الاثنيـن 30 محـرم 1425 هـ 22 مارس 2004 العدد 9246
ارسل هذا المقال بالبريد الالكترونى   اطبع هذا المقال  
 

رجل دين يدافع عن النظام العلماني في العراق

إياد جمال الدين لـ«الشرق الأوسط» ما اؤمن به هو قيام حكومة خدمات وليس حكومة شمولية تتحدث باسم الدين والدنيا والآخرة

لندن: معد فياض
في نهاية مارس (آذار) من العام الماضي كنت قد التقيت اياد جمال الدين، الشخصية الدينية والسياسية العراقية المستقلة، لاول مرة في معمل أسمنت الكوفة الذي يبعد مسافة خمسة عشر كيلومترا تقريبا عن مركز مدينة النجف. فقد كان جمال الدين احد أوائل المنفيين العراقيين الذين عادوا الى بلادهم بعد ايام قلائل من اندلاع الحرب وقبل ان تصل قوات التحالف الى بغداد. كنت قد وصلت مع عبد المجيد الخوئي، توا الى مشارف صحراء النجف في طائرة هليكوبتر لتنقلنا سيارات صغيرة الى معمل الاسمنت الذي توقف عن العمل قبيل بدء العمليات الحربية وتحول الى مقر للوحدات الاميركية في المنطقة. لم تكن غالبية المدن العراقية قد تحررت من سيطرة النظام السابق و«فدائيو صدام» وقتذاك، وبضمنها مدينة النجف التي كانت هدف زيارتنا، بين الغبار الذي كانت تثيره العواصف الترابية وحرارة الجو الصحراوي تعرفت للمرة الاولى على جمال الدين الذي كان يرتدي وقتذاك دشداشة سوداء ونظارة شمسية بلون الدشداشة، كان متحمسا لان يجري كل شيء بسرعة، وزاد من حماسته وصول الخوئي الذي كان هو الاخر مستعجلا تحرير النجف ودخولها. بعد عام من ذلك اللقاء نتحدث مع اياد جمال الدين، فهو واحد من ابرز رجال الدين العراقيين الذين يدافعون عن علمانية النظام السياسي، وهو سليل عائلة دينية شيعية سياسية متحررة تتحدر من مدينة النجف، لنتعرف على آرائه بما حدث، وما يحدث في العراق اليوم.

* كيف تنظر الى نتائج الحرب بعد عام من قيامها؟

ـ انا متفائل جدا بنتائج هذه الحرب، ولو نظرنا الى وضع الشعب العراقي لوجدناه افضل بكثير من وضعه في ظل النظام السابق، بل لا يمكن المقارنة بين الوضعين، خاصة من النواحي الاقتصادية فطبقة الموظفين والعاملين في الدولة اصبح دخلها متوازنا، وكذلك من النواحي الاجتماعية والسياسية والنفسية، اما من الناحية الامنية فان نسبة الجرائم العادية انحسرت كثيرا وموجة الارهاب التي نعاني منها ستنتهي. العراقيون اليوم اكثر استقرارا، ومن ناحية الوضع السياسي فأقول ان العربة ركبت على السكة خاصة بعد الموافقة على قانون ادارة الدولة ونحن الان في طور تسلم السلطة والسيادة والوضع يسير في تحسن.

* ماذا كانت توقعاتك عن هذه الحرب قبل قيامها؟

ـ كنت اتوقع قيام هذه الحرب ولست متفاجئا بما حدث، وكنت اتوقع حسمها خلال اسبوع واحد، وانت تذكر عندما كنا في النجف في بداية انطلاق هذه الحرب كنت قلقا للغاية لان الاوضاع لم تحسم خلال اسبوع واستمرت لما يقرب من ثلاثة اسابيع، وهذا التوقع كان مبنيا على معرفتنا المسبقة بوضع نظام صدام الذي كان يجيد رفع الشعارات الكاذبة فقط، وكنا على يقين ان الجيش العراقي والعراقيين عموما لن يدافعوا عن هذا النظام الذي سلب الحريات واستباح المحارم وسفك دماء الناس.

* كنت قد طرحت فكرة ان يكون العراق دولة علمانية، وانت رجل دين، هل ما زلت على نفس الرأي؟

ـ نعم واعتقد ان العراقيين اليوم صاروا يتقبلون هذه الفكرة، لاننا ضد ان يستخدم الدين سياسيا او في اي مجال آخر، فمثلا استخدام الدين اليهودي للترويج للحركة الصهيونية أضر بالدين اليهودي وباليهود وكذلك استخدام الدين الاسلامي سياسيا قد أضر بالاسلام وبالمسلمين. لقد استغل الدين الاسلامي سياسيا من قبل الدولة الاموية والعباسية والعثمانية ومن قبل الدولة المعاصرة ايضا، نحن نريد نظاما تقدس فيه الديانات وتحترم وان تكون امانة بيد مرجعياتها وائمتها ولا يستغل اي دين من الاديان وهذا ما اقصده بالدولة العلمانية هو ان تحكم الحكومة بالقوانين المدنية، وتكون الاديان في البيت والمجتمع وفي سائر مناحي الحياة، وكما يتم الفصل بين السلطات يفصل الدين عن الدولة. انا ضد استغلال الدين وضد استغلال الوطن وضد استغلال اي مقدس من مقدسات الناس من اجل الوصول الى اهداف سياسية. ما اؤمن به هو قيام حكومة خدمات وليست حكومة شمولية تتحدث باسم الدين والدنيا والآخرة.

* هل تعتقد ان الاحزاب الشيعية اليوم تستغل الدين والمذهب سياسيا؟

ـ هذا واضح للعيان، ليس اليوم بل منذ تأسيس هذه الاحزاب اعتمدت على ايديولوجية دينية امتزج فيها الديني بالسياسي والسياسي بالديني ونحن لا مؤاخذة لدينا على هذه الاحزاب ولكن مؤاخذتنا هي ان يستغل اسم الاسلام والمذهب والحسين في بورصة المزايدات السياسية، ثم ليس هناك متحدث باسم الشيعة على الاطلاق وكل ما يقال ان فلانا يمثل الشيعة فهذا ليس حقيقيا وانما كل حزب يمثل نفسه.

* حتى المرجعية الدينية لا تمثل الشيعة؟

ـ حتى المرجعية الدينية. المرجع يمثل مقلديه وله كامل التقدير والاحترام ولكن المرجع لا يقول انه يمثل الشيعة ابدا، ولا مرجع من مراجعنا العظام حفظهم الله يدعي انه يمثل الشيعة. الشيعة بينهم تيارات ليبرالية، وشيوعيون وبعثيون واسلاميون، كل ذلك بينهم كما سائر المسلمين ليس هناك من يقول انه يمثل المسلمين جميعا. نعم هناك قوى سياسية وقوى دينية لها ثقلها في المجتمع الشيعي ورأيها المحترم ولكن ليس هناك ممثل واحد ووحيد للشيعة.

* انت تعرف ان المرجعية الشيعية لا تتدخل في الغالب بالشأن السياسي واهتمامها منصب بالحوزة العلمية، كيف تفسر اصرار آية الله علي السيستاني على التدخل في موضوع قانون الدولة ومن ثم مخاطبته للامم المتحدة وموضوع الانتخابات؟

ـ اولا علينا ان نحمد الله ونشكره لان هذه الاحداث الخطيرة التي مرت وتمر بالعراق في زمن مرجعية آية الله السيستاني، وهو رجل عدا كونه من كبار الفقهاء فهو حكيم من الطراز الاول، موسوعي المعرفة، متبصر. والسيد السيستاني لا يتدخل في الشؤون السياسية ولكن للمرجع الديني الحق بالتدخل في الشؤون العامة، أي ما يهم شأن البلاد ككل وليس لديه ناطق رسمي وهذا اشكال كبير وقع فيه الاعلامان العربي والعالمي. السيد السيستاني له ممثلون شرعيون فقط يتحدثون في مواضيع الفقه، اما ممثل او ناطق اعلامي او سياسي فلا وجود له وليس له ناطق سياسي على الاطلاق. كل واحد من ممثلي السيد السيستاني يتحدث برأيه الخاص وهذا من حقه لكن ان ينسب آراءه للسيد السيستاني فهذا ممنوع ومرفوض وقد اصدر السيد السيستاني بيان حول ذلك، مؤكدا ان ليس لديه ناطق رسمي ولم يخول احدا للحديث باسمه.

* هناك اعضاء في مجلس الحكم يتحدثون باسم السيد السيستاني تحت تسمية «مقرب من المرجع الديني»؟

ـ هؤلاء يتحدثون باسمهم، اما ان يحاولوا التحدث باسم السيد السيستاني فهذا تمويه اعلامي، واقول عن يقين ان مثل هذا التصرف مرفوض وهذا استغلال للمرجعية. السيد ليس لديه حزب او كوادر سياسية او ناطق باسمه يدافع عن وجهة نظره، ثم ان السيد السيستاني نادرا ما يلتقي احدا وأغلب اللقاءات تتم مع نجله السيد محمد رضا، اما ان يقال فلان مقرب وآخر غير مقرب فهذا كلام للاعلام فقط، وآراء السيد تصدر على شكل بيانات عن مكتبه او بيان صادر باسمه ويحمل ختمه او توقيعه.

* ما رأيك في أداء ما يسمى بالكتلة الشيعية او بالشيعة الاعضاء في مجلس الحكم؟

ـ استبعد ان تكون قد تبلورت ما يسمى بالكتلة الشيعية في مجلس الحكم، قد تكون تبلورت على صفحات الجرائد وفي الاعلام فهناك تباين بيبن اداء ومواقف حزب الدعوة والمجلس الاعلى للثورة الاسلامية مثلا او عن السيد بحر العلوم او غيرهم من الشيعة، نعم قد يتفقون على بعض المواقف وهذا لا يعني انهم شكلوا كتلة موحدة ، ثم انه ليس هناك تطلعات خاصة بالشيعة فهذه بالغت بها وسائل الاعلام، تطلعات الشيعي من كربلاء لا تختلف عن تطلعات السني الذي من الموصل. الفرد العراقي اليوم بحاجة الى ماء وكهرباء وأمان وسكن مريح له ولعائلته وان يضمن حياة كريمة لابنائه وهذه ذات تطلعات اي عراقي سواء كان مسلما او مسيحيا، كرديا ام عربيا. ليس هناك كتلة شيعية. هناك بعض المواقف التي تفرضها اللحظة الآنية بل ان هناك غيابا لاسترتيجية واضحة بين الاعضاء الشيعة في المجلس.

* ما هو تقييمك لاداء الاعضاء الشيعة في مجلس الحكم؟

ـ بعض اعضاء المجلس من السنة والشيعة متميز ولكن المجلس كمجلس لم يبلور موقفا وطنيا واحدا حتى الان ولم يتخذ قرارات واضحة.

* وماذا عن قانون ادارة الدولة المؤقت؟

ـ بالرغم من انه كتب في فترة زمنية قصيرة وفي مثل هذه الظروف فانني اتصور انه كتبت له فرصة كبيرة من النجاح والنضج، قد يكون هناك اشكال قانوني اكاديمي وفني لكنه لم يكن اشكال سياسي وهو يتعلق بالفقرة (ج) من المادة (61) التي ستسبب اشكالية عدم الثبات على دستور دائم. وما أثاره السيد السيستاني من تحفظات كانت فنية بحته لا سيما انه رجل فقه، والتحفظات التي اثارها هي فنية بحتة وليست سياسية ولكن يمكن ان تستغل سياسيا كما قد استغلت من قبل الكتلة الشيعية واعتراضاتها.

* كيف تفسر موافقة الكتلة الشيعية في المجلس على القانون ومن ثم اصدار بيان تحفظهم عليه وتحريض الشارع الشيعي بالخروج في مظاهرات ضد القانون؟

ـ اتصور ان الامر لحفظ ماء الوجه، والا فهم وقعوا وانتهت المسألة، ولا داعي لخروج المظاهرات في وقت ان الشعب بحاجة الى الهدوء والتفكير بامور اخرى. ووجهة نظري انه للاسف ان من كتب القانون هم السياسيون، والمفروض ان يكون الفلاسفة والمفكرون العراقيون هم من يكتب الدستور، ولكن اصحاب الصوت المسموع اليوم هم السياسيون واصحاب الاحزاب، اما الاكاديميون من اساتذة الجامعة والمفكرين والفلاسفة وعلماء الدين الكبار فلم يؤخذ رأيهم. * هل تتوقع قيام حكومة اسلامية في العراق؟

ـ ابدا. شعبنا متنوع دينيا ومذهبيا وقوميا، والطبقة المتعلمة والمثقفة في العراق كبيرة وواسعة جدا، ثم انه ليس هناك تأزم ديني او مذهبي، نحن نختلف عن كل دول العالم الاسلامي، السنة والشيعة موجودون في كل المدن العراقية وليس هناك عبر التاريخ وحتى اليوم تأزم مذهبي او ديني وبالتالي فان الروح المتسامحة لا تؤدي الى انفعالات وقيام حكم اسلامي. اظن ان القادم هو حكم ليبرالي في العراق من نمط عدنان الباجه جي مثلا، ناس ليبراليين سياسيين اكفاء سواء كانوا من جذور عربية او كردية او تركمانية، سنية او شيعية فذلك ليس مهما.

* ما هي نشاطاتك السياسية في العراق الان؟

ـ نحن بصدد تشكيل تجمع ليبرالي وطني يضم شخصيات عراقية فكرية وثقافية من المسلمين والمسيحيين والاكراد والصابئة واليزيديين ومن كل الاطياف العراقية الوطنية، وحتى الان هناك 85 شخصية نلتقي لنتحاور بهدوء من اجل بلورة افكارنا ومشاريعنا وحتى اليوم لم نختر اسما لهذا التجمع الذي يهدف الى خدمة العراق.

* كيف تفسر التدخل الخارجي في الشأن العراقي؟

ـ الدول المحيطة بالعراق لها اطماع فيه او مخاوف منه. هناك تركيا وايران وسورية وغيرها، ونصيحتي لهذه الدول ان لا يعبثوا ولا يتدخلوا في شؤوننا الداخلية لان لذلك مردودات سلبية جدا على استقرار دولهم كما حدث في سورية، وفي توقعي ان القادم في سورية أسوأ بكثير، الى جانب بداية التحرك الكردي فان الاخوان المسلمين سيكون لهم دور كبير للعمل داخل سورية انطلاقا من الاراضي العراقية وانا اعني ما اقول.

 
ارسل هذا المقال بالبريد الالكترونى   اطبع هذا المقال