هل كان القرن العشرون قرنا ذهبيا للنقد الأدبي؟

صلاح فضل يرسم خارطة للمشهد النقدي عربيا وعالميا

TT

في تمهيده لكتابه «مناهج النقد المعاصر» يرى الدكتور صلاح فضل أن وظيفة النقد المعاصر في مجتمعاتنا العربية تمضي في نفس الاتجاه الذي بدأت به عند الرواد، باعتباره عملاً تثقيفياً تنويرياً يهدف الى إشاعة الروح النقدي في مختلف مستويات الفكر والممارسة الاجتماعية، لأن دينامية التطور ترتكز على تشغيل الموقف النقدي بأقصى طاقته في مجالات السياسة والاجتماع والثقافة، وتضيف اليها توجهاً جديداً هو الذي يميز نقد الآونة الاخيرة، وهو تحديد مفهوم وطبيعة توجهه العلمي بشكل يخالف ما كان عليه حال العلم الانساني من قبل، فقد خرج من دائرة الفروض الايديولوجية الضخمة في نظرياته واجراءاته ليلتمس مدخلاً صحيحاً للعملية المتنامية المتراكمة، متسقاً في ذلك مع منظومة العلوم الانسانية في حركتها المتواصلة لتعديل استراتيجيتها كي تتوافق مع التطور المحدث.

وبعد ان يتحدث الدكتور فضل عن مفهوم النهج ومستوى النظرية الأدبية، يتوقف في القسم الأول من الكتاب عند منظومة المناهج الحداثية، مسلطاً الأضواء على تاريخ وطبيعة المنهج التاريخي، والمنهج الاجتماعي، والمنهج النفسي الأنثروبولوجي. ثم يتناول في القسم الثاني منظومة المناهج التاريخية، ومنها المنهج البنيوي الذي يشير الى انه لم ينبثق في الفكر الأدبي والنقدي وفي الدراسات الإنسانية فجأة وإنما كانت له ارهاصات عديدة تخمرت عبر النصف الأول من القرن العشرين في مجموعة من البيئات والمدارس والاتجاهات المتعددة والمتباينة مكاناً وزماناً، لعل من أولها ما نشأ منذ مطلع القرن في حقل الدراسات اللغوية على وجه التحديد، لأن هذا الحقل كان يمثل طليعة الفكر البنيوي، وان لم تستخدم فيه منذ البداية المصطلحات البنيوية.

ولدى حديثه عن المنهج الأسلوبي، يوضح ان هنالك نوعاً من التداخل والتاريخ بين الاسلوبية والبنيوية على اعتبار أن الأسلوبية انبثقت من الفكر اللغوي والأدبي قبل الحركة البنيوية متأثرة بذات الاتجاهات التي اسهمت في تشكيل البنيوية، وبالتالي فإن هنالك نوعاً من الترابط بين الألسنية من ناحية واتجاهات دراسة الأساليب التعبيرية من ناحية اخرى.

وبانتقاله الى الحديث عن المنهج السيميولوجي، يعده من مناهج ما بعد البنيوية وإن كان قد بدأ مع البنيوية تقريباً، ويرى ان النقاد والباحثين العرب يتوزعون على ثلاثة اتجاهات، بعضهم يؤثر مصطلح «سيميولوجيا» وله مبرراته في ذلك لمحاولة القرب من مصادر الفكر النقدي الحديث لصناعة مصطلحاتها طبقاً للتقاليد العربية القديمة لابتلاع الاشارات اللغوية وتمثلها وتوظيفها بما يسمح بالتواصل العلمي مع بيئاتها العلمية.

أما الاتجاه الثالث فيبحث في التراث العربي ذاته عن الكلمات المناظرة والتي يمكن ان تؤدي بشكل تقريبي الدلالة اللغوية المطلوبة في العلم الحديث ويقع على السيمياء ويشتق منها السيميائية، مع ان السيمياء كانت تقترن بالأدب العربي القديم بالكهانة والسحر، والسيمياء بالمفهوم القرسطي واقتفاء الأثر وغير ذلك من الايماءات التي تبعده عن الاطار المعرفي الحديث. ومع ذلك يلاحظ الدكتور فضل ان مجموعة النقاد المغاربة يوشك رأيها ان يكون قد استقر على هذا المصطلح «سيمياء» ومنذ حاولت في السبعينات تعتيم المنهج البنيوي فقد آثرت مصطلح السيميولوجيا لمحاولة استزراعه في الثقافة العربية الحديثة بعداً عن مظنة اشتباهه بالمجالات العربية القديمة من ناحية، وتوثيقاً للعلاقة المعرفية مع الفكر النقدي الحديث وتيسيراً على المتلقين من ناحية.

واستكمالاً للتصورات والرؤى التي يطرحها الدكتور فضل، يخصص فصلين من فصول القسم الثاني لنظريات التلقي والقراءة والتأويل، وعلم النص. ثم يتحدث في القسم الأخير عن القرن الذهبي للنقد الأدبي، معرجاً على جيل الاساتذة، ونقاد الأدب، ونقاد الحداثة. ويرمز لجيل الاساتذة بجيل الرواد الذي ولدوا حول القرن الاخير من القرن الأسبق، حيث شهد عام 1889 على وجه التحديد مطلع معظمهم: طه حسين، عباس محمود العقاد، ميخائيل نعيمة. وقبلهم بقليل ولد عبد الرحمن شكري وأحمد أمين، ومن بعدهم جاء إبراهيم عبد القادر المازني وزكي مبارك وأمين الخولي. وربما كان عقد العشرينات من هذا القرن هو الذي شهد انبثاق توهجهم الفكري، فقد صدر فيه كتاب «الديوان» للعقاد والمازني عام 1921، و«الغربال» لميخائيل نعيمة عام 1926، ومن قبل ذلك مقدمات شكري لدواوينه، وغيرها من الأعمال التي أسست لمنظور نقدي جديد في الأدب والثقافة، اعتمد على اعادة قراءة التراث الابداعي في ضوء التيارات المنهجية الحديثة، ووضع المخططات الأولى لتاريخ الأدب العربي، بإبراز اقوى نماذجه وشخصياته، وارتياد آفاق الاجناس الأدبية المحدثة ابداعياً ونقدياً في القصة والرواية والمسرح، وقبل ذلك توظيف الأدب والنقد لدينامية النهضة العربية، باعتباره حامل رسالة في التقدم الثقافي والاجتماعي، وصاحب دور خلاق في قيادة الفكر وتوجيه الحياة العامة بمختلف مظاهرها وفعالياتها.

ويطلق تسمية نقاد الأدب على أبناء الجيل الوسيط، الذي يدور تاريخ ميلاد معظم أبنائه في نهاية العقد الأول وطوال العقد الثاني من القرن المنصرم، بحيث يصلون الى نضجهم الفكري في الخمسينات والستينات.

وهو يعتبر محمد مندور (1907 ـ 1965) حامل لواء هذا الجيل من النقاد الذي يشمل ايضا لويس عوض وحسين مروة وأنور المعداوي ونازك الملائكة وعلي الراعي، ويتضمن عدداً من أبرز الأساتذة المشتغلين بتاريخ الأدب والنقد أمثال شوقي ضيف وسهير القلماوي وعلي جواد الطاهر وإحسان عباس ومحمد يوسف نجم ورشاد رشدي ومحمد النويهي وغنيمي هلال وعبد القادر القط وتوفيق بكار وشكري عياد وعدد كبير من الأساتذة الآخرين.

* مناهج النقد المعاصر

* المؤلف: صلاح فضل

* الناشر: دار أفريقيا الشرق ـ بيروت