اللاأخلاقي منه ضرراً لحق بمن وقع عليه يمكننا ان ننتقل الى المسؤولية الجنائية او المدنية، ولكن المقصود هنا بالمسؤولية الأدبية، هي تلك السلوكيات التي لا تلحق ضرراً بالغير، وعموماً الأنظمة التي تؤطر لهذه المهنة تتناولها بالمعالجة، كما ان المؤسسات الطبية تعرضه للمساءلة الادارية التي تترتب عليها جزاءات ادارية، وذلك لتوفير الثقة بهذه المهنة والتحوط لخلوها من السلوك الذي لا ينسجم مع اخلاقياتها.

مسؤولية الطبيب المدنية في الفقه الإسلامي: يعرفها البعض بأنها الحكم على شخص بتعويض الضرر الذي أصاب الغير من جهته، وهي بهذا المعنى ترادف معنى الضمان المعروف في الفقه الاسلامي. وقد عرفه الفقهاء بعدة تعريفات لعل اصوبها انه «اعطاء مثل الشيء ان كان مثلياً او قيمته ان كان قيمياً» وهذا هو التعريف الذي ورد في مجلة الأحكام العدلية.

وهذه المسؤولية بنوعيها (ضمان العقود، وضمان الضرر)، فيما يتعلق بالطبيب ترتبط بعمله الطبي فقط، أما اذا اخطأ بعيداً عن مهنته فلا يخضع لهذه المسؤولية المهنية، كما انها لا تشمل الجزاءات والعقوبات التي توقع عليه اذا اخطأ او خرج عن الأصول المتعارف عليها في مهنة الطب، او مارس هذه المهنة بدون ترخيص، كل هذه الأخطاء تندرج تحت مسؤوليته الجنائية.

إذن يمكننا القول ان مسؤولية الطبيب المدنية المهنية، هي مسؤوليته عن تعويض المضرور، سواء بالدية او التعويض عن الألم او عن ما تكبده من مصروفات علاجية، وهذه المسؤولية تستلزم كذلك وجود رابطة السببية بين خطئه والضرر الذي لحق بالمريض، وخطأ الطبيب يعرفه الفقه الاسلامي بالتعدي الذي تحدثنا عنه سابقاًِ، والتعدي قد يكون بفعل ايجابي مثل تجاوز الطبيب للمعتاد في عمله، او بفعل سلبي وذلك بامتناع الطبيب عن واجب كان عليه القيام به. اما شرط الضرر في مسؤولية الطبيب المدنية، فهو الايذاء الذي يلحق بالمريض في جسمه وسلامته. والقاعدة في الفقه الاسلامي ان القصاص والضمان لا يجتمعان، فاذا حدث خطأ من الطبيب ولم يترتب عليه ضرر لا تقوم مسؤوليته، وقد قدر الفقه الاسلامي الجزاءات التي فرضها الشارع في التعدي على النفس مثل الدية والأرش، وفيهما معنى التعويض، وعموماً فان قاعدة «لا ضرر ولا ضرار»، يمكن ان تشمل كثيراً من الأضرار. وكذلك يشترط لتحقق مسؤولية الطبيب المدنية انه لا بد ان يكون الضرر وثيق الصلة بالفعل ارتباط النتيجة بالسبب.

* عضو الاتحاد العربي للتحكيم الدولي وعضو اتحاد المحامين العرب

 
ارسل هذا المقال بالبريد الالكترونى   اطبع هذا المقال