الاحـد 03 صفـر 1424 هـ 6 ابريل 2003 العدد 8895
ارسل هذا المقال بالبريد الالكترونى   اطبع هذا المقال  
 

السراي الكبير في بيروت.. حكايات عثمانية وفرنسية ولبنانية تختصر 163 عاما من السياسة

بيروت: ريما نزيه صيداني
يطلّ السراي الكبير (مقر رئاسة مجلس الوزراء) من على تلال تشرف على ساحة رياض الصلح في الوسط التجاري لبيروت الذي اعيد اعماره وعادت الحياة تنبض في زواياه مؤخراً، ويقع السراي الكبير في بناء يمتد على 21480 متراً مربعاً ويضم 430 غرفة (بين قاعات وصالونات) ومزخرف بـ603 قنطرات. والسراي الذي يعتبر احد اقدم ابنية لبنان تعود قصّته الى عام 1840، ومنذ ذلك التاريخ تدرّج بمراحل عدّة ليصبح في عهد الاستقلال مقراً لرئيس الجمهورية، اذ اتخذ منه الرئيس بشارة الخوري (اول رئيس جمهورية للبنان منذ الاستقلال) مقرا له قبل ان ينتقل الى قصر القنطاري (بناء عند منطقة القنطاري في بيروت) والذي كان يعتبر مقر رئيس الجمهورية. واثر هذا الانتقال، اصبح السراي مقرّ رئاسة الوزراء. واول رئيس حكومة استقر فيه كان رياض الصلح رئيس الوزراء خلال عهد الرئيس بشارة الخوري. ومع تصاعد الحرب في عام 1976 انهمر وابل القذائف على السراي وشبت فيه الحرائق ما قضى على معظم اجزائه باستثناء الطابق الارضي والجدران الخارجية. ومنذ ذلك التاريخ ولغاية عام 1993، كان السراي الكبير اشبه بمدينة الاشباح.. جدران اكلتها النيران وابنية هشمتها القذائف. ومع انطلاق ورشة اعادة اعمار الوسط التجاري دارت معاول البناء في حرم السراي، ليعاد افتتاحه في اواسط عام 1998 ولينبض من جديد بالحياة ولتعمر موائده برؤساء العالم من كل حدب وصوب.

تحمل ردهات السراي في طياتها مخزونات تاريخية قيّمة.. فهو احد تلك الصروح التي لعبت دوراً كبيراً في المرحلة التي سبقت الحرب العالمية الاولى كما في المراحل التي تلتها.

وفضلاً عن ذلك ففي السراي الكبير قيمة هندسية فريدة يطغى عليها الطراز العثماني. شيّد السراي في عام 1840 عندما تمكنت الدولة العثمانية من استرجاع السيادة على بلاد الشام، وكان من الطبيعي ان تهتمّ السلطات العسكرية العثمانية بهذه الهضبة على تلال بيروت (حيث مقر السراي اليوم). فأقامت عليها بناء ليكون مقراً لاجهزتها العسكرية والمدنية. وارتفع المبنى الذي اصبح مقراً للحكام العثمانيين واطلق عليه البيروتيون اسم «القشلة» وهي كلمة تركية تعني «الثكنة». واستكمل بناء هذه الثكنة في عام 1856 باضافة طابق ارضي لايواء الجنود وطابق سفلي جزئي ذي عقود لايواء الخيول. وفي الداخل توزّعت الغرف وسط باحة ورواق كبير. وضم هذا المبنى مدخلا من جهة الشمال وآخر من الجنوب. وابرز ما ميّز هذا الصرح، شرفات تحملها اعمدة من الرخام.

واستكملت التوسيعات بين عامي 1877 و1894... فأنشىء الطابق الاول. وفي عام 1899 تبلور الشكل النهائي للسراي، لا سيما مع اضافة القرميد على سطح الطابق الاول. شكّل عام 1887 محطّة مفصلية في تاريخ السراي، فعندما اعلنت ولاية بيروت (التي تمتد من اللاذقية شمالاً حتى نابلس جنوباً)، تحولت هذه الثكنة (السراي اليوم) الى مركز للوالي العثماني، وكان اول وال على ولاية بيروت هو علي باشا. ومنذ ذلك الحين بدأ اسم «الثكنة» يتحوّل تدريجياً الى «سراي الولاية» ليطلق عليه في ما بعد اسم «السراي الكبير». في عام 1897 شيّد بجوار السراي برج عال وضعت فيه ساعة كبيرة احتفاء بالذكرى العاشرة لجلوس السلطان عبد الحميد الثاني على العرش العثماني، بعد العثمانيين سكن الفرنسيون السراي، وحصل ذلك بعدما خسرت الدولة العثمانية الحرب العالمية الاولى في عام 1918. ومع وصول الجيوش الحليفة واحتلالها بيروت وسائر الساحل اللبناني تمركز الكولونيل الفرنسي «روبيابات» في السراي الكبير واصبح حاكماً عسكرياً للبلاد وامر بإنزال العلم العربي عن السراي... ليصبح مقر الحاكم الفرنسي الذي اعطي لقب «المفوّض السامي» لحكومة فرنسا في دول المشرق. اثر ذلك غاب اسم «السراي الكبير» ليحلّ مكانه اسم «المفوضية العليا». وفي عام 1926 ادخل الفرنسيون بعض الاضافات على الواجهة الشمالية للبناء كما استبدلوا شرفة تحيطها قناطر تعلو المدخل المزخرف بباب قنطرة المدخل الشمالي الذي نقل بدوره الى المدخل الجنوبي.

واصبحت الشرفة الجديدة بمثابة منصة يطل منها المفوض السامي لالقاء خطبه. ومن التغييرات التي احرزها الفرنسيون الغاؤهم لتاج كان يعلو قنطرة المدخل الشمالي ويتضمن نقشة رخامية تحمل شعار السلطنة العثمانية.

وقد شهد السراي خلال العهد الفرنسي احتفالات عدة منها: اعلان الجمهورية اللبنانية عام 1926.

وتتخلل السراي معالم هندسية قيّمة فالمهندسون والحرفيون عرفوا كيف يوائمون بين شتى المدارس المعمارية التي شهدها السراي خلال ازمنة متعاقبة. فالسراي مزج بين الفن العثماني والاوروبي واللبناني والعربي والآسيوي، وكل ركن من اركانه يحمل طابعاً معيناً، فنرى حفراً على الخشب ونقوشاً على الحجر وحديداً مشغولاً بحرفية وابتكار.

في الثامن عشر من اغسطس (آب) عام 1993 استفاق السراي من غفوته القسرية عند اقرار الحكومة موازنة مشروع «تأهيل مبنى السراي الكبير»... فدارت معاول البناء لبث الحياة بهذا الصرح من جديد مع الحفاظ على معالمه. كما شهد عمليات توسيعية لاستيعاب دوائر رئاسة المجلس، كما اضيف اليه مقر لاقامة رئيس مجلس الوزراء وجناح لاقامة الضيوف... ما تطلب انشاء طبقة جديدة. والجدير ذكره ان التجديدات التي طرأت على السراي لم تغيّر من معالمه البت.. فهدف كل مهندس عمل في السراي كان تجديده من دون المسّ بروحه. تتخلل السراي مداخل كبيرة وقناطر ذات طابع مميّز جميعها من الحجر الصخري الاصغر وتتخلل معظمها نوافذ مستطيلة يحيط بها اطار من الحجر الكلسي الابيض، وفي وسط الساحة الخارجية بركة واسعة معلقة بالرخام المنقوش. مع ورشة ترميم السراي استعادت الواجهات الخارجية حلتها القديمة من نوافذ بيضاء «وأباجورات» خشبية خضراء، كما شهدت نوافذ الطابق الارضي ـ والذي كان يستخدم كسجن في الحقبة العثمانية ـ تركيب شبكة حديد مستديرة، غالبية المواد المستعملة لبنانية المصدر باستثناء رخام لكارارا الايطالي وبعض الخشب المستورد من كندا، بينما لم يستعمل الخشب القطراني الا قليلاً لندرته واستعيض عنه بخشب الجوز. أما حجارة القرميد التي سقف بها السراي فاستوردت من فرنسا. وقد تولى العمل في القسم الداخلي للسراي المهندس نبيل الدادا، الذي قام برحلة الى تركيا قبيل مباشرته بالعمل، ليطلع عن كثب على اسلوب الهندسة العثمانية فزار قصور ومتاحف اسطنبول. ويبصم الطبع العثماني معظم زوايا السراي، فالبوابة الشمالية في فناء الحوش الداخلي تستمدّ ملامحها الهندسية من احدى بوابات قصر بيت الدين بينما استخدمت في زخرفتها نقوش عثمانية الطبع على البلاد الرخامي. ومن الباحة الخارجية الى جولة في ارجاء السراي نبدأها بالطابق الارضي تبلغ مساحة قاعة الاستقبال الرسمية 750 متراً مربعاً ويرتفع سقفها 9 امتار وتنصب على مدخلها اعمدة من الحجر الشملاني، بينما أبوابها صنعت من خشب الجوز وحفرت عليها رسوم مستلهمة من ابواب الجامع الاموي الكبير في دمشق، اما قاعة المآدب الرسمية فجدرانها يتخللها نحت يدوي على جداريات الرخام الابيض وسقفها مزدان بألواح من خشب الجوز المحفور على الطريقة الاسلامية المستوحى من الطراز الفني الفاطمي. اما الطابق الاول فيضم الجناح الخاص بالضيوف وفي جهة اخرى اجنحة العمل الاداري التي تفصل في ما بينها ممرات الرخام والغرانيت والى الطابق الثاني الذي يضمّ مكتب رئيس الوزراء وقاعة المجلس. وتتخلل مكتب الرئيس طرز هندسية متعددة منها زخارف مستوحاة من قاعات قصر بيت الدين ممزوجة مع اشكال مستوحاة من العمارة التركية. ويضمّ هذا الطابق في الجهة الشمالية الجناح المخصص لسكن رئيس الوزراء، يتوسط الجناح بهو غطيت جدرانه بلوحات من البلاط القيشاني مستوفى من النمط العثماني. أما الباب المفضي الى الصالون الرئيسي فمصمم من خشب الارز، وفي واجهة الصالون مشربية تتضمن نقوشاً من الخط العربي الفاطمي.

 
ارسل هذا المقال بالبريد الالكترونى   اطبع هذا المقال