الجمعـة 09 جمـادى الثانى 1424 هـ 8 اغسطس 2003 العدد 9019
ارسل هذا المقال بالبريد الالكترونى   اطبع هذا المقال  
 

مفهوم «التترس» من ابن تيمية والمغول إلى الدار البيضاء والرياض

ناجح إبراهيم أحد قادة الجماعة الإسلامية المصرية: هل يقتل أحدنا العشرات من المسلمين ثم يقول ببساطة: يبعثون على نياتهم * استندت الجبهة العالمية لمحاربة الصليبية واليهودية إلى مفهوم التترس في تسوغ العمليات العسكرية

جدة: مشاري الذايدي
يعتبر مفهوم (التترس) من المفاهيم الحاكمة للعمل العسكري لدى الجماعات الإسلامية المسلحة. وقد ارتكزت الحجة الأخلاقية لقتل المسلمين الأبرياء أثناء مواجهات هذه الجماعات مع خصومها سواء كانوا من الكفار (الأصليين) ويقصدون بذلك الغرب أو بعض الدول غير المسلمة، أو كانوا من الكفار (المرتدين) ويعنون بهم الحكومات العربية والإسلامية. على هذا المفهوم الفقهي الذي يرى أن وقوع بعض القتلى المسلمين غير المقصودين بالعمليات العسكرية لا يعتبر محرما، قياسا على بعض الآراء الفقهية القديمة التي تجيز ذلك اذا كان اعداء المسلمين قد تترسوا باسرى مسلمين في الحرب بحيث لا يستطيع المسلمون الوصول الى اعدائهم الا عن طريق قتل الاسرى المسلمين.

في الحوار الذي أجرته هذه الجريدة بواسطة الزميل عبد اللطيف المناوي مع كرم زهدي أحد القيادات التاريخية للجماعة الإسلامية في مصر والمعتقل منذ اغتيال الرئيس أنور السادات، وكذلك في الاستعراض الذي قدمه لكتاب ناجح إبراهيم احد القيادات التاريخية المسجون أيضا لذات السبب الذي سجن من اجله كرم زهدي. تردد هذا المفهوم كثيرا.

ناجح ابراهيم في كتابه الصادر باسم الجماعة تحت عنوان «تفجيرات الرياض.. الآثار والأحكام» والتي اطلعت عليه «الشرق الأوسط»، قدم مناقشة فقهية لـ(التترس) يبدأ المؤلف حول هذا الجزء تحت عنوان «التفجيرات والقول الفصل في قضية التترس» من هجمات الدار البيضاء حيث يقول «بعد هجمات الدار البيضاء ذكرت مجلة «الأهرام العربي» ان الجماعة التي نفذت هذه الهجمات قامت بتوزيع منشور تبرر فيه سفك دماء المسلمين الذين قتلوا في التفجيرات تحت مسمى مسألة التترس والتي أجاز فيها علماء المسلمين قتل الأسير المسلم الذي يتترس به الأعداء حفاظا على جيش المسلمين وتحقيقا لمصلحة الاسلام».

وأضاف ناجح ابراهيم «ما أشق الحديث وما أشده مرارة على نفس المؤمن حين يتحدث عن انتهاك حرمة من حرمات الله، فكيف إذا كان هذا الحديث عن أشد الحرمات وأعظمها في شريعة الاسلام وهي حرمة قتل المسلم؟ فهذه الحرمة ارتكابها أعظم عند الله من زوال الدنيا بما فيها كما جاء في الحديث الشريف (لزَوالُ الدنيا أهون عند الله من قتل مؤمن بغير حق)».

ثم تحدث ناجح ابراهيم عما سماه القاعدة الذهبية، وهي أن «الأصل في دماء المسلمين الحرمة» مبينا خطورة إهمال تلك القاعدة على حياة المسلمين وأرواحهم وقال «على كل من يرغب أن يجاهد في سبيل الله أن يحفظ تلك القاعدة الذهبية التي جاء بها الشرع الحنيف وتواتر عليها علماء الأمة وأجمع عليها السلف والخلف». ويتابع ناجح ابراهيم مستنكرا «فإذا لم نعمل بهذه القاعدة الفقهية العظيمة نخشى أن تتحول هذه التفجيرات وأشباهها إلى نكال بالمسلمين ووبال عليهم ييتم فيها أولادهم وتترمل نساؤهم وتثكل أمهاتهم بدعوى الجهاد دونما برهان من دين الله ولا دليل من كتاب ولا سنة، اللهم إلا مقولة (يبعثون على نياتهم) وهل بالله هذا يكفي للسيوف ضابطا ولإراقة الدماء حجة.. وهل يقتل أحدنا العشرات من المسلمين معصومي الدم ثم يقول في بساطة يبعثون على نياتهم؟».

وحدد المؤلف الشروط اللازمة لصحة العمل بفتوى التترس وهي كما يلخصها في نقاط:

أولا أن يكون هناك جيشان متحاربان، أحدهما جيش المسلمين وآخر للكفار وتكون الحرب قائمة بينهم. ثانيا: أن يكون الترس مجموعة من المسلمين أسرهم الكفار وتترسوا بهم، ولا يصح غير الأسير، فالساكن بجوار المشركين مثلا لا يأخذ حكم الترس. ثالثا: أن تتحقق المصلحة وتندفع المفسدة برمي المشركين وفيهم الترس. رابعا: لا سبيل للأمن من جيش الكفار إلا بقتل الترس المسلم. خامسا: أن تكون المصلحة في قتل الترس المسلم ضرورية وكلية قطعية. وهكذا يمضي القائد التاريخي للجماعة الإسلامية في محاولة (ضبط) استخدام مفهوم التترس وحصره في أضيق النطاقات العملية. مضعفا بذلك أهم الأدوات الفقهية المستخدمة في تسويغ الأعمال العسكرية التي تقوم بها الجماعات الاسلامية المسلحة.

* جذور التترس

* ما هي جذور مفهوم التترس؟ وفي أي ظروف وملابسات نشأ؟ وكيف فعّلته الجماعات الإسلامية في معاركها المتعددة؟

اشتهر الفقيه الحنبلي ابن تيمية بفتوى التترس، وقد استندت على فتواه هذه جل التنظيرات اللاحقة للتترس والتوسيع الذي شهده استخدام هذا المفهوم.

يقول ابن تيمية «وقد اتفق العلماء على أن جيش الكفار إذا تترس بمن عنده من أسرى المسلمين وخيف على المسلمين الضرر إذا لم يقاتلوا فإنهم يقاتلون وإن أفضى ذلك إلى قتل المسلمين الذين تترسوا بهم». ( الفتاوى 28 / 546 - 537 و20 / 52 ) ونقل المؤلف الحنبلي عبد الرحمن بن قاسم في الحاشية عن صاحب الكتاب الفقهي الحنبلي (الإنصاف): وإن تترَّسوا بمسلمٍ لم يجز رميهم إلا أن نخاف على المسلمين فيرميهم، ويقصد الكفار، وهذا بلا نزاع. (الحاشية على الروض 4 / 271).

إلا أن العمل بمفهوم الترس لدى الجماعات المسلحة لم يكن منسجما مع الشروط والمصادر الفقهية القديمة التي عوّلت عليها الجماعات الاسلامية. فمثلا الإمام أبو حامد الغزالي (توفي 1111) اشترط لقتل الأسرى المسلمين إذا تترّس بهم العدو ثلاثة شروط: أن تكون هناك ضرورة. أن تتحقق من وراء القتل مصلحة قطعية. أن تكون تلك المصلحة كلية أي أن تكون مصلحة للأمة كلها. (المستصفى، 1/253 طبعة الجندي) ويعلق الباحث د. احمد عبد الرحمن في تعقيبه على الدكتور يوسف القرضاوي (مجلة المنار الجديد) على اشتراطات الغزالي فيقول «لكي نتحقق من توافر هذه الشروط في كل حالة على حدة لابد من (فقه الحال)، فقد نقتل أسْرانا ولا يتحقق لنا النصر المنشود... وقد يكون عدد المُتترس بهم قليلاً، وقتلهم سيحقق مصلحة يقينية للأمة، وقد يكون عدونا معروفاً عنه قتل الأسرى، وقد يكون معروفاً عنه الحرص على تبادل الأسرى، ولأن المواقف الحربية متباينة إلى حد بعيد لم يكن من الممكن إصدار فتوى آلية جاهزة بجواز قتل أسرانا إذا تترس بهم العدو!» ويلفت الباحث عبد الرحمن إلى نقطة مهمة حول مدى ملائمة هذا المفهوم القديم للواقع الحالي فيقول «لا مجال للتحدث عن التترس بالأسرى في الحروب الحديثة، ولقد حاول صدام حسين التترس بالاميركيين المدنيين لمنع اميركا من ضرب مطارات العراق، فأدانه العالم أجمع، واضطر إلى إطلاق سراحهم!».

* الاستخدام المعاصر

* وقد اسُتخدم مفهوم التترس كثيرا من قبل الجماعات الإسلامية المسلحة، ما بين تنظير الجماعة الإسلامية المصرية له إلى آخر محطة توقف عندها قطار العنف الديني السياسي. ففي1998 احتوى بيان الجبهة الإسلامية لمحاربة الصليبيين واليهود، والتي يتزعمها اسامة بن لادن، على جملة مسوغات فقهية للعمل العسكري، كان من أهمها، جواز قتل اليهود والنصارى عسكريين ومدنيين بجميع الفئات مستدلين بمسألة التترس.

وأخبر المعتقل على خلفية اتهامه بالانتماء لشبكة القاعدة في المغرب، زهير الثبيتي مواطنه هلال العسيري باقتنائه المواد الأولية لصنع المتفجرات من أجل القيام بتفجير مقهى بمدينة مراكش، وعرض عليه فكرة مشاركته في العملية إلا أنه رفض بحجة أنه مكلف بتنفيذ العمليات بمضيق جبل طارق كما خطط لذلك أحمد الملا بلال، خصوصا أن عملية تفجير المقهى ستؤدي إلى سقوط ضحايا من بين المسلمين، فأقنعه زهير الثبيتي بأن موت المسلمين مبرر بنبل العملية، مذكرا إياه بمبدأ (التترس) الذي سبق لأسامة بن لادن أن حدثه عنه. (جريدة «الرياض» ملف «خلية المضيق لتنظيم القاعدة في المغرب» 19 نوفمبر 2002م) يقول عبد العزيز القاسم المستشار السعودي في الفقه والأنظمة «توسيع وتفعيل مفهوم التترس لدى الجماعات الإسلامية المسلحة هو تطوير (سياسي) لمفاهيم فقهية موروثة. وتهدف الجماعات من وراء هذا التطوير والتوسيع لمفهوم الترس إلى محاولة ملء الفراغ الذي ترى أن الحكومات العربية تعيشه بسبب أزمة فقدانها للمشروعية السياسية. في وظائفها الداخلية والخارجية» ويشرح القاسم «هذه الأزمة، كما تراها الجماعات الإسلامية، جعلتها تبحث وتطور في الأدوات الفقهية التي تعزز مشروعها الرامي إلى تعبئة هذا الفراغ».

الكاتب السعودي علي العميم يفسر رجوع الجماعات الإسلامية المسلحة إلى ابن تيمية في فتوى التترس إلى تشابه الوضعية الزمنية والإطار التاريخي لابن تيمية الذي يحكم فقهه واجتهادا ته، مع الوضعية التي يعيشها العرب والمسلمون الآن «ففي عهد ابن تيمية نلاحظ تراجع سلطان العرب والمسلمين السياسي، إضافة إلى مسألة أخرى مهمة وهي مسألة (الياسق) الذي كان (المغول) غزاة العراق والشام، بعدما تحولوا إلى الإسلام، يحتكمون إليه، والياسق عبارة عن قانون يشتمل على أعراف (المغول) وتقاليدهم بشكل مختلط مع تقاليد مسيحية وإسلامية، بسبب ذلك نجد تأكيد ابن تيمية على مفهوم الحاكمية، وإلحاحه على الآيات القرآنية التي تتحدث عن مسألة الحكم والحاكمية».

ويتابع العميم «لقد كانت وضعية الحكم بالياسق وضعية جديدة لم يشهد المسلمون لها سابقة تاريخية. وفي العصر الحديث، ومع دخول القانون إلى عالم الإسلام، ومع ظروف وملابسات تاريخية أخرى، جرى تكييف الشريعة الإسلامية على ضوء القوانين الحديثة، ومن هنا شبهّت الجماعات الإسلامية الياسق بالأنظمة والقوانين الحديثة، التي ليست هي بعلمانية تماما، ولا إسلامية خالصة، ولذلك فإنهم يطلقون على القوانين الحديثة اسم الياسق الجديد». ويؤكد العميم أنه بسبب الوضع السياسي بعد فترة الاستعمار العسكري المباشر، ثم رحيله «نشأت وضعية جديد، وما زالت، بعد الحرب العالمية الثانية، وهي أننا ما زلنا سياسيا وثقافيا واقتصاديا، لا نملك الاستقلال التام ومرتهنين للغرب» ومن هنا، كما يرى العميم تم اللجوء إلى «الآليات التي تنتمي إلى عصر ابن تيمية السياسي لوجود تشابه في الوضعيات، ونحن نعرف أن الإسلاميين أو الدينين في فهمهم للنصوص والقواعد الفقهية يجردونها من إطارها الزمني». ويوجز علي العميم المشكلة في أن «المسلم، وانطلاقا من عقيدته، يرى انه يجب أن يكون هو المهيمن على أساس أن الإسلام له اليد العليا على كل الثقافات والأنظمة الفكرية الأخرى».

 
ارسل هذا المقال بالبريد الالكترونى   اطبع هذا المقال