الثلاثـاء 21 ربيـع الاول 1425 هـ 11 مايو 2004 العدد 9296
ارسل هذا المقال بالبريد الالكترونى   اطبع هذا المقال  
 

علاء بشير: صدام اقتلع عيني وزير الصحة قبل أن يقتله بثلاث رصاصات

الطبيب الخاص بالرئيس العراقي المخلوع: عدي كان يكرهني جدا وطلب مني أن أشتم القيادة العراقية في صحيفته

حاوره في لندن: معد فياض
قدم الدكتور علاء بشير الطبيب الخاص للرئيس العراقي المخلوع تفاصيل لم يكشف النقاب عنها من قبل عن بشاعة عملية قتل وزير الصحة الاسبق الدكتور رياض حسين التي يبدو ان صدام نفذها بنفسه.

ويصف بشير في الجزء الثاني من الحوار مع «الشرق الأوسط» الشخصيات التي كانت تحيط بالرئيس العراقي السابق والتي كان صدام يسميهم بـ«الشياطين»، كما يتحدث عن اصابة عدي ومدى كراهيته للدكتور بشير بالرغم انه كان هو من اجرى له عدة عمليات جراحية بعد تعرضه للاصابة في محاولة الاغتيال.

وفي ما يلي الجزء الثاني والأخير من الحوار:

* هل زرت الدكتور رياض حسين، وزير الصحة الاسبق، في سجنه؟

ـ كلا لم يسمح بزيارته الا انني كنت ازور عائلته وذات يوم اخبرتني زوجته بأنها تسلمت منه قصاصة ورقية قرأتها انا بنفسي وكانت بالفعل قصاصة ورقية صغيرة وكتب فيها «انا بريء ولم اقترف اي ذنب وسيتم اطلاق سراحي اليوم حسب تبليغهم الا انهم اخبروني بأن الرئيس يريد مقابلتي واحتمال ان اعود للبيت بعد مقابلة الرئيس» فقد كان صدام قد أرسل بطلبه.

* وهل كان صدام قد بعث اليه ليعدمه بنفسه مثلما تناقلت الاخبار؟

ـ انا لا أعرف من نفذ فيه الاعدام او من اقدم على قتله لكنني مرة سألت برزان التكريتي عن سبب اعدام الدكتور رياض فقال لي بالحرف الواحد «ان أكبر كارثة اقترفها صدام هي قتله الدكتور رياض كون فقدانه يشكل خسارة كبيرة للعراق». ولم يخبرني عن طريقة اعدامه وجميع المؤشرات كانت تؤكد أن صدام هو من قتل وزير الصحة بنفسه.

* هل تم قتله رميا بالرصاص او تم تعذيبه قبل قتله؟

ـ تم السماح لشقيقه وصديقه الدكتور غازي الهبش فقط بتسلم جثته من الطب العدلي ودفنه مباشرة من غير اقامة مجلس عزاء له، وقد أخبرني شقيقه فيما بعد بأن ساعده الأيسر مكسور وفكه الأيسر مكسور ايضا وعيناه مقلوعتان ومصاب بثلاث رصاصات واحدة في صدره وأخرى في مثانته والثالثة في ساقه وكل هذا جرى في يوم واحد هو اليوم الذي تم تبليغه بإطلاق سراحه بعد مقابلة صدام وهذا على ما يبدو ما جرى خلال المقابلة.

* ما هي الاحاديث التي كانت تدور بينكما، انت وصدام، هل كان يتحدث عن السياسة او الوضع في العراق؟

ـ كان يتحدث عن الفن ونادرا ما تحدث عن الطب وأنا كنت أتحاشى ابداء رأيي في القضايا العامة وخاصة ما يتعلق في مشاكل وزارتي الصحة والتعليم العالي لأنني كنت اعرف سأسبب مشكلة كبيرة لهاتين الوزارتين لأنه كان هناك فساد كبير في كل الوزارات وليس في هاتين الوزارتين فقط، لكنني كنت اتحدث عن مركز الجراحة التقويمية عندما يسألني عنه وأطلب بعض المستلزمات وكان يدعم هذا المركز بقوة بسبب ان مستشفى الواسطي قدم خدمات كبيرة جدا في هذا الاختصاص منذ الحرب العراقية ـ الايرانية.

* وماذا كان يقول عن الفن مثلا؟

ـ مرة كنت اتحدث مع امين بغداد السابق خالد الجنابي عن النصب والتماثيل في بغداد وقلت له كلها قبيحة وساذجة وجعلت من بغداد قبيحة وقبل هذه النصب كانت بغداد جميلة، فسأل وكيف نجعلها جميلة فقلت له أرفعوا النصب والتماثيل التي وضعتموها، فسكت ولم يجب.

وذات يوم كان أمين بغداد موجودا في مستشفى ابن سينا وحضر صدام فنقل الجنابي وجهة نظري له امامي وقال له «سيدي الدكتور علاء يقول بغداد صارت قبيحة واقترح ان نرفع جميع النصب التي وضعناها» فقال له صدام «عليكم ان تأخذوا كلام الدكتور علاء بصورة جدية». بعد سنوات سألني ذات السؤال عن النصب فقلت له أخشى أن أزعجك برأيي، فقال لماذا؟ قلت ربما رأيي مخالف لرأيكم، فقال قل لي رأيك وأجبته بنفس ما قلته لأمين بغداد في السابق فانزعج وقال لي «لماذا تقول ذلك» قلت له، هناك شاعر فرنسي اسمه بودلير يقول لا يكتب لأي عمل فني النجاح اذا لم تكن فيه حصة للاجيال المقبلة ونحن اعمالنا ليس فيها هذه الميزة كونها تخص هذا العصر وهذا الجيل فقط وتخص مواضيع محدودة في حياة الانسان وليس فيها ما يخص المستقبل، لنأخذ موضوع الحرب مثلا، أي عمل يتناول هذا الموضوع سيضع جنديا او الجيش والحرب تعني الموت ولا تعني الحياة والجيل المقبل يريد ان يرى الحياة وأن يفكر في المستقبل وليس في الماضي، فصمت ولم يجب.

* هل كان صدام مصابا بالسرطان فعلا؟

ـ لا، الذي اعرفه ان حالته الصحية جيدة ما عدا أنه كان يشكو من آلام في ظهره منذ زمن طويل وفي السنتين الاخيرتين كان يشكو من آلام في قدميه، اضافة الى انه يشكو من ضغط في الدم وكان يحرص على عدم تناول اية أدوية قدر المستطاع، كما انه لم يكن يثق في الأطباء فإذا شخص له الطبيب حالته الصحية ووصف له الدواء يطلب أطباء آخرين ليتأكد من تشخيص الطبيب الاول ووصفته الطبية.

* كم ساعة كان صدام ينام خلال اليوم؟

ـ صدام لا ينام كثيرا وفي الفترة الاخيرة كان يلهو بكتابة الروايات، إذ ألف اربع روايات هي: زبيبة والملك، والقلعة الحصينة، ورجال ومدينة، وقد تم نشر هذه الروايات حيث يتحدث في «رجال ومدينة» عن حياته، أما روايته الرابعة، وهي الاخيرة «أخرج منها ايها الملعون» فقد كانت مهيأة للطبع على مكتب وزير الثقافة، وحملت أمر الوزير بطباعتها بتاريخ 13 مارس (آذار) 2003 لكنها لم تطبع بسبب الحرب.

* هل كان صدام متزوجا من امرأة أخرى غير ساجدة وله ولد اسمه علي؟

ـ نعم صدام كان متزوجا من سميرة الشابندر لكن ليس له اي اولاد عدا عدي وقصي، وليس له من سميرة أو غيرها اي ولد، ويقال انه تزوج بامرأة أخرى هي نضال الحمداني ثم تركها.

* هل كان يأخذ عقاقير منشطة جنسيا مثل الـ(فياغرا)؟

ـ لا أعتقد لأنه ببساطة ومثلما أخبرتك كان يتحاشى أخذ الادوية قدر الإمكان.

* هل كان يثق بقصي أكثر مما يثق بعدي؟

ـ لم يكن يثق بأي شخص، لا قصي ولا عدي وأكبر دليل على ذلك هو عند سقوط النظام واختفائه لم يبلغ احدا ولم يأخذ معه اي شخص ولا حتى مرافقه وسكرتيره عبد حمود، تركهم جميعا واختفى وأعتقد انه لم يكن أحد يعرف اين اختفى أو اتصل به أحد من ابنائه طوال فترة اختفائه.

* هل كان يعتقد بأن نظامه سيستمر رغم الظروف الاخيرة التي سبقت الحرب؟

ـ اعتقد ان صدام كشخص وربما زوجته ساجدة خير الله كانا يتوقعان النتائج المقبلة. وأنا متأكد أنه كان يعرف ما سيجري له لكنه شخص مكابر، وكان دائما يردد بأن الانسان يجب ان لا يشكو ويظهر ضعفه بل عليه ان يبدو قويا حتى لو كان ضعيفا حتى ينهار تماما، وكان يقول «انا احيانا اتخذ قرارا مهما واستراتيجيا واعرف انه خطأ لكنني في ذلك الوقت يجب ان اتخذ هذا القرار رغم معرفتي بنتائجه الخطيرة».

* هل كان له أصدقاء، يقرأ، يسمع موسيقى، يشاهد التلفزيون؟

ـ كنت اقابله دائما وحيدا، لا أعتقد انه كان له أصدقاء، وكان يقرأ كثيرا خاصة الكتب التاريخية، ولا أعرف ان كان يسمع موسيقى ام لا لكنه لم يكن يتابع التلفزيون باستمرار، وذات مرة اخبرني مرافقه السابق أرشد ياسين بأن صدام كان قد شاهد مقابلة تلفزيونية اجريت معي، وقال انه استغرب ان يشاهد الرئيس المقابلة كلها لأنه لا يتابع التلفزيون دائما. ومرة زرته لعلاجه وكان يقرأ كتابا عن تاريخ العراق الحديث فطلب مني الانتظار حتى ينتهي من قراءة الصفحة، بعدها سألني عن نوري السعيد فقلت له مرة انا رميت الحجر على سيارة نوري السعيد عندما كنت طالبا في الاعدادية المركزية وأنا اليوم نادم جدا على فعلتي هذه، فقال لو عاد التاريخ نفسه وقابلت نوري السعيد لأنصفته.

* هل كان يثق بأعضاء القيادة؟

ـ كلا على الاطلاق وكان يصفهم بأنهم ملوثون اداريا، مرة قال لي انه يأتي بعناصر جديدة وشابة من الحزب ليطعم بهم القيادة ويهيئهم لتسلم مناصب قيادية في الدولة «ولكنني سرعان ما أكتشف انهم ارتدوا ثياب من قبلهم وصاروا مثلهم».

* ألم يكن يعرف بأن الناس تتحدث عنه، لا يحبونه؟

ـ لا. كان محاطا بأشخاص كذابين لا ينقلون اليه الحقيقة ويحاولون ابعاد المخلصين له. في دهاليز القصر كانت هناك مؤامرات ودسائس يشارك فيها مرافقوه وحتى نجله قصي وجمال زوج ابنته الصغرى حلا. كانوا يبعدون عنه المخلصين له ولا ينقلون له كل الحقائق ويمنعون العديد من الشخصيات من مقابلته، وصدام شعر بذلك وأمر بإخراج مدير شؤون المواطنين في الرئاسة وعين الدكتور عدنان الناصري، وهو تكريتي وقريب لصدام وكان مقيما لـ16 سنة في فرنسا وعينه مديرا لشؤون المواطنين وجعل ارتباطه الوظيفي به شخصيا بدل ان يرتبط بسكرتيره عبد حمود حتى يكون على اطلاع بكل شيء، لكن الكثير من المؤامرات حيكت ضد الناصري ففصله صدام وأبعده عنه مع انه كان كفوءا وأستاذا جامعيا، لكن هذا لا يعفي صدام حسين من الجرائم التي كانت تقترف في عهده وقد أوردت قصة وزير الصحة الدكتور رياض حسين كمثال على ذلك، نظام صدام كان فاسدا وإجراميا وديكتاتوريا وقاسيا.

* هل كان صدام مؤمنا بأن العراقيين يحبونه؟

ـ نعم كان مؤمنا جدا بان جميع العراقيين يحبونه لهذا اصيب بصدمة عنيفة عندما قامت انتفاضة 1991 ضده.

* انت أشرفت على العملية الجراحية التي أجريت لعدي إثر محاولة اغتياله نهاية 1996، هل كانت اصابته خطيرة؟

ـ كانت اصابته قاتلة.

* هل حقا أصيب بعجز جنسي نتيجة محاولة الاغتيال؟

ـ كلا لم يصب بعجز جنسي لأن الاصابة كانت بعيدة عن الجهاز التناسلي

* وكيف تم إنقاذه؟

ـ أنا مؤمن بالله سبحانه وتعالى، والله يعطينا دروسا وحكما وعلينا ان نتعلم من هذه الدروس، ونتيجة إصابة عدي كان يجب ان يموت ولكن الله ابقى على حياته حتى يتعذب. لقد اصاب عدي عمه وطبان (أخو والده غير الشقيق) بالرصاص نفس الاصابة التي اصيب بها هو في ما بعد، نفس الاصابة وفي نفس الموقع من ساقه.

* هل كان عدي يعرف ذلك؟

ـ عدي سألني بنفسه ذات يوم عندما كان راقدا في مستشفى ابن سينا حيث أمر مرافقيه بالخروج من الغرفة لنبقى وحدنا ثم طلب مني وصف إصابة عمه التي تسبب بها هو عندما أطلق النار على عمه، كوني كنت الطبيب المعالج لوطبان وسألني هل ان الاصابة في ذات الساق التي هو(عدي) اصيب بها، فقلت له نعم، ثم قلت له انها نفس مواصفات اصابتك بالضبط، وهذه هي الحقيقة، فقال «يا سبحان الله، هذا انتقام الرب مني»، لكن إصابة عدي كانت بليغة.. بليغة جدا.

* هل لك ان تصف لنا الاصابة بالضبط؟

ـ بالاضافة الى اصابته المعقدة في عظم ساقه الأيسر حيث كان هناك فقدان لجزء من العظم، كان قد أصيب بالرصاص في صدره، والرصاص خرج من بطنه، وكانت رئته قد جرحت وتسبب ذلك بنزيف قوي في الرئة.

* من كان أول زائر لعدي في المستشفى؟

ـ شقيقه قصي ثم جاء والده ومرافقه عبد حمود وفريق حمايته.

* ماذا كانت ردة فعل والده؟

ـ كان قصي قريبا من صالة العمليات، وكنا قد انتهينا توا من اجراء العمليات الجراحية لعدي حيث كنت أغسل يدي في صالة العمليات عندما حضر صدام، ذهب اليه قصي وقبل يده، ثم سأله والده «ما هي مشكلة أخوك»، فقال له قصي «سيدي كان عدي صائما، كونه يصوم كل يوم خميس وذهب الى المنصور وفي وقت الفطور اراد شراء سندويتش ليفطر به فأرسل مرافقه علي الساهر ليشتري له السندويشة فهجموا عليه». طبعا كل هذا الكلام كذب فقد كان عدي في المنصور لمطاردة فتاة وبعث اليها مرافقه علي الساهر ليعطيها كارت يحمل رقم هاتف عدي ثم تعرض أثناء ذلك للهجوم وعلي هو من أنقذه، ثم سأل صدام نجله قصي «هل علي الساهر موجود هنا؟»، فأجابه قصي «نعم سيدي انه هنا» فطلب صدام مقابلته. ثم قال «أريد رؤية عدي».

* هل كان عدي ما يزال في صالة العمليات؟

ـ نعم، وقد خشيت على والده منظر ابنه الصعب، كانت ساقه مهشمة وصدره وبطنه يحملان آثار الجراح وكان تحت التخدير العام، بل فاقدا للوعي نتيجة الاصابة، وكل جسده ووجهه والسرير والأرض مغطاة بالدم، كان منظرا مفزعا يصيب اي شخص بالصدمة او فقدان الوعي، لكننا فوجئنا بدخول صدام الى صالة العمليات، نظر الى ابنه بكل هدوء ورباطة جأش، ولو كان أي انسان آخر ومهما كانت قوته وشاهد ابنه في مثل ذلك المنظر لبكى او لفقد اعصابه أو وعيه، لكن صدام لم يهتز وقتها بل دار حول ابنه وقال له بالرغم من معرفته انه فاقد للوعي ولا يسمع «يا ابني ان مثل هذه الاشياء قابلة للحدوث وهي متوقعة للرجال لكننا على حق وهم على باطل» ثم قبله على جبهته وخرج ولا أدري من كان يقصد بـ«هم». ثم التقى نجله قصي وقال له «ابني. هذه الامور تحدث للرجال عدي يصاب برصاصة او يجرح بسكين هذه أمور عادية لكنكم يجب ان تهيئوا انفسكم لليوم الأسوأ» ثم خرج.

* كيف كانت علاقتك مع عدي صدام حسين؟

ـ عدي كان يكرهني كثيرا وحاول الاساءة الي وسبب لي الكثير من المشاكل لكن اهتمام والده بي كان رادعا أمامه.

* هل كان يعرف رأي صدام فيك؟

ـ نعم، أكثر من مرة قال له ولشقيقه قصي بأنه معجب وفخور بي و«أتمنى لو كان في العراق شخصيات مثل الدكتور علاء بشير» وكان يردد ذلك ايضا في اجتماعات القيادة العراقية بل وحتى خلال الاحاديث التلفزيونية حين قال ذات مرة «ان الدكتور علاء هو أكبر هدية للعراق» وكان ذلك سبب كراهية المحيطين بصدام لي وخاصة نجله عدي.

* ما هو سبب اعجابه هذا حسب رأيك؟

ـ أعتقد لأنني لم أكذب عليه طوال حياتي، وكنت أجيبه عن كل الاسئلة بصراحة حتى لو أعرف انها لا تتفق مع آرائه لأنني كنت ادرك انه ليس هناك ما اخسره او اربحه فلماذا أكذب عليه، وكان يعرف انني لا اجيد المجاملة والتقرب من الآخرين وكل ما يهمني هو عملي سواء كطبيب او كفنان، ثم اني لم اطلب منه اي شيء طوال فترة عملي معه. لم اطلب سواء لي او لعائلتي لأنني لست بحاجة لشيء فقد رزقني الله تعالى وأنا ناجح في حياتي ومع عائلتي ولم اكن بحاجته، غير هذا لم أكن اتحدث عن الآخرين بسوء امامه وحتى لو سألني عن اشخاص يعرف انهم يكرهونني لكنني كنت اتحدث عنهم بصورة ايجابية، فمثلا سألني مرة عن وزيري التعليم العالي والصحة فقلت له انهما يقدمان افضل ما عندهما من جهود في هذه الظروف الصعبة، فنظر الي وصمت وأدرك أنني لا اريد ان اتحدث بسوء عنهما رغم معرفته هو بهما.

* كيف أظهر عدي كراهيته لك؟

ـ مرة نشر صفحة كاملة في جريدته «بابل» كلها شتائم رخيصة ضدي، وأضاف لهذه الصفحة عمودا كتبه هو ايضا يتضمن شتائم وتهما تافهة.

* مع أنك ساعدته في اصابته؟

ـ هذا غير مهم بالنسبة لعدي، ثم اني وضعت خطا أحمر بيني وبينه وبين بقية المسؤولين وكانت علاقتي بهم تتلخص بعلاقة طبيب مع مريضه ليس أكثر، فمثلا لم الب اية دعوة اجتماعية دعوني اليها وغالبا ما كنت أرد بأنني مشغول ولا وقت عندي لحضور هذه الدعوات.

* ألم تلتق عدي في مناسبة خارج إطار العلاقة بين طبيب ومريض؟

ـ ذات مرة بعث علي صباحا الى مكتبه وذهبت لمقابلته فاستقبلني باحترام كبير جعلني اشك في نواياه ثم امتدحني، وكانت هذه هي المرة الاولى التي يمتدحني فيها واستغربت من ذلك، ثم قال لي ان هناك موضوعا مهما جدا نريدك ان تساعد فيه البلد والعراقيين والقيادة، فسألته عن هذا الموضوع لأعرف فيما اذا كنت سأستطيع المساعدة ام لا. فقال «لقد قررت ان انشر لك صورة كبيرة جدا بحجم صورة والدي على الصفحة الاولى في جريدة بابل». فسألته عن المناسبة فقال «نريدك ان تكتب مقالات في الجريدة»، فسألت عن موضوع هذه المقالات فقال «مقالات تشتم فيها أعضاء في القيادة ووزراء تكتب ضدهم» ضحكت وقلت له: لكنني لا أعرف أكتب مقالات، فقال«لكنك تتحدث جيدا في المقابلات التلفزيونية والصحافية»، أجبته بأنني اجيب عن أسئلة من يقابلني وهذا كل ما في الموضوع، قال «اذن نحن نهيئ لك المواد التي نريدك ان تكتب عنها او نحن نكتب نيابة عنك ونضع اسمك على المقالات والمهم ان نضع اسمك على هذه المقالات وفي ذلك خدمة كبيرة للبلد» فطلبت منه ان يعفيني من هذه المهمة وقلت له: لماذا اشتم وأهاجم أعضاء القيادة؟ انا لا علاقة لي بهم، علاقتي مع وزير التعليم العالي كوني استاذا جامعيا في كلية الطب ومع وزير الصحة كوني طبيبا. انا قادر على الحديث معهما وحتى مهاجمتهما وجها لوجه لو تطلب الامر ذلك لأنني لا أخشاهما فلماذا اشتمهما على صفحات الجريدة؟ وهنا قال لي «يعني انت ترفض هذا العرض» فقلت له طبعا لأنها ليست مهمتي شتم اعضاء في القيادة، وهكذا خرجت.

* وهل انتهى الأمر هكذا؟

ـ لا طبعا. ظهرت صحيفة «بابل» في اليوم التالي وهي تحمل صفحة كاملة كلها شتائم وتهم رخيصة ضدي، تصور صفحة كاملة في جريدة كلها شتائم وفي الصفحة المقابلة نشر رأي جريدة «بابل» في علاء بشير وأيضا تضمن هذا الرأي شتائم اضافية وفي صباح ذات اليوم أغلقت جريدة «بابل» ثم اتصل بي وزير الاعلام وكان حامد يوسف حمادي وأخبرني بأن هناك أمرا، من غير ان يخبرني من هذا الامر وكان واضحا انه من الرئيس، بأن ترد على ما كتب في صحيفة «بابل» بأية وسيلة إعلامية أريد سواء عبر التلفزيون او الاذاعة أو الصحافة المكتوبة، فقلت له انني لم أقرأ الجريدة ومشغول في عملي، وبالفعل لم أكن قد قرأتها وقتذاك ثم قرأتها فيما بعد لأجد ان ما كتب كان مجرد شتائم رخيصة ومزعجة. اتصلت بوزير الاعلام وقلت له ان ما نشر لا يستحق الرد وأنا ارد على كلام أو آراء فعلا تستحق الرد وليس على كلام تافه، فاخبرني بأن هناك أمرا ويجب ان أرد، فأبلغته بأنني لا أرد على مثل هذا الكلام وانتهى الموضوع.

* ألم تكن تخشى عدي؟

ـ عدي مخيف لأنه غير متزن ولا يهمه أحد وغالبا ما هاجم القيادة ولم يقف بوجهه أحد لهذا كنت اتجنبه ولا أقترب منه. ومثلما قلت ان ما كان يردعه هو معرفته لموقف والده مني.

* وماذا عن قصي؟

ـ قصي في الظاهر هادئ ومؤدب ولا يتصرف مثل شقيقه عدي.

* وماذا عن المحيطين بصدام، أعني مرافقيه وحمايته، كيف كانت علاقتك بهم؟

ـ كانوا يكرهونني ايضا، وخاصة سكرتيره عبد حمود. ومرة قال لي صدام ان «الشياطين لا يحبونك» ويقصد بهم فريق حمايته ومرافقيه حيث كان يسميهم «الشياطين»، فقلت له هذا من حقهم لأنني لا اعرف كيف أجامل الآخرين ولا أجيد التقرب منهم، ذلك لأنني منذ سنوات طويلة فتشت عن الحد الفاصل بين المجاملة والنفاق فلم اجد هذا الحد، ثم انني اقسمت على نفسي منذ صغري الا أكذب لأنني لست بحاجة الى الكذب، وفريق الحماية والمرافقين محقون في عدم محبتهم لي لأنني لا أجاملهم ولا اتقرب منهم، والذي استطيع عمله هو ان احترم من هم أكبر مني سنا وأساعد الأصغر سنا واحترم من هم في سني وأتعاون معهم، فقال لي: انت صحيح.

* بعد كل هذه السنوات التي امضيتها مع صدام كطبيبه الخاص هل كنت تتوقع له هذا المصير، اعني بوضوح عندما تم القاء القبض عليه؟

ـ لم أكن اتصور ان يصل صدام الى هذه الصورة، كنت اتوقع ان يقاتل او ينتحر على الأقل ولا يستسلم بهذه الطريقة المهينة، لكننا لو تمعنا في معرفته جيدا فسوف نعرف انه يحب نفسه بعمق ويخشى جدا على حياته.

* وماذا تتوقع له؟

ـ صدام انتهى.. هو ونظامه ماتا، سواء تمت محاكمته او مات قبل ذلك او اي شيء، المهم انه انتهى مع نظامه وصار جزءا من تاريخ أسود. علينا اليوم ان نفكر في الغد وكيف نبني العراق وكيف تسود المحبة والتسامح بدلا من الكراهية والعدوانية لتأسيس نظام ديمقراطي في بلدنا. علينا ان نغسل وجوهنا جيدا ونراها نظيفة في المرآة قبل ان يشير الآخرون الى ما تحمله وجوهنا من أوساخ. وعلينا ان نشخص امراضنا لنشفى منها، وأخطر مرض نعاني منه اليوم هو الكراهية والحقد، وبدون ذلك فلن يكون هناك عراق جديد.

 
ارسل هذا المقال بالبريد الالكترونى   اطبع هذا المقال