جولييت المير تروي حكايتها مع مؤسس الحزب القومي السوري (1) ـ اشترى أنطوان سعادة محبسي خطوبتنا دون أن يبلغني بقراره

كان يرفض قراءة رسائلي له بأي لغة غير العربية والموسيقى الكلاسيكية كانت أكبر متعة روحية له

TT

* هذه المذكرات وضعتها جولييت المير سعادة (الأمينة الأولى)، زوجة انطون سعادة، مؤسس الحزب السوري القومي الاجتماعي، سنة 1966، وقد ظلت حبيسة الأدراج، على رغم وفاة صاحبتها سنة 1976، الى ان قررت بناتها صفية وأليسار وراغدة اطلاقها أخيرا، وسترى النور في كتاب ضخم بعد اسابيع في إطار الاحتفالات بالذكرى المئوية الأولى لميلاد انطون سعادة.

تعرفت جولييت المير الى انطون سعادة في الارجنتين سنة 1939، وانتسبت الى الحزب السوري القومي الاجتماعي بعد ذلك، ثم نشأت بينها وبين الزعيم علاقة حب قوية تُوجت بالزواج سنة 1941. وشاركته حياته العاصفة منذ ذلك الوقت، الى ان قرر العودة الى لبنان سنة 1947 ليواجه سلسلة من الاشكالات مع السلطات اللبنانية التي لم تكن مرتاحة للافكار التي حملها سعادة الى الوطن.

وجاءت احداث حي الجميزة في بيروت سنة 1949 لتوصل الصدام بين الطرفين الى ذروته الدموية، فغادر سعادة لبنان الى سورية، حيث حصل من قائد الانقلاب العسكري السوري آنذاك، حسني الزعيم، على وعود بدعم ثورة القوميين الاجتماعيين في لبنان، غير ان تواطؤ حسني الزعيم مع السلطات اللبنانية أدى الى تسليم سعادة الى المسؤولين اللبنانيين الذين اعدموه فجر الثامن من يوليو (تموز) 1949 بعد محاكمة صورية. وفي كل هذه المراحل كانت الأمينة الأولى الى جانب زوجها في نضاله السياسي، لكن المأساة التي اصابت العائلة في عام 1949 لاحقتها الى دمشق، حيث وقعت جريمة اغتيال العقيد عدنان المالكي في ابريل (نيسان) سنة 1955، واعتقلت الأمينة الاولى في ذلك الشهر مع آلاف من اعضاء الحزب السوري القومي الاجتماعي، وظلت في السجن حتى 26 ديسمبر (كانون الأول) 1963 عندما اطلق سراحها في اطار عفو خاص وابعدت الى باريس.

و«الشرق الأوسط» تنشر على حلقات فصولا ومقتطفات من مذكرات جولييت المير سعادة في مناسبة الذكرى المئوية الاولى لميلاد انطون سعادة التي صادفت في الأول من مارس (آذار).

* كتبت جولييت المير: «هذه مذكرات حياتي، هي من نفسي، من صميم الحقيقة التي عشتها مع زعيمي ورفيق حياتي وانتهت بفاجعة قل مثيلها في التاريخ. هذه الفاجعة التي ضربتني في صميم اعماقي تجرني الى التماس ذكريات كل دقيقة من الدقائق التي عشتها قرب رفيقي الوفي. ذكريات حياة عظيمة في أساسها، بسيطة في مظاهرها. فيها ارتفاع المثالية، وفيها هدوء النفسية الواعية، وجمال الحقيقة وقوتها التي تدفقت بكاملها على مر الأيام التي عشتها قربه. في هذا الفراغ المؤلم الذي تركه بيننا، نحتاج الى ذكره ونهفو اليه في كل برهة من حياتنا، نحتاج الى استرجاع تعاليمه، حقيقة حييناها في الصراع المستمر الى جانبه.

كان لقائي بالزعيم في بيت اهلي، وصدفة. ولم أكن قد عرفت أو سمعت بوجوده في بوينس ايرس، وكان جاء الى تلك البلاد قبل عودتي من نيويورك وتم اتصال بينه وبين افراد عائلتي. التقيت بالزعيم عندما لبّى دعوة لتناول فنجان شاي في بيتنا. لم أكن ادري بمجيئه، وكنت استريح طيلة النهار من عملي الليلي، وقد دعتني شقيقتي بعد ان ايقظتني من النوم الساعة الخامسة لتقول لي ان هناك اشخاصا مدعوين على الشاي في بيتنا، وسألتني إذا كنت ارغب بتناول الشاي معهم؟ فسألتها من هم؟ فقالت زعيم حزب سوري. قلت زعيم حزب؟ وما اكثر الزعماء في بلادنا، كم من هؤلاء الادعياء أتوا الى هنا ولم يكونوا سوى تجار، واجبتها: لا اريد ان أرى احدا، فالطقس جميل والربيع في أوجه، واتمنى مشوارا في الطبيعة. وقلت لنفسي: ومن يا ترى هذا الزعيم، أيكون رجلا ضخما يمثل في حركاته العظمة والزعامة كما شاهدت سابقا؟ لا، ان الرجل الذي سيأتي من بلادي لينقذ بلادي لم يولد بعد، ومن يدري متى يأتي؟

وعندما انتهيت من ترتيب وضعي، دخلت القاعة، حيث اهلي وضيوفهم. كانوا جميعهم على المائدة يشربون الشاي. رأيتهم كلهم، ولم أر الرجل الضخم الذي تخيلته. رأيت رجلا شابا ذا وجه وتعابير جذابة، وشكل لطيف، صاحب نظرة شريفة وعميقة، عميقة جدا، وكان يرافقه رجل اصغر منه سنا، لكن تعابير وجهه لم تعن لي شيئا اسمه خالد أديب.

وقفوا لتحيتي ومد يده ليصافحني، شعرت عندما وضعت يدي في يده باطمئنان وصفاء، وابتسم لي قائلا: «بكل سرور». وكان صوته واضحا، هادئا وفيه حرارة نفسه.

جلست، وقدموا لي فنجانا من الشاي وهو قدم لي السكر، بكل لطف، وكانت تصرفاته الاجتماعية على المائدة جدا عالية. وتابعت أنا كل حركة من حركاته، واصغيت لحديثه باهتمام ودقة، وتابعت كل كلمة من كلماته. حدثنا عن الحركة، عن النهضة التي بعثها في رسالته الى شعبه. وسمعت كيف ان رجالا ونساء في بلادي وفي صفوف هذه الحركة يدخلون السجون ويحملون راية المبادئ التي آمنوا بها. وحدثنا عن الملاحقات من قبل الدولة المنتدبة، وعن التشرد والسجون وقوة الايمان والعزيمة الصادقة في نفوس القوميين، وكيف كانوا يدخلون السجون وهم يهتفون دون خوف ودون تردد. وكنت اصغي، وكنت احيا هذه المشاهد المشرفة وهذه العزيمة الصادقة. نعم، كنت احيا مع شعبي قضية مقدسة، قضية حياة أمة. ويا للغرابة، هذا في بلادي وأنا لا اعرف عنه، لا اعرف شيئا عن بلادي، وماذا استطيع ان اقدم لها.

آفاق جديدة بدأت تتفتح امامي، فيها الآمال لعالم جديد وحياة جديدة، وابتدأت اخطو الى ذلك العالم الذي فيه تحيا أمتي حياة عز وكرامة، وشعرت ان حملا ثقيلا، حملا فيه التردد الكثير في حياتي، بدأ ينزاح عن اكتافي. وعندما انصرفوا، مد يده ليصافحنا واحدا واحدا وتمنى لنا السير في صفوف هذا الحزب، وقال إن الحركة تعتمد في الدرجة الاولى على الشبيبة، كونها صافية، مدركة لم تدخل المفاسد نفوسها، وعندها الاستعداد وحرية تقرير المصير. وذهب تاركا وراءه ابتسامة وشيئا غريبا في جو البيت وفي نفس كل فرد من افراد العائلة. وكان ذلك في سبتمبر (أيلول) 1939.

ساعات قليلة كانت كافية لأرى في هذا الرجل باعث نهضة. هذا كان اول لقائي بالزعيم.

لن أنسى ذاك اللقاء الاول، وكأن شخص الزعيم المحبوب أمامي الآن وفي كل حين في تلك الوقفة، والابتسامة لا تفارقه وهو يمد يده ليصافحني.

ومضت الأيام، ولم نتحدث عنه في البيت، ولم اجد نفسي على استعداد للحديث عنه في البيت. وبقي أثر تلك الزيارة وشخص الزعيم وكأنها اشياء خاصة بي عليّ المحافظة عليها. بعد ذلك زارتنا سيدة لتحدثنا عن الحزب والحركة في الوطن، وعن الزعيم ومناصريه، وكيف ان الصحف كلها تتحدث عنه وعن مبادئه، وعن الملاحقات والسجون من قبل الانتداب، وكيف ان الشباب الواعي المثقف ينتمي الى هذه الحركة.

وهذه السيدة هي مريانا فاخوري، مديرة مديرية السيدات الناشئة حديثا في بوينس ايرس، وقد قامت بهذه الزيارة بعد ان تمت اتصالات عدة من قبل الزعيم وناموسه (لقب حزبي) خالد أديب مع عائلتي، ولم اكن بعد قد عدت من اميركا. وبعد زيارته الاخيرة لنا وتعرفي عليه جاءت هذه السيدة لتحدثنا وترغبنا بالانتماء الى الحزب. وهنا اقول ان الزعيم لا شك شعر باهتمامي في الموضوع، وان اصغائي الجدي واسئلتي حول الحركة جعلته يدرك انني على استعداد لأكون في الصف، وقد يكون تأكد من جوابي له حين ودعنا في عصرية النهار الذي شاهدته فيه لأول مرة، عندما قال آمل ان تكونوا من ابناء الحركة وهي بحاجة الى الشباب الذي يحمل في نفسه العزيمة الصادقة ويستطيع تحقيق هذه الرسالة، فأجبته أنا: انني اشعر باستعداد كلي لأخدم وطني وقضيتي.

تركت لنا السيدة مريانا فاخوري كرّاس المبادئ، وذهبت على ان تعود لاحقا لتعقد معنا جلسة نقاش حول القضية. وبعد أيام حضرت المنفذة واقسمت اليمين، هذا القسم المحفور في قلبي، في عقلي عبر الأيام والسنين، عبر الحياة، على السير معاً، تحت كل الظروف، دون التخلي عن هذه الامانة حتى الموت وبعد أيام اقسمت اليمين ايضا شقيقتي كتالينا، وكانت تسكن وزوجها وابنها في طابق قريب من بيتنا. وهكذا فعلت شقيقتي ديانا. فأصبحنا نحن الثلاث قوميات حديثات في الحزب.

الاجتماعات للسيدات كانت ترأسها المديرة، وكان عددنا في هذه المديرية لا يتجاوز العشر. ولكن هذه الاجتماعات كانت تختلف كليا بمواضيعها وعمقها عن الاجتماعات العامة، ولا يخفى ان موضوع الوطن وقضية كبيرة كهذه لم يكن يعيها بعد المهاجر ولا القوميون الحديثو الانتماء.

كنت اشعر بهذا الفارق، وان لم اشترك أبدا في اي نقاش في بادئ الأمر، وكانت لغتي العربية قد ضعفت كثيرا لقلة الممارسة، خصوصا ان استعمالها في البيت مع أهلي لم يكن إلا حول قضايا عادية، أما الافكار وتحليل المواضيع الكبيرة فكنت افكر بها في طريقة غربية واتحدث بها على هذه الطريقة، ولهذا كنت اخجل من ضعف لغتي، فلا اريد الاشتراك. وقد لاحظ الزعيم عليّ هذا الموقف، وسألني رأيي مرات حول هذا الموضوع أو ذاك حين كنا نقف لنتحدث معه بعد ان ينتهي الاجتماع، وكنت اعطيه رأيي وفي معظم الاحيان اعبر باللغة الانجليزية. وكان يهتم بي ويشجعني على ان اتابع دراسة اللغة العربية. ولم يخف سروره عندما احضر الاجتماعات، وكنت ألاحظ كيف كان يتابع بنظره تعابير وجهي، وكنت اسر ضمنا وتقوى معنوياتي واتشجع لبحث الأمور معه. وكان الزعيم يخصني باهتمامه، فيقصد الاجتماع بي، وطرح اسئلة عليّ واخذ رأيي في قضايا كانت محور الاجتماع.

وبعد وقت قصير من انتمائي الى الحزب، ابتدأت اعرف اكثر عن الرفقاء ومعنوياتهم، عن تصرفاتهم، عن انضباطهم أو عدم انضباطهم، عن سلوكهم الخلقي والحزبي، وأخذت افهم ما يعانيه الزعيم من أثر هذه الأمراض المتفشية في نفوس شعبنا الذي لم يعتد الجهاد في سبيل قضية قومية، ولم يعتد التقيد بالنظام ولا التضحيات، خصوصا في المهجر، حيث كان للمال وجمعه الحساب الأول.

بعد زمن قصير تعرفت على هذه الأمور وغيرها التي كانت تقف عثرة في طريق العمل الشاق الطويل الذي اعتاده الزعيم في الصراع. نعم، كنت اتقرب اكثر الى فهم هذه القضايا بالاحتكاك الدائم مع الزعيم في الاجتماعات العامة وفي الاجتماعات العائلية وبين الرفقاء والاصدقاء. وما تكاد تلوح دلائل انتصارات في أوساط الجالية وبين صفوف الشباب حتى تظهر غير هذه الدلائل المفرحة، فيخمد الفرح في قلوبنا ويتعكر الجو، ويحمى الجدل بين اصحاب المصالح الخاصة وأصحاب العقيدة، فهنا فئة تلوم وتهاجم، وهناك فئة تدافع وترفع مبادئها القومية. وينتهي في هذا الصراع من لم يكن أهلا لحمل الرسالة ويتفهم الآخر معنى الصراع من أجل العقيدة.

وعندما قدم أول مارس (آذار) سنة 1940 انتدبت من قبل منفذية السيدات للمشاركة مع اللجنة التي تشكلت لاقامة مأدبة عشاء على شرف الزعيم، وكان من الضروري نجاح هذه الحفلة لانها الاولى التي تقام على شرفه. فدعانا الى بيته وكان يسكن في فندق متواضع في ضواحي بوينس ايرس في غرفة بالاشتراك مع ناموسه خالد اديب، وكان معه في الغرفة نفسها سابقا الأمين اسد الاشقر، ناموسه ايضا، وقد سافر عائدا الى افريقيا قبل تعرفي على الزعيم، فلم أره ولم اعرفه حين كان في بوينس ايرس. ولكن خالد أديب بقي معه، وعندما دعانا نحن لجنة المأدبة كان حاضرا. دخلت مع رفقائي غرفة الزعيم، وكانت محاطة بنوافذ تطل على حديقة البيت، وفيها ثلاث اسرة مقاعد، وفي وسطها طاولة للطعام وللكتابة وقربها خزانة غير كبيرة وبعض الرفوف المزدحمة بالكتب، كل شيء فيها نظيف لأن اصحاب الفندق كانوا عائلة المانية، لكن كل شيء عتيق، وايجار الفندق ايضا كان متواضعا (هذا ما عرفته لاحقا). وكان الزعيم مستلقيا في فراشه، وعرفت من رفقائي حين دخلنا انه في حالة مرض وتعب. وقد سألوه عن صحته وإذا ما كان قد تحسن، فأجاب والابتسامة على شفتيه انه متحسن، ونظر إليّ وقال انه مسرور بمجيئي لزيارته مع رفقائي وانه يهنئني على تطوعي للسعي في نجاح الحفلة. هذه الصورة لوضع الزعيم وصحته ترافقني مدى الأيام، ترافقني مع احداث مؤلمة واكبت تلك الفترة.

وفي أول مارس (آذار) 1940 اقيمت مأدبة عشاء على شرف الزعيم في قاعات الفندق الكبير جوستن Joustin Hotel في بوينس ايرس. وكان عدد المدعوين كبيرا واظنه يقارب الاربعمائة مما جعله احتفالا رائعا، وكان من المظاهر البارزة فيه النظام، فالنظام الدقيق في احتفالات عامة ظاهرة لم يتعودها المواطنون في المهجر.

إن فرحي في تلك المناسبة كان مقترنا بنجاح الحفلة التي اشتركت في ترتيبها، وكان مقعدي على طاولة أمام طاولة الزعيم. وقد جلس قرب الزعيم سيدتان، يمينا والدتي والمنفذة يسارا، كنت اراقب ما يقدم للزعيم من مأكولات، فقد كان لا يزال تحت الحماية في الطعام بسبب معاناته من سوء الهضم، وكان ينظر إليّ حين مجيء صحن من الصحون، وكنت اعرف إذا كان مناسبا له أم لا فأشير برأسي موافقة أو رفضا.

وهكذا تمت الحفلة في جو من النظام والهيبة مما دفع بعض الصحف الى الحضور لتأخذ حديثا من المحتفى به، وانتهى الزعيم بارتجال كلمته التي عبر فيها عن ايمانه برسالته، وتفهم الجالية حقيقة قضيته على رغم انه لم يأت مواطن واحد لاستقباله حين وصوله، ومع ذلك لم يكن أقل ثقة بهم مما هو عليه الآن.

اطل علينا يوم 30 سبتمبر (ايلول) حاملا معه تباشير الربيع في الطبيعة وفي قلبي. في 30 سبتمبر شهر الربيع في الارجنتين، الشمس دافئة والنسيم عليل، رافقني الزعيم حتى عيادة طبيب الاسنان، ونحن في طريق العودة الى البيت مرورا على اسواق المدينة، وقفنا امام محلات الصياغة، وفيها من الصنعة فنون من الذهب والماس وغيرها. لم نتعود الوقوف امام المحلات سابقا، وقد لفت نظري هذا الوقوف من قبل الزعيم وهو يسألني ما الذي اختاره من بين تلك المجوهرات؟ ونظرت اليها وعلى كثرتها قلت لا ادري انها كثيرة ولا استطيع ان اقول عنها شيئا.

قال لي: ألا تعجبك هذه المحابس البسيطة في تلك العلبة؟ قلت بلى ولهذه رمز بعيد وكبير. قال لندخل ونسأل البائع. فضحكت ولم اشعر بجدية الموضوع، فأخذني بيدي ودخلنا المحل الكبير الذي كان اسمه El Trust Joyero Relojero وانا اضحك لغرابة المفاجأة.

واستقبلنا البائع، فطلب الزعيم منه علبة المحابس، وكنت اضحك وهو يُخرج الخواتم منها ويطلب مني تجربتها، وقد فعلت ذلك وادخل هو الخاتم في اصبعه، وكان الخاتمان مناسبين لنا، فوضعهما في العلبة وطلب من البائع شراءهما، وقد اقترح البائع علينا ان نبقيهما حتى يحفر عليهما الاحرف والتاريخ، لكن الزعيم اخذهما ووعده بالمجيء في اليوم الثاني للحفر عليهما.

خرجنا من المحل وانا انظر اليه واضحك، اذ انه لم يعلمني بتلك الفكرة وذلك القرار، وكان يسألني: هل انت سعيدة مثلي أم لا؟ وكنت أؤكد له فرحي واضحك، وهو يضحك ايضا وكأننا اطفال ذاهبون في مغامرة ما. قال لي سنذهب الى البيت ونطلب من الوالدة ان تلبسنا الخواتم. وهكذا كان.

وبعد ان علمت شقيقتي كتالينا بهذه المفاجأة، اتصلت هاتفيا بشقيقي جورج وكان في محله. فجاء فورا لتجتمع العائلة كلها في عصرية ذاك اليوم اجتماعا فجائيا بصدد هذا الحادث. واخذني شقيقي جورج على انفراد وسألني عما اذا كنت ارى في هذه المجازفة قلقا على راحتي وحياتي؟ قلت له: لقد اصبحت في هذه السن وانا اسير لوحدي في الحياة، أليس من دواعي الغبطة لكم بأن اكون مرافقة لرجل مثل الزعيم، عدا انني لم أسر معه لهذه الغاية، بل لغاية ابعد وانبل وهي تتخطى موضوعي كشخص. فأجابني ان افعل كما ارى مريحا لي. وبعد ذلك جرى الوفاق في كل اموري معهم، في ما يتعلق بالزعيم، وقد احاطوني بعنايتهم واهتمامهم.

وفي هذا الجو الهادئ في البيت قرر الزعيم مغادرة بوينس ايرس والذهاب الى الجبال لاخذ قسط من الراحة. وقد انتهت المعركة والكلمة الفاصلة في قضية خالد اديب وغيره. ولا شك في ان هذه القضايا كانت تأخذ من راحته جسديا ونفسيا لأن الزعيم، رغم تمسكه بالنظام والحق وتحمله الاخطاء على انواعها، لم تكن تسهل عليه خسارة اي رفيق من رفقائه ولم يكن يتساهل في ان يعرف كيف خسر نفسه ذاك الرفيق، وتكون المعركة بينه وبين نفسه عنيفة قبل ان يقرر فصل عضو من اعضاء الحزب، وهو الذي كان يسهر على تربيتهم العقائدية لأيام وسنين، فلم يكن سهلا ان يرى تلاميذه ينهارون الى تلك الهاوية.

وكنا في بوينس ايرس نسكن طابقا في وسط المدينة، وكان بيتنا قريبا من محطة للسكك الحديد، وكنت أمر بها ذهابا وايابا كل يوم وانا في طريقي الى المدرسة الثانوية خارج المدينة، ومعرفتي بها طويلة وكأنها تشكل جزءا من بيتنا. لهذا عندما قرر الزعيم مغادرة بوينس ايرس الى جبال كوردوبا ذهبت وحجزت له مقعدا في القطار، وبقيت هذه التذكرة معي. وكان عليّ تسليمه اياها حين الوصول الى المحطة. وقد بدلت حقيبتي في آخر لحظة ونسيت التذكرة في الحقيبة الاخرى الشيء الذي عكر عليّ وعلى الزعيم ساعة وصولنا الى المحطة. فعدنا الى البيت وقد سبقنا القطار، فأجل السفر الى اليوم التالي. فبقيت متكدرة لهذا الخطأ ولم استرجع سروري حتى وصلني منه كتاب رفع عني الكآبة.

غاب الزعيم ثلاثة اشهر قضاها في الجبال، وكانت رسائله تردني دوما وفيها حرارة نفسه. وهناك في فترة استجمامه كان يكتب مقالاته المتسلسلة في الزوبعة عن رشيد الخوري، وكان يحرر الجريدة من مقره ويرسل اليّ ما يجب تسليمه وتوزيعه.

وكنت قد حصلت على وظيفة ممرضة في احد المستشفيات الحكومية، وكان يبعد عن العاصمة مسافة بعيدة، ولكنه بناء جديد مخصص للامراض الصدرية، وكان عليّ القبول بهذه الشروط اذ كنت تعينت حديثا، وقد ارتحت لهذه الوظيفة لأقوم بواجباتي نحو البيت الذي تعاهدت على ان اسهر على هنائه وسعادته ومسؤولياته. وابتدأت عملي، وما تبقى من الوقت لدي كنت استفيد منه لتهيئة اجهزة البيت الجديد، واقوم ببعض المساعي التي كان الزعيم يكلفني بها، واتسلم رسائله واجيب عليها. وهنا يجب ان اذكر ان رسائلي اليه كانت بعض الاحيان باللغة الاسبانية ومرات باللغة الانجليزية وقليلا باللغة العربية. ولم يرض الزعيم برسائلي باللغات الاجنبية، وكان يرفض ان اتابع بهاتين اللغتين، فأرى نفسي امام أمر لا مفر منه، وتصعب عليّ الكتابة باللغة العربية التي كنت قد اهملتها منذ زمن، واعود الى الكتابة بلغتي العربية المكسرة، فيأتيني من الزعيم جواب استحسان وتشجيع لأن اتابع، اذ ليس فيها من الاخطاء الكثير وان تعبيري جيد، وان الاخطاء نحوية، وهذا ما استطيع اصلاحه اذا ما تابعت باصرار واهتمام بعض الدروس في قواعد اللغة العربية.

ويقول لي: ليس عزيزا على قلبي ان تكون اللغة الاجنبية هي الواسطة للتفاهم بيننا، خصوصا ان العربية هي لغتنا، واذا كنت تصرين على الكتابة اليّ بهذه اللغات فسأجد فيها ايضا اخطاء كثيرة حتى تعدلي عن الكتابة بها. وما زلت محتفظة برسائل الزعيم كلها وبينها صفحات التصحيح في اللغة.

عاد الزعيم من الجبال وفي نفسي دنيا من الحب والآمال، ولم نخف حبنا لبعضنا ورغبتنا بانشاء البيت الجديد الذي ساعد افراد عائلتي جميعهم بتجهيزه، خصوصا شقيقي جورج الذي اراده ان يكون كما نرغب.

في اوائل سنة 1941 تم عقد الزواج وانهينا ترتيب بيتنا الذي كان طابقا مؤلفا من ثلاث غرف وغرفة صغيرة للخادمة. هناك بدأت حياتنا معا، العمل طيلة النهار، وكنت انا قد انتقلت الى مستشفى قريب من البيت اسمه مستشفى بينييرو Pineiro ، وكان العمل فيه ثماني ساعات متواصلة، ومن ثم وقت الذهاب والاياب في الحافلة. وكنت اعمل في فرع الاسعاف اي قاعة الاسعاف التي لا تقفل ابوابها لا ليلا ولا نهارا. كنت اعود الى البيت بعد العاشرة وانا تعبة، ولكن املي بلقاء الزعيم والوصول الى بيتنا الجميل يدفعني الى السرعة والشعور براحة نفسية، وكم من المرات كنت الاقيه عند موقف الحافلة وهو بانتظاري، وكان يغمرني بين ذراعيه فيدخل في قلبي دفئا جميلا. وهناك في البيت كنا نتابع العمل انا في اشغال بيتية وهو منكب دوما على الكتابة، كان النهار مليئا بالاعمال مع الاعضاء والجريدة ومتابعة شراء الورق وتصحيح المقالات في الزوبعة وكثير من الاجتماعات الخاصة مع بعض المواطنين، فيعود في المساء ليبدأ الكتابة التي كانت تأخذ من وقته ساعات. اكبر متعة روحية بالنسبة للزعيم كانت الموسيقى، الموسيقى الكلاسيكية، وكان بيتهوفن موسيقاره المفضل، ولكنه كان يحب ايضا كل الموسيقيين، وكان يفضل تشيكوفسكي وكريغ وليست وشوبرت وشوبان وغيرهم. وكان يحب Smetane في نهر ملدافا Meldawa وقد تعرفت على موسيقاهم من الزعيم واحببتها، وكانت الانغام ترافق الصمت الذي كنا نعيشه في ساعات السكون في الليل وهو يعمل بهدوء وكأنها تعوض علينا ما نريد قوله الواحد للآخر.

وبعد زواجنا بثلاثة اشهر حملت بصفية. وكان لنا من هذا الحدث سرور وغبطة. وبدأنا نفكر بالطفل الجديد الذي سيملأ بيتنا فرحا وبهجة. وكان الزعيم يحب الاولاد. وكنت انا انتظر هذا الطفل بفارغ الصبر. ومرت عليّ ايام صعبة، خصوصا انني لم اكن استطيع ترك العمل ولا ان يكون عندي خادمة لأن الحالة المادية لا تسمح لنا. وكانت ايام الحرب العالمية الثانية وانقطاع المراسلات والاتصال بالخارج لم يسمح بوصول اية مساعدة للزعيم، وكان عليه تغطية نفقات الزوبعة التي قلما كانت تجمع اشتراكات وهذه لم تغط مصاريفها. وفي آخر اشهر حملي، تسلمت بعض المساعدات من اهلي واستمررت بعملي واستعنت بخادمة بعض الساعات حتى كان لي ثلاثة اشهر استراحة اخذتها بسبب وضعي وعكفت على تهيئة ما يلزم في البيت للطفل القادم.

تمت الولادة في 17 ديسمبر (كانون الاول) وهو فصل الصيف في الارجنتين وكان لابنتنا البكر اسم صفية اختاره الزعيم لمعناه من المصطفى ولأنه شبيه باسم صوفيا. وبما انه كان علينا ان نسميها باسم ارجنتيني حسب القوانين السائدة والمشددة في ذلك الحين من دون اختيار اسم ثان معه، وجدنا ان نسجلها باسم صوفيا ويكون لنا اسمها الحقيقي صفية. مررنا بصعوبة كثيرة منها المادية ومنها الحزبية، وكان لي في الزعيم المثل والقدوة. وكانت رحلات الزعيم في الداخل لتفقد الفروع تأخذ قسما كبيرا من وقته. فكان يتغيب لمدة شهر او اكثر، وفي هذه الغيبات كنت اشعر بفراغ في البيت وفي حياتي كلها رغم انشغالي الدائم بين الوظيفة والعمل البيتي والشؤون الحزبية التي كان الزعيم يكلفني بها.

بعد هذه الاشهر المليئة بالعمل والسهر على كل شؤوننا، في الوظيفة، في البيت، تجاه طفلتنا، تجاه الحزب، ابتدأت صحتي تتأخر، وكان الزعيم يحزن لوضعي، ويأخذني مرات من يدي ليضعني في الفراش رغم رفضي، ويغلق الباب ويذهب للاهتمام بابنتنا صفية، ولم يكن عندنا خادمة دوما، فيصعب التوفيق بين العمل المستمر لمدة ثماني ساعات والاهتمام بصفية التي كانت رضيعة، لكننا تغلبنا على تلك الايام وكان هنائي، كل هنائي، عندما اراهما هما الاثنين وعلامات الصحة والراحة تحيط بهما.