الثلاثـاء 07 شـوال 1424 هـ 2 ديسمبر 2003 العدد 9135
ارسل هذا المقال بالبريد الالكترونى   اطبع هذا المقال  
 

علمت بقرار إعفائي من منصب وزير التخطيط من خلال التلفزيون

اختطفوا الدبلوماسي الإيراني بوشهري زاده إلى القصر الجمهوري ليحقق معه صدام بحضور رئيس السافاك الذي كان قد لجأ إلى العراق

جواد هاشم
عندما ادلى الدكتور حسن الخفاف ابن خالة وزير التخطيط، بمعلومات مهمة عما سميت بمؤامرة عبد الغني الراوي كان هدفه انقاذ حياته وعائلته من شراسة النظام، لكن المفاجأة كانت اعدام الخفاف بقرار من محكمة الثورة التي ترأسها طه الجزراوي مدشنا عصر التصفيات والاعدامات المجانية. في الحلقة الرابعة من كتابه (مذكرات وزير عراقي مع البكر وصدام) يواصل الدكتور جواد هاشم وزير التخطيط الاسبق كشف سياسات القيادة البعثية في ادارة العراق وتجاوزات الجزراوي الذي كان يصفه البكر بـ«الجاهل». ولعل من الطرائف المرة التي يرويها جواد هاشم هي اعفاؤه من منصبه كوزير للتخطيط بعد اقل من ساعتين من مكالمة له مع رئيس الجمهورية الذي شدد عليه بضرورة لقائه صباح اليوم التالي.

* مفاجأة في بغداد

* في طريق عودتي مع الوفد إلى العراق مروراً بباريس، استقبلني الدكتور محمد المشاط، سفير العراق في باريس، وفي السيارة بدأنا نستمع إلى نشرة أخبار الساعة الثانية عشرة مساءً عبر راديو بغداد. بدأ المذيع بقراءة بيان رسمي عن كشف المؤامرة، وإذاعة أسماء «الوجبة» الثانية من المتآمرين الذين تم إعدامهم.

كم كان وقع المفاجأة شديداً عندما سمعت اسم حسن الخفاف من بين «الوجبة» الثانية من الذين نُفد فيهم حكم الإعدام. يا ترى ماذا حصل؟ هل هناك تطور جديد؟ هل انقلب حسن الخفاف عليهم، وهذا أمر يكاد يكون مستحيلاً بعد أن كشف كل أوراقه لهم؟

تناهت إليّ أسئلة كثيرة من دون جواب واحد. ويا ترى، لماذا رُتبت سفرتي إلى المغرب بهذه الطريقة؟ وهل هي من باب إبعادي عن المسرح لمنع تدخلي في محاكمة حسن الخفاف؟ أسئلة كثيرة بانتظار الجواب، ولم يكن بمقدوري الحديث مع المشاط حولها. سعيت إلى العودة إلى بغداد بأسرع وقت ممكن. وهكذا، كانت زيارة باريس بمثابة كابوس كنت انتظر الخروج منه بالسرعة الممكنة.

حال وصولي إلى بغداد، ذهبت لمقابلة صدام، وكان مرحباً بي، وأخذ يصف لي نجاحهم في كشف المؤامرة، وكيف ضبطوا كمية كبيرة من السلاح، منها 3000 رشاش، وأنه احتفظ لي بواحد منها على سبيل الهدية، ولكنه لم يذكر موضوع ابن خالتي؟ وعندما استفسرت منه عن ذلك، رد بكل بساطة قائلاً: لقد حدث «خطأ» لم أستطع تداركه في الوقت المناسب.

وهكذا، أُعدم الدكتور حسن الخفاف من جراء «خطأ». لم يوضح صدام كيف يمكن أن يحصل مثل هذا الخطأ، وهناك محاكمة وشهادات. ومع ذلك، أردت أن اصدق ما قال لي، وأُبعد عن ذهني مرارة الشك، مع أن تعابير وجه صدام والطريقة التي وصف بها العملية، والهدية التي قدمها الي، وضعتني في جو، وكأن ما حصل لحسن الخفاف هو أمر ثانوي قياساً بالقضاء على المؤامرة.

وعلى الرغم من ذلك كله، أردت أن اقطع الشك باليقين، فاستفسرت من صدام عن مصير أبناء حسن، خاصة ابنه البكر واسمه عباس، (من زوجته الأولى وليس من سعدية صالح جبر)، وهو من المنتمين إلى حزب البعث وضابط بالقوة الجوية. طمأنني صدام، وطلب مني مقابلة عدنان خير اللَّه، مسؤول المكتب العسكري. التقيت بعدنان في مكتبه الذي كان آنذاك في بناية متواضعة قرب مستشفى ابن سينا في كرادة مريم. أكد لي عدنان أن الحزب يقدر عباس، خاصة أنه حزبي قديم ولا خطر يهدده أو يهدد وظيفته.

تُرى، هل كانت محاولتي في السعي إلى حماية عباس آنذاك من قبيل التكفير وإراحة الضمير؟ لا أدري.

بعد أربعة أشهر، تم نقل الطيار عباس حسن الخفاف، العضو الحزبي، من القوة الجوية إلى وظيفة مدنية في وزارة الإصلاح الزراعي في قسم مكافحة الحشرات. الشيء الوحيد الذي له علاقة بين سلاح الطيران ووزارة الزراعة، هو أن قسم مكافحة الحشرات يستعمل طائرات بسيطة لرش المواد السامة!!

* مؤامرة أم تخويف

* إن كنتُ قد فوجئت من موقف صدام الذي كان موارباً ومخاتلاً في قول الحقيقة بشأن حسن الخفاف، فقد كانت مفاجأتي أكبر وأعظم، عندما زرت رئيس المحكمة الخاصة التي أصدرت حكم الإعدام، وهو طه الجزراوي. فقد وصف الجزراوي والابتسامة العريضة تغطي وجهه، كيف أن حسن قال لهم في التحقيق ما جرى بينه وبيني وعن تعاونه مع الأجهزة المختصة في نصب اللاقطات في داره للكشف عن المتآمرين، وكيف أن صدام أرسل إليه هدية بمأتي دينار. واستطرد طه الجزراوي قائلاً: كل ذلك لم يشفع له عندنا. واستمر ضاحكاً وهو يوجه كلامه إلي قائلاً: احمدِ الله أننا لم نعتقلك أنت كذلك. وكان يبدو أنه فخور، بل مغتبط بما فعل.

صحيح أن حسن الخفاف أعلمني بالتآمر، ولكن مع ذلك كانت هناك بعض الأمور تبعث على التساؤل: تُرى، هل كانت هنالك مؤامرة فعلاً، وبالحجم الذي أُعلن عنه، أم أنها كانت بداية لتصفيات، أو محاولة من تلك المحاولات التي كثيراً ما أقدمت عليها القيادة بهدف تخويف الشعب؟ وإذا كانت المؤامرة حقيقية وبهذه الخطورة، فلماذا التسرع في إصدار الأحكام وتنفيذها من دون إعلان تفاصيل المؤامرة على الشعب؟

ولكي اقف على الحقيقة، بدأت أبحث وأجمع المعلومات، وتحدثت مع أعضاء في القيادة القطرية. وأقسم لي البكر (بالمصحف) الذي لم يفارق مكتبه، على صحة المؤامرة، كما أن عبد الغني الراوي، قد أكد صحة المؤامرة لصلاح عمر العلي (عضو القيادة القطرية سابقاً)، عندما التقاه في السعودية في شباط (فبراير) 1991. ومن التفاصيل التي وقفت عليها عن تلك المؤامرة ما يلي:

أ ـ كان البكر وصدام على علم بالمؤامرة، لأن فاضل البراك (مرافق البكر) والضابط فاضل الناهي كانا مدسوسين على المتآمرين، وان المعلومات التي أدلى بها الخفاف وتسهيل نصب أجهزة الإنصات في منزله، ساعدت على تجميع الأدلة الثبوتية وعلى معرفة ساعة الصفر، إضافة إلى إعطاء المخابرات العراقية مصدراً ثانياً للمعلومات تتأكد بموجبه حسن نية الضابطين المدسوسين، إذ قد يكون البراك والناهي متآمرين فعلاً.

ب ـ إن الحكومة الإيرانية، كانت تمد المتآمرين بالمال والسلاح، وكان الرسول بين السفارة الإيرانية والمتآمرين أحد العاملين بالسفارة الإيرانية ويدعى عبد الخالق بوشهري زاده.

اجتمع المتآمرون في 19 كانون الثاني (يناير) 1970، وحددوا الساعة الثامنة من مساء يوم 20 من ذلك الشهر موعداً للتنفيذ. وكانت الخطة أن يتوجه العقيد صالح السامرائي مع 50 عنصراً إلى القصر الجمهوري، حيث يكون فاضل البراك بانتظارهم، فيلقي القبض على البكر وأعضاء مجلس قيادة الثورة، عندما يكونون مجتمعين في الطابق الثاني من القصر (قاعة الاجتماعات). وما ان وصل خبر الخطة إلى البكر، حتى سارع في صباح يوم التنفيذ بالاتصال بصلاح عمر العلي، يطلب حضوره إلى القصر ليكون بصحبة فاضل البراك عندما يقوم الأخير بفتح بوابة القصر.

وجاءت ساعة الصفر: الثامنة مساء يوم 20 كانون الثاني (يناير) 1970، وفتحت بوابة القصر الخارجية ليدخل السامرائي وزمرته، ويستقبلهم البراك والعلي مرحبين بهم مؤكدين لهم أن البكر معتقل في إحدى غرف الطابق الأرضي (السرداب)، ودخل الجميع صالة الاستقبال الكبرى. وما إن وقعت عينا العقيد صالح السامرائي على صورة البكر المعلَّقة في الصالة حتى صاح بأحد جنوده، يأمره بإنزال الصورة. وفجأة صفعه صلاح عمر العلي، ودخل حرس القصر القاعة لإلقاء القبض على المتآمرين. حاول السامرائي المقاومة، وجرى تبادل لإطلاق النار، فقُتل جنديان من حرس البكر. ولم تطل المقاومة، كما لم تطل محاكمة السامرائي. وبعد يوم واحد، أصدر مجلس قيادة الثورة بياناً أعلن فيه عن اكتشاف المؤامرة، وعن تشكيل محكمة خاصة برئاسة طه الجزراوي وناظم كزار وعلي رضا (مدير مكتب العلاقات العامة التابع لمجلس قيادة الثورة).

صدرت الأحكام يوم 21 كانون الثاني (يناير) العام 1970 ونُفذت في اليوم نفسه، وحُكم بإعدام 18 عسكرياً و 4 مدنيين. وفي اليوم التالي أُعدم 8 عسكريين و4 مدنيين. وهكذا بلغ مجموع الذين أُعدموا 34 شخصاً، من ضمنهم اللواء رشيد مصلح التكريتي والعقيد مدحت الحاج سري.

وبعد يوم من إصدار تلك الأحكام، صرح طه الجزراوي، متلذذاً: لقد أكملت المهمة التي كلفني بها مجلس قيادة الثورة، وقد كانت القيادة تعلم بالمؤامرة قبل سنة من سحقها، لكنها فضلت الانتظار وجمع المعلومات والوثائق الثبوتية لتسهيل المحاكمة والإسراع بها حتى لا يكسب المتآمرون عطف الجماهير في حال تم القبض عليهم مبكراً. وكأني بالجزراوي كان يريد القول ضمناً، إن الجماهير كانت تنتظر بفارع الصبر نجاح المؤامرة، وربما كانت تنجح لولا إسراعه بتنفيذ أحكام الإعدام.

ومن المفارقات هنا، أن بعض عناصر المخابرات العراقية كانت قد كُلِّفت بمراقبة الدبلوماسي الإيراني عبد الخالق بوشهري زاده ليل نهار، بحيث لا تدعه يغيب عن أبصارها مهما كان الثمن. وفي صباح يوم 20 كانون الثاني (يناير) من العام 1970 (أي قبل ساعة الصفر)، خرج بوشهري زاده من داره متوجهاً إلى المطار، فظنت العناصر المخابراتية أنه يريد مغادرة بغداد، فسارعت إلى اختطافه واقتياده إلى القصر الجمهوري ليحقق معه صدام حسين بحضور تيمور بختيار (رئيس السافاك الذي كان قد لجأ إلى العراق).

لقد كان ذلك الاختطاف تسرعاً من المخابرات، إذ لم يكن قد أُعلن عن المؤامرة، ولم يكن السامرائي وأعوانه قد بدأوا بعملية التنفيذ التي حددوا لها الساعة الثامنة مساء. وعليه، فإن تعجل المخابرات كاد يؤدي إلى معرفة المتآمرين بالموضوع وبمراقبة الحكومة لهم، وبالتالي عدم المباشرة بتنفيذ خطتهم وتفويت فرصة إلقاء القبض عليهم وإعدامهم، على حد تعبير طه الجزراوي. لذلك، قرر صدام إبقاء بوشهري زاده رهن «الاختطاف»، إلى حين تسفيره إلى إيران يوم 26 يناير (كانون الثاني) 1970. وقد سبق تسفير بوشهري زاده، صدور بيان من وزارة الخارجية العراقية يوم 22 يناير 1970 أمرت بموجبه السفير الإيراني (عزت الله العاملي) وعدداً من أعضاء السفارة الإيرانية، بمغادرة بغداد خلال مدة 24 ساعة.

وطُويت صفحة من صفحات سلسلة المؤامرات التي اكتُشِفت، وعاد الجزراوي إلى منصبه الوزاري في الصناعة بعد أن تغيب عن وزارته يومين تكدست خلالهما المعاملات الروتينية الأخرى.

والسؤال الذي ما زال من دون إجابة، هو: هل حقاً أن صدام حسين لم يكن يعرف بإعدام حسن الخفاف؟

قد أكون من قبيل محاولة الحفاظ على الذات، أقنعت نفسي آنذاك بصحة ادّعائه، ولكن الأحداث اللاحقة أو أحداث الماضي القريب أقنعتني بعكس ذلك تماماً. وما يُشعرني بالألم أكثر، هو أن أخوين لعباس حسن الخفاف، كانا متزوجين بابنتي خالتي، استُشهدا فيما بعد، خلال الحرب مع إيران. ولمزيد من التعاسة، فقد اعتُبر شقيق الأختين مفقوداً في العمليات العسكرية.

* الجزراوي وعقدة وزارتَي التخطيط والاقتصاد

* طه الجزراوي ـ المعروف بطه ياسين رمضان ـ شخصية غريبة الأطوار: خليط من وقاحة وغرور وإحساس داخلي بالضآلة والدونية. فهذه الشخصية المجهولة الأصل والديانة والمستوى العلمي، والتي بدأت من القاع لتتسنم، في غفلة من الدهر، أرفع المناصب الرسمية، كانت كل مؤهلاتها رتبة نائب ضابط في الجيش، وانتماء إلى حزب يتلفع بالجلباب القومي العربي، برغم أنها تنتمي في الظاهر الى القومية الكردية.

وعلى العكس من صدام حسين الذي يحاول أن يبدو دائم الابتسام، ظل الجزراوي محافظاً على عبوسه وتجهمه حتى في المناسبات السعيدة، ولم يذكر له معارفه والذين اقتربوا منه ما ينم عن دماثة خلق أو طيب معشر، بل كان يزيدهم نفوراً كلما حاولوا الاقتراب أكثر بسبب غلظة طباعه وميوله العدوانية. باختصار، افتقد الجزراوي الأواصر والعلاقات الطبيعية، مثلما فقد القاعدة الشعبية التي يفترض أن تكون ملازمة للقائد السياسي والحزبي برغم كل المناصب التي تبوأها، وطول المدة التي أمضاها في هذه المناصب.

ولأن العمل الحزبي السري القائم على حبك الدسائس والمؤامرات يحتاج إلى مثل هذه الشخصية الغامضة، فقد استطاع الجزراوي تسلق سلم حزب البعث الذي لم يكن عدد أعضائه قبل انقلاب تموز (يوليو) 1968 يتجاوز عدد طلاب مدرسة ابتدائية، وليصبح أحد قادته الكبار. وعندما تسلم الحزب السلطة، كان الجزراوي قد ضمن عضويته في القيادة القطرية ومجلس قيادة الثورة.

ولم يكتف الجزراوي بهذه المناصب، بل كان يتدخل ـ من خلال موقعه القيادي ـ في شؤون الوزارات الأخرى، حتى تسنى له استلام منصب وزير الصناعة. ولم تمض فترة قصيرة على استيزاره، حتى نشر كتاباً حول الإدارة الصناعية! وحين كان يتوجه إلى الوزارة كانت ترافقه ثلة من الحرس مدجَّجة بالسلاح، ليضفي على نفسه هالة من الأهمية لا تقل عن الهالة التي يتمتع بها البكر وصدام.

وعندما أُعلن عن اكتشاف مؤامرة عبد الغني الراوي، شكلت الحكومة محكمة خاصة أناطت رئاستها بالجزراوي. وقد أصدرت هذه المحكمة، خلال يومين فقط، أحكاماً بالإعدام على أكثر من أربعين شخصاً، ونُفذت الأحكام بإشرافه. وكان يتبجح كيف أنه نفذ الحكم بفلان وفلان، وكيف أن فلاناً بكى، وفلاناً توسَّل طالباً الرحمة والرأفة، وكيف أنه لم يبال بتلك التوسلات.

شخصية غريبة، مريضة حتماً، لا يضحك أبداً، ولا يعرف روح النكتة أو معناها. كان مقرَّباً من البكر، وكان صدام يعرف نقاط ضعفه.

كان يتصرف كالذئب في وزارته وفي علاقاته العامة. ولكنه ينقلب إلى حمل وديع عندما يخاطب صدام.

عند عملي مستشاراً في مجلس قيادة الثورة، كنت مرتبطاً وظيفياً بصدام حسين، وكنت أطّلع على بعض الرسائل والمذكرات التي يرفعها الجزراوي إلى صدام. كانت مليئة بعبارات الضعف والخنوع، ومكتوبة بلغة عربية تفتقر إلى أبسط قواعد الإملاء، ناهيك بقواعد اللغة العربية نفسها.

وعندما أصبح الجزراوي وزيراً للصناعة، أصبحت تلك الوزارة امبراطوريته الخاصة التي فعل المستحيل لحمايتها، ورعاية الملتفين حوله من موظفيها. كان يوافق على كل مشروع صناعي يُقدَّم إليه من دون أية مراعاة للنظرة الاقتصادية الشاملة. وإذا لم توافق وزارة التخطيط على مقترحاته، أو لم تلب وزارة الاقتصاد طلباته في الاستيراد، شكاهما إلى البكر وإلى قيادة الحزب ومجلس قيادة الثورة، متهما الوزيرين بشتى التهم والنعوت والأوصاف.

* وزير جاهل

* بلغ الحقد بالجزراوي على حَمَلة الشهادات، حداً دفعه إلى كتابة تقرير إلى رئيس الجمهورية، يتهم فيه وزير الاقتصاد الدكتور فخري قدوري وجميع المدراء العامين في وزارة الاقتصاد، بالرجعية والتآمر لعرقلة مسيرة «النهضة» الصناعية التي يحاول، هو، دفعها إلى الأمام، مبينا في ذلك التقرير كيف أن وزارة الاقتصاد تتأخر في منح إجازات الاستيراد للصناعيين من القطاع الخاص.

ولم يجد البكر مفراً من الدعوة إلى اجتماع موسع في القصر الجمهوري برئاسته، حضره الدكتور قدوري ومدراؤه العامون وطه الجزراوي ومستشاروه في وزارة الصناعة.

تحدث الجزراوي في مستهل الاجتماع، عن مشكلته قائلاً: إن وزارة الاقتصاد تتعمد تأخير منح إجازات الاستيراد للقطاع الصناعي الخاص لاستيراد المواد الأولية والمكائن والمعدات، وقد سبّب هذا التأخير نفور القطاع الخاص من الاستثمار، وزعزع الثقة بالثورة والقيادة. ثم انتقل الجزراوي في حديثه ليتهم المدراء العامين في وزارة الاقتصاد بالتخلف، والطائفية، ثم صمت.

التفت البكر نحو وزير الاقتصاد، وطلب منه الإجابة عن اتهامات الجزراوي. فتح وزير الاقتصاد حقيبته بكل هدوء، وأخرج حزمة من الأوراق هي مجموع المراسلات بينه وبين وزير الصناعة، وبدأ يقرأ: الرسالة الأولى من الجزراوي إلى وزير الاقتصاد، يستفسر فيها عن أسباب تأخير منح إجازات الاستيراد للصناعيين في القطاع الخاص، مردداً اتهاماته للوزارة. الرسالة الثانية: جواب وزير الاقتصاد، وبدأ الدكتور قدوري بقراءة الجواب سطراً سطراً، بهدوء واتزان. وكان كلما أنهى سطراً من رسالته إلى وزير الصناعة، غاص الجزراوي «بوصة» في مقعده، والعرق يتصبب منه.

كانت رسالة الدكتور قدوري للجزراوي صفعة قوية، نزلت على رأس وزير الصناعة، وكشفت جهله. وخلاصة الرسالة، أن ادعاءات وزير الصناعة لا صحة لها على الإطلاق، أو لا دخل لوزارة الاقتصاد بالقطاع الصناعي الخاص واستيراداته، فالقطاع الصناعي الخاص يتبع دائرة تسمى «مديرية التنمية الصناعية» التابعة لوزير الصناعة مباشرة، وصلاحية منح إجازات الاستيراد هي للمدير العام للتنمية الصناعية المرتبط بوزير الصناعة، وليس بوزارة الاقتصاد.

سكت الجزراوي، ولم يستطع إجابة البكر الذي التفت إليه قائلاً: يا رفيق طه، هل الأمر وضح الآن. وزارتك هي المسؤولة وليست وزارة الاقتصاد.

وانفضَّ الاجتماع، وغادر الجميع قاعة الاجتماعات باستثناء الدكتور قدوري، الذي طلب منه الرئيس الانتظار برهة.

أخذ البكر بيد قدوري، وتوجها معاً إلى مكتب البكر في الطابق الأرضي. وقد أخبرني فخري بعدئذ أن البكر حاول التخفيف من حدة الأزمة التي خلقها الجزراوي قائلاً له إن الجزراوي «جاهل»، وغير مستوعب لأمور الدولة.

وفي مساء اليوم التالي، زارني فخري في منزلي ليقول لي إنه قد قرر السفر إلى ألمانيا الغربية، حيث تقيم زوجته وأطفاله، لأسباب صحية. وقد سافر قدوري فعلاً بعد أيام، وتوليت أنا منصب وزير الاقتصاد وكالة إلى حين عودته.

تسلمت بعد أسبوعين رسالة شخصية من قدوري يطلب مني فيها إخبار البكر أنه، لأسباب عائلية وصحية، قد لا يستطيع العودة، ولذلك فهو يقدم استقالته من الوزارة. وعند إخباري البكر بمضمون رسالة قدوري، طلب مني عدم إخبار أحد بذلك إلى حين مناقشة الأمر مع «الرفاق» أعضاء القيادة.

استمر الحال على ما هو عليه: فخري قدوري في ألمانيا، واستقالته لم تُبحث مع «الرفاق»، وأنا موزَّع بين وزارتي التخطيط والاقتصاد.

لم تكن حادثة التحقيق هذه الأولى ولا الأخيرة. فقد واجه قدوري ـ في فترة توليه مسؤولية وزارة الاقتصاد ـ عمليتي تحقيق أخريين بسبب الأخبار والتقارير الملفَّقة ضده: واحدة أشرف عليها البكر وصدام معاً، والثانية أشرف عليها عبد الخالق السامرائي بتكليف من مجلس قيادة الثورة. وكانت النتيجة في كل مرة إلى جانب قدوري. ففي أحد الأيام، طُلب من الدكتور قدوري الحضور إلى القصر الجمهوري مساءً، وفي الغرفة التي ينام فيها البكر أحياناً. كان صدام جالساً بجانب البكر، وجلس في ركن منها رئيس إحدى المؤسسات التجارية التابعة لوزارة الاقتصاد، وكان يتمتع بموقع حزبي متقدم آنذاك. وطلب البكر منه أولاً أن يبدأ بعرض المشكلة فوجه انتقادات لاذعة إلى مواقف وزير الاقتصاد التي اعتبرها مخالفة للأنظمة المرعية والمقيِّدة لحركة المؤسسات الاشتراكية. ثم طلب البكر من الدكتور قدوري الإجابة.

أدرك قدوري الغاية من استدعائه إلى القصر الجمهوري، وكيف أن التقارير ضده وصلت إلى حد خطير دفع أكبر شخصيتين في القيادة والدولة أن يتوليا التحقيق فيها شخصياً. قام قدوري بإيضاح الحقائق، واحدة تلو الأخرى، وإعطاء المبررات ضمن إطار المصلحة العامة والأنظمة المرعية. وكانت تلك المبررات واضحة ومقنعة إلى درجة أن البكر وصدام أنهيا الحديث قبل أن يكمل قدوري كلامه بعد أن فهما المصالح المادية الشخصية التي كانت وراء تلك الانتقادات.

أما عملية التحقيق الأخرى التي قادها عبد الخالق السامرائي، وهنا لم يفاجأ قدوري بالأمر كما حصل في المرة السابقة، فقد قام صالح مهدي عماش، عضو مجلس قيادة الثورة في تلك الفترة، بنقل قرار القيادة وموضوع التحقيق إلى قدوري مقدماً. وكانت الشكوى هذه المرة نابعة أيضاً من رئيس إحدى المؤسسات الاقتصادية الذي أوصل تقريره إلى مجلس قيادة الثورة متهماً قدوري بتصرفات غير نظامية تؤدي إلى إرباك عمل المؤسسة الاشتراكية وربما تفكيكها. وذهب قدوري إلى مكتب السامرائي حسب الموعد المحدد، وانتظر الاثنان وقتاً طويلاً من دون أن يظهر صاحب الشكوى أو يتصل هاتفياً للاعتذار. واعتبر السامرائي ـ برغم التواضع الذي عُرف به ـ هذا التصرف استخفافاً بمكانته، بل نوعاً من الإهانة في الوقت الذي كان يتمتع بعضوية أعلى القيادات على المستويين القومي والوطني. وعندها اعتبر السامرائي الموضوع منتهياً وأغلق الشكوى.

* إعفائي والدكتور قدوري من منصبينا الوزاريين

* كنت، صباح يوم 25 يناير (كانون الثاني) عام 1971، على موعد مع رئيس الجمهورية لبحث بعض الأمور المتعلقة بمشاريع الخطة التنموية، ولتمرير بعض المعاملات المتأخرة في رئاسة ديوان رئاسة الجمهورية، ومن ضمنها طلب ترفيع الدكتور عدنان حسين عوني المدير العام لهيئة المواصفات والمقاييس التابعة لمجلس التخطيط.

تجدر الإشارة هنا إلى أن الروتين الإداري في العراق، يقضي بأن ترفيع المدراء العامين، لا يتم إلا بإصدار مرسوم جمهوري. مسألة روتينية جداً، ولكن النظام الإداري الذي ورثه العراق من العهد العثماني، يقضي بأن المدير العام لا يعيَّن إلا بمرسوم جمهوري، وأنه لا يرفع من حلقة راتب إلى أخرى إلا بمرسوم جمهوري. وقد بقي هذا الروتين متَّبَعاً حتى أواخر عهد نظام حزب البعث، وكأن رئيس الجمهورية لا عمل له إلا توقيع مراسيم لأمور روتينية.

قد يكون ذلك مبرَّراً في العهد العثماني، لقلة عدد المدراء العامين وصِغَر حجم الكادر الوظيفي، ولتأكد الوالي العثماني من «ولاء» الأشخاص الذين نصَّبهم مدراء لإدارة شؤون الولاية، لكن في العراق الحديث بجهازه الإداري الكبير الذي يضم عدداً لا يستهان به من المدراء العامين، لم تعد ترفيعات هؤلاء من الأمور التي يجب أن يشغل بها رئيس البلاد وقته. فالمدير العام عندما يعين يكون راتبه محدَّداً منذ البداية ضمن حلقة محدَّدة ومعروفة في ميزانية الدولة ومن الموظفين، وبالتالي فإن ترقيته السنوية تكون ضمن الحدود التي رسمها قانون الملاك. ولا حاجة، في نظري، إلى مفاتحة رئيس الجمهورية سنوياً لترفيع ذلك المدير العام. ولو تصورنا أن في العراق 1200 مدير عام (وهو رقم متواضع في الوضع الحالي)، فإن رئيس الجمهورية، سيوقع عدداً من المراسيم سنوياً يعادل عدد المدراء العامين، أي بمعدل 100 مرسوم شهرياً.

أمر سخيف،، خاصة إذا تصورنا العمل الورقي الذي يحتاج إليه ترفيع كل مدير عام. فالمدير العام يكتب إلى الوزير، والوزير يكتب إلى رئاسة ديوان رئاسة الجمهورية، ورئيس الديوان يرفق مطالعة إلى رئيس الجمهورية. وعند موافقة رئيس الجمهورية يعود رئيس الديوان إلى طبع المرسوم ورفعه ثانية إلى رئيس الجمهورية للتوقيع، ثم يبعث بنسخ من ذلك المرسوم إلى الوزير المختص، فالمدير العام. ليس هذا فحسب، بل يرسل المرسوم أيضا ليُنشر في الجريدة الرسمية إعلاناً للملأ بأن المدير العام الفلاني قد زاد راتبه عشرة دنانير، في نهاية اجتماعي بالبكر يوم 25 كانون الثاني (يناير) عام 1971، أخبرته بأنه سبق لي أن كتبت إلى رئاسة الجمهورية حول ترفيع المدير العام لهيئة المواصفات والمقاييس، وأن المعاملة قد تأخرت كثيراً. استغرب البكر هذا التأخير، ورفع سماعة هاتفه فوراً، وطلب من رئيس ديوان رئاسة الجمهورية يحيى ياسين إصدار المرسوم الجمهوري. هممت بالوقوف استئذاناً بالمغادرة، إلا أن البكر استوقفني وطلب مني أن أعد له جدولاً تفصيلياً بمشاريع البلديات المدرجة في الخطة الاقتصادية لمدينة تكريت، على أن أعود إلى مقابلته صباح اليوم التالي، وحدَّد لي الساعة التاسعة صباحاً موعداً للقاء.

اتجهت إلى مكتبي في الوزارة، وكانت الساعة قد قاربت الواحدة بعد الظهر. وبعد وصولي بنصف ساعة، جاء السكرتير ليقول إن الدكتور طعمة بندر العاني (رئيس ملاحظين في وزارة التخطيط) يريد مقابلتي لأمر خاص وسري ومستعجل.

دخل الدكتور طعمة، ليخبرني بأنه تسلم مكاملة هاتفية من السكرتير الحزبي لرئيس الجمهورية طاهر توفيق العاني يستفسر فيها عن ميول واتجاهات المدير العام لهيئة المواصفات والمقاييس «لأن وزير التخطيط قد طلب ترفيعه». التفتُّ إليه بكل هدوء وقلت له:

ـ ما دخلك أنت بالموضوع، وما علاقتك بطاهر العاني؟ لماذا يستفسر منك عن كفاءة المدير العام للمواصفات؟ وهل اقتصر استفساره عن الميول والاتجاهات؟ اذهب إلى عملك، وسأتصل أنا برئيس الجمهورية.

رفعت سماعة الهاتف الحكومي، وطلبت رئيس الجمهورية على الخط المباشر. لم يرد أحد. فاتصلت بالعقيد شفيق الدراجي أمين السر لمجلس قيادة الثورة، فأخبرني بأن البكر قد ذهب إلى المنزل، وأكد عليَّ ألا أنسى موعدي مع الرئيس غداً التاسعة صباحاً، ومعي مشاريع البلديات في تكريت.

كان غضبي يتزايد، وأنا اتساءل: كيف يمكن لسكرتير حزبي لرئيس الجمهورية أن يتصل بموظف في وزارة التخطيط ليستفهم منه عن قضية بيني وبين الرئاسة: قضية بسيطة، ترفيع مدير عام. ثم إن البكر قد أعطى أمره، قبل نصف ساعة فقط لإصدار المرسوم الجمهوري بترفيع ذلك المدير العام. هل يتصرف طاهر العاني من دون علم البكر، أم أن مقاييس إدارة الدولة بدأت تضيع بين دوامة التطلعات الحزبية لبعض عناصر الحزب. ومع مرور الدقائق، كان غضبي يزداد.

ذهبت إلى منزلي. وعند الرابعة عصراً، اتصلت هاتفياً بصدام حسين وأخبرته بالحادث، وقلت له بالحرف الواحد:

ـ إذا كانت ثقة الحزب والقيادة برئيس ملاحظين في وزارة التخطيط أكبر من ثقتها بالوزير حول مسألة بسيطة لا تخرج عن ترفيع مدير عام، فلماذا لا يعيَّن ذلك الموظف وزيراً للتخطيط. إن تصرف طاهر العاني ينمّ إما عن جهل وغباء، أو أنه تصرف متعمَّد القصد منه غير واضح لدي.

كان صدام مجاملاً إلى أبعد الحدود، مستنكراً تصرف العاني، مؤكداً لي أنه سينظر شخصياً في الأمر ويحاسب طاهر على تصرفه.

عدت إلى مكتبي في الوزارة كعادتي اليومية عند السادسة من مساء اليوم نفسه، وعند حوالى الثامنة مساءً اتصل بي البكر مستفسراً عن بعض المعاملات كعادته، مؤكداً موعده عند التاسعة من صباح اليوم التالي. بدا كل شيء طبيعياً. عدت إلى المنزل عند التاسعة والنصف مساءً وفي جعبتي المعلومات التي طلبها البكر عن مشاريع بلديات تكريت على أمل اللقاء به في صباح اليوم التالي.

كان تلفزيون بغداد ينقل مباراة الملاكمة بين محمد علي كلاي وغريمه، فقررت مشاهدة تلك المباراة. ولم تمض عشر دقائق على متابعتي لها حتى قطع تلفزيون بغداد برامجه، وظهر المذيع ليعلن أنه سيذاع بيان هام على الجمهور بعد لحظات.

مرت عشر دقائق أخرى وأنا أشاهد المباراة وأتحمس لكلاي، وبعد برهة ظهر المذيع ثانية معلناً صدور المرسومين الجمهوريين التاليين:

مرسوم جمهوري بإعفاء جواد هاشم من منصب وزير التخطيط، وتعيين عبد الكريم الشيخلي (وزير الخارجية) وزيراً للتخطيط بالوكالة.

مرسوم جمهوري آخر بإعفاء فخري قدوري من منصب وزير الاقتصاد وتعيين طه الجزراوي بالمنصب وكالةً.

ثم نشيد وطني! فوجئت بأمر المرسومين، واللهجة الثورية، التي طلع بها علينا المذيع التلفزيوني،، ثم لماذا هذا الأسلوب المفاجئ، ولم يكن قد مضى على حديثي مع البكر سوى أقل من ساعتين وهو يؤكد لي موعده لليوم التالي! توجهت إلى الوزارة بعد حوالى نصف ساعة، وكانت الساعة تقارب الحادية عشرة ليلاً، فجمعت أوراقي الخاصة وعدت إلى المنزل.

عند التاسعة والنصف من صباح اليوم التالي، اتصل بي العقيد شفيق الدراجي السكرتير العام لمجلس قيادة الثورة مستفسراً عن سبب عدم مجيئي إلى القصر لمقابلة الرئيس حسب الموعد، فقلت له: ألم تسمع بالمراسيم الجمهورية ليلة أمس؟ فكان جوابه بالنفي.

ـ عجيب، ألم تكن حاضراً اجتماع مجلس قيادة الثورة الذي أصدر تلك القرارات؟

«كلا»، جاء جواب شفيق وظن أني أمزح معه! أكدت لشفيق أنني قد أُعفيت من منصبي، ولا أجد بالتالي مبرراً لمقابلة الرئيس لبحث أمور تتعلق بالخطة ومشاريع بلديات تكريت.

في عصر اليوم ذاته، اتصل بي عبد الخالق السامرائي هاتفياً ـ وكان حينها عضواً في مجلس قيادة الثورة والقيادتين القومية والقطرية ـ وطلب مني مقابلته في مبنى القيادة القومية لبحث أمور تتعلق بإحدى لجان الحزب.

وعند اللقاء معه، أكد لي عبد الخالق أنه لم يكن على علم مسبق بالمراسيم الجمهورية التي صدرت ليلة أمس، وأنه سمعها من التلفزيون مثلما سمعتها أنا. وعند استفساري منه إن كان حاضراً اجتماع مجلس قيادة الثورة، أخبرني بأنه قد قاطع اجتماعات المجلس منذ فترة طويلة احتجاجاً على تصرفات بعض الأعضاء وعدم التزامهم بمبادئ الحزب.

وهكذا، انتهت المرحلة الأولى من عملي الحكومي. أعيد تعييني مدرِّساً، وأستاذاً مساعداً في الجامعة المستنصرية، فانغمرت بالعمل الأكاديمي البحت منصرفاً كلياً إلى البحث.

التقيت بعد شهر من إعفائي من منصبي شفيق الكمالي العضو الاحتياط في القيادة القطرية وقتها، في حفل عشاء في منزل صديق مشترك. وأثناء حديثنا، أخبرني الكمالي بتفاصيل الظروف التي رافقت إعفائي وفخري قدوري، فقال: في مساء ذلك اليوم الذي صدر فيه المرسومان، كان مجلس قيادة الثورة منعقداً للنظر في جدول أعماله الاعتيادي، وعند حوالى العاشرة مساءً، انبرى طه الجزراوي شاكياً العراقيل التي يضعها «الدكاترة» الاقتصاديون أمثال جواد هاشم وفخري قدوري لإعاقة عجلة الثورة، متهما إيانا، كعادته، بالأفكار الغربية والاستعمارية.

ويبدو أن البكر قد انزعج من كلام الجزراوي، حيث التفت إليه قائلاً: رفيق طه، ليس للحزب سوى عدد قليل من الدكاترة العاملين معنا، فهل تريد أن نتخلص منهم جميعاً؟ إذا كان هذا هو اتجاه الحزب، فبها. ورفع البكر سماعة التلفون واتصل بمدير الإذاعة وأملى عليه المرسومين الجمهوريين، وهو في حالة عصبية. وهكذا، بهذه البساطة: الجزراوي يتهم، والبكر يحتد، ويُعفى وزيران، على الفور.

* تنشره «الشرق الأوسط» بالاتفاق مع «دار الساقي»

 
ارسل هذا المقال بالبريد الالكترونى   اطبع هذا المقال