الاثنيـن 12 ذو الحجـة 1425 هـ 24 يناير 2005 العدد 9554
ارسل هذا المقال بالبريد الالكترونى   اطبع هذا المقال  
 

دراسة: 45 مليار دولار خسائر مصر من هجرة العقول والكفاءات في 50 عاما

العوامل الاقتصادية والبيروقراطية والطموح العلمي من أهم الأسباب

القاهرة: ضاحي عثمان
حذرت دراسة علمية مصرية من استمرار النزيف والهجرات الدائمة للعقول والكفاءات في جميع المجالات إلى دول الاتحاد الأوروبي وأميركا وكندا واستراليا، وكشفت وجود 720 ألف مهاجر مصري بهذه الدول بينهم 450 ألفا من أصحاب الكفاءات العلمية في المجالات المختلفة.

وأكدت الدراسة أن التقديرات المبدئية لتكاليف المبعوث المصري لنيله درجة الماجستير أو الدكتوراه في جامعات أوروبا أو الولايات المتحدة الأميركية تصل لنحو 100 ألف دولار، وهو الأمر الذي يعني أن هجرة 450 عالما يؤدي إلى خسارة مصر لـ45 مليار دولار، مما يقود إلى إحداث فجوة حقيقية في القدرات المطلوبة للنهوض بالمجتمع، وتنشيط عمليات التنمية. فيما يعترف وزير التعليم العالي والبحث العلمي المصري الدكتور عمرو عزت سلامة لـ«الشرق الأوسط» بخطورة هذه الظاهرة، ويرى أن مشكلة هجرة العقول والكفاءات تعد واحدة من القضايا الرئيسية التي تؤثر سلبا في الارتقاء التقني والاقتصادي، وفي ذات الوقت يرى أنها مشكلة طارئة وحديثة العهد بالنسبة لمصر، مشيرا إلى أن المصريين لم يكونوا تقليديا ولا تاريخيا في عداد الشعوب التي تهاجر إلى خارج نطاقها، رغم أن مصر كانت إلى عهد قريب بلدا يهاجر الناس إليه من أبناء الدول المجاورة، ومن بينها دول أوروبية مطلة على البحر الأبيض المتوسط، أمثال اليونانيين والإيطاليين والأتراك بخلاف الهجرات العربية من سورية ولبنان وفلسطين، وللآن ما زالت مصر ملاذا لأبناء الدول العربية والإسلامية والأفريقية، إلا أن الوزير المصري أكد أن الموقف قد تغير خلال العقود الخمسة الماضية، لعدة أسباب يصعب حصرها، حتى أصبحت عمليات الهجرة من المجتمع المصري سواء كانت دائمة أو مؤقتة، تعد واحدة من أكثر المسائل التي تشغل أذهان شباب خريجي الجامعات والمهنيين من مختلف الأعمار، ويضمون نسبة كبيرة من حملة الماجستير والدكتوراه، والمتخصصين المهنيين ذوي الكفاءات النادرة، الأمر الذي يستحق الرصد والدراسة، وفتح باب المناقشة حول أسباب تزايد هذه الهجرات في الـ50 سنة الأخيرة.

وذكر الوزير المصري انه لا مشكلة مطلقا في الهجرات المؤقتة إلى البلدان العربية والإسلامية لأنها تؤدي وظيفة قومية ووطنية، وهم بمثابة سفراء لمصر في الدول الشقيقة التي يعملون بها، ويساهمون في تنمية هذه البلدان، إنما الخسارة الكبرى تتجسد في الهجرة الدائمة التي تمثل جوهر المشكلة، باعتبارها رصيدا مسحوبا من قدرات مصر الاقتصادية، وتعتبر بحق خسارة فادحة لمصر إذا ما قورن حجمها بما أصاب غيرها من الشعوب النامية، مشيرا إلى الظروف التي تؤدي إلى مثل هذه الهجرات في المناخ السائد، ضاربا المثال بأن سجلات مصلحة الجوازات سجلت خلال الأعوام 1967 - 1976 هجرة 32 ألف مهاجر يحملون الماجستير والدكتوراه، الأمر الذي يعني ضرورة اتخاذ وقفة جادة لتحليل أبعاد المناخ السائد الآن والذي مازال يقود إلى استمرار نزيف مصر لعقول وكفاءاتها العلمية وحرمان جهود التنمية في مصر من هذه القدرات والكفاءات.

ومن جانبه أكد رئيس أكاديمية البحث العلمي والتقنية الدكتور فوزي عبد القادر الرفاعي ضرورة توفير المتطلبات الضرورية اللازمة للحفاظ على الكفاءات المصرية، والتمسك ببقائهم لدفع عجلة التقدم في مصر، والعمل قدر المستطاع لتقليل هذه الخسائر، مشيرا إلى وجود عدد من العلماء المصريين بالخارج ذوي تخصصات نادرة ويقدر عددهم بنحو 94 عالما متميزا في مجال الهندسة النووية، و26 عالما في الفيزياء الذرية، و48 في كيمياء البلمرات، و25 في علوم الفلك والفضاء و28 في البيولوجي والميكروبيولوجي و46 في استخدامات الأشعة السيزمية و22 في الجيولوجيا وطبيعة الزلازل و67 في المؤثرات الميكانيكية، و66 في الكباري والسدود و93 في الإلكترونيات والميكروبروسيسور و72 في استخدامات الليزر و31 في تقنيات النسيج، موضحا أن هذه الهجرات لم تمثل ظاهرة أو قضية اجتماعية إلا بعد عام 1967 إذ بدأت تتزايد منذ هذا التاريخ عاما بعد عام، وانه لوحظ بعد عام 73 إن بعض المهاجرين يطلبون العودة والإقامة والاستقرار في مصر، ولكن بعد عام 1975 عادت نسبة الهجرات إلى الارتفاع من جديد، في إشارة إلى التحول الاجتماعي والانفتاحي وما ترتب عليه من ارتفاع في الأسعار وزيادة متطلبات الحياة وحصيلة التراكمات التي أصابت المجتمع المصري نتيجة استنزاف قواه البشرية والاقتصادية خلال الحروب المتتالية التي خاضتها مصر خلال الـ50 سنة الماضية.

ويرى العالم المصري الدكتور فوزي الرفاعي أن مشكلة هجرة العقول والكفاءات المصرية يمكن اعتبارها من المشكلات الطارئة، إذ يمكن أن تزول المشكلة نهائيا بإزالة أسبابها، مشيرا إلى ارتباطها العضوي بالأوضاع الاقتصادية والاجتماعية والسياسية والنفسية السائدة، كما ترتبط بأوضاع البلاد المستقبلة للمهاجرين، الأمر الذي يتطلب جدية التخطيط لعلاج التفاوت في المستوى المعيشي، ونمط الحياة وسهولتها بما في ذلك من مزايا وخدمات متوافرة، لأنه بصراحة فإن الدول التي تستقبل العلماء وتوفر فرصا أفضل للحياة وتتمتع بحرية واستقرار سياسي، انعكس بالطبع على ظروف العمل، وما يتمتع به كل فرد من مستوى حضاري، مادي ومعنوي في وقت واحد، مشيرا إلى أن أكاديمية البحث العلمي والتقنية تتبنى برنامج «توكتن» وهو «المشروع المصري لنقل المعرفة والخبرة عن طريق المواطنين المغتربين» وهو الآلية الوحيدة التي عرفها العالم وتم تنفيذه على نطاق دولي لتمكين البلدان النامية من التواصل مع مواطنيها الذين يقيمون بالدول المتقدمة، وتحويل خسارتهم إلى مكاسب من خلال النقل العكسي للتقنية».

وأكد أن لهذا المشروع موقعاً على الإنترنت يدعو علماء مصر في الخارج للمشاركة في بناء وطنهم وعنوانه www.tokten.og.net وقد أمكن للأكاديمية إفادة مصر من خبرات 400 عالم من أبنائها بالخارج خلال السنوات السابقة، من بينهم 287 عالما يقيمون بأميركا و52 بكندا و19 بألمانيا و13 بإنجلترا و7 بهولندا و6 من السويد ومثلهم من سويسرا و4 من استراليا و2 من النرويج ومثلهما من التشيك وواحد من كل من فرنسا والبرازيل، موضحا أهمية ربط هؤلاء العلماء وغيرهم بالوطن الأم للاستفادة من خبراتهم.

الى ذلك شدد نائب رئيس أكاديمية البحث العلمي والتقنية الدكتور محسن محمود شكري على انه إذا كانت العوامل الاقتصادية من أهم عوامل الجذب والطرد في قضية الهجرة، فانه من الإجحاف أن نرجع هجرة العلماء لعوامل مادية بحتة، لأن منهم من هاجر أساسا لإشباع رغبته في الاستزادة من العلم والمعرفة، وللانطلاق في البحث والابتكار في مناخ علمي بدول المهجر، ولا يتوافر لهم في الوطن الأم، إذ تتمتع هذه الدول بإمكانات علمية أكبر من خلال منظومة متكاملة، تتيح للعلماء التفرغ للإنتاج والبحث، والعمل بروح الفريق وزيادة فرص نشر الأبحاث، ووجود معامل مجهزة تجهيزا حديثا بأجهزة تقنية متطورة، وسهولة الحصول على المراجع والدوريات العلمية والمعلومات وفي المقابل تعاني من ضعف الإمكانات بدءا من الماديات التي تحقق له حياة كريمة.

واضاف ان النظام المجحف للأجور والحوافز والبدلات وقواعد ترقية الباحثين في ظل مناخ قائم على الرفع المستمر في الأسعار، ومعدلات التضخم، مع عدم توافر الخدمات الأساسية أو صعوبة الحصول عليها والغرق في مشكلات البطالة وسوء المرافق العامة وأزمات الإسكان، والجهاز الحكومي البيروقراطي العتيق الذي يتحكم في مقدرات البشر، ويقف في سبيل أي تطور جديد، وهذه التعقيدات ملأت الدنيا من تعقيدات إدارية ومشاكل مالية، وكوادر وظيفية في قوالب مجحفة.

وأكد شكري أنه رغم مساحة هذه المعاناة التي ذهبت بعقول العلماء وغير العلماء على السواء، إلا أن أرض الكنانة ما زالت زاخرة وعامرة بالعديد من أبنائها العلماء الأكفاء الذين فضلوا البقاء وقبلوا التحدي لتنمية وطنهم ودفعه في طريق التقدم والازدهار، وعلى الدولة مسؤولية المحافظة على هؤلاء وأن ترعاهم وتتمسك بهم وتزيل المشاكل والصعاب التي تعوق مسيرتهم وتيسر لهم سبل الابتكار والإبداع والاختراع، وكل ما هو مطلوب أن ترصد له ميزانية محترمة، وأن تكلفهم بمهام قومية لحل مشكلاتها، وقبل كل ذلك أن تعترف بدور العلم في تقدم العالم من حولنا ومن ثم العلماء.

 
ارسل هذا المقال بالبريد الالكترونى   اطبع هذا المقال