الجمعـة 28 ذو الحجـة 1427 هـ 19 يناير 2007 العدد 10279
ارسل هذا المقال بالبريد الالكترونى   اطبع هذا المقال  
 

سلامة العبد الله.. من سيردد بعده «يا علي صحت بالصوت الرفيع»

صانع الأغنية الشعبية في عصر النوتة الموسيقية

جدة: علي مطير
ترك رحيل الفنان السعودي سلامة العبد الله صباح الجمعة الماضية، عن سماء الفن والدنيا بعد معاناة طويلة مع المرض، صدمة كبيرة لدى محبيه وسؤالا مثخنا بجراح الحنين والشجن، من سيغني بعد اليوم: «يا علي صحت بالصوت الرفيع»، خاصة وهو أبرز المطربين الشعبيين في السعودية الذين زاحم بحضوره كبار المطربين وسحب الأضواء عنهم وكان أستاذا لكثير منهم.

وسلامه العبد الله هو أول من أدخل الاغنية الشعبية عصر «النوتة الموسيقية» بعد أن ظلت لعقود رهينة الايقاعات والقوالب التقليدية، لقد أعطى ثلثي عمره للفن ومات عن 60 عاما من اليتم والفقر والنجومية والابتعاد عن الأضواء والعودة القصيرة قبل وفاته في حفل غنائي بمهرجان الدوحة قبل أعوام، كان الشيب والمرض وقتها قد تمكنا منه، فيما لم يكمل وصلته الغنائية بعد أن طفرت من عينيه الدموع وهو يشاهد الفنان السعودي خالد عبد الرحمن ينتهي من وصلته مبكرا لينضم إلى الجمهور ويترك المسرح له اعترافا بدور سلامة العبد الله في تأسيس مدرسة غنائية متفردة في السعودية والخليج.

وسلامة العبد الله الذي ولد في مدينة حائل (شمال السعودية) في عام 1948، متزوج، ولديه ولدان وبنت واحدة، ذاق مرارة اليتم وهو ما يزال في الرابعة من عمره لينتقل إلى مكة المكرمة مع شقيقة والده، وهناك حفظ القرآن الكريم في حلقات المسجد الحرام، قبل أن يتعلم العزف على «السمسية» في أوقات فراغه من عمله الشاق في شركة بن لادن للمقاولات، حيث كان أصغر عامل في المجموعة الضخمة لا يكاد عمره وقتها يتجاوز الثالثة عشرة، حيث حمل الحجارة بيده.

وعندما بلغ التاسعة عشرة من عمره ذهب إلى الرياض لزيارة أمه، حيث كانت تعيش هناك مع زوجها، فطلبت منه العيش معها واستجاب لطلبها مستقرا في الرياض منذ ذلك الحين حتى توفي فيها.

ويروي الشاعر راشد بن جعيثن تجربته مع الفنان سلامة العبد الله في أواخر السبعينات الميلادية بأغنية «لو بغيت أضحك وأسولف مع الناس»، وهي الأغنية التي ذاع صيتها بين الناس وحتى اليوم، بالقول «سلامة غنى لي وقتها دون أن نلتقي كما كان ديدنه في متابعة معظم النصوص التي يتداولها الجمهور ليحولها الى أعمال فنية». ويضيف ابن جعيثن الذي يعد أقدم ملحق شعبي عبر مجلة اليمامة السعودية «سلامة العبد الله كان فنانا ملتزما في حياته الشخصية، كما هو في فنه، وبرز ذلك في الارتقاء بالمفردة الشعبية من إقليميتها وبعض الالفاظ التي كان فنانون شعبيون يحبون استخدامها».

غير ان ابن جعيثن الذي بدا خلال حديثه متأثرا بوفاة العبد الله ـ رحمه الله ـ ترك إرثا كبيرا من الاعمال الخالدة، كما ترك دينا يقترب من المليوني ريال دون أن يشكو وضعه الى أحد من مجالسيه وبينهم وجهاء وشخصيات مرموقة لم تكن تعلم عن وضعه المادي الصعب».

وعرف عن الفتى الحائلي سلامة عبد الله سلامة الشمري، إحساسه المرهف وعزة نفسه التي ارتبطت معه حتى آخر لحظة من حياته، خاصة وهو يطلق عبر حوار منشور بأيام قبل وفاته اعتزاله الغناء، مرجعا السبب إلى كونه «أراد الغناء بكرامة ولكنه فشل».

ولعل مشاركة سلامة العبد الله في مهرجان الجنادرية الوطني للتراث والثقافة وفي أكثر من أوبريت غنائي تعد هي المحطة الأبرز على صعيد ظهوره الرسمي واعتراف صريح بقيمة الفنان الشعبي داخل الدوائر الفنية والثقافية في البلاد. كما أن حضوره الشجي والطاغي منح الفنانين الشعبيين من جديد نافذة على الأضواء والشهرة التي ظلت أبوابها موصدة أمامهم.

ولا يكاد أحد في السعودية والخليج من الماء إلى الماء يتذكر سلامة العبد الله إلا وتأتي رائعته «يا علي صحت بالصوت الرفيع» مترادفة مع حضوره الصوتي وذكائه الفطري في اختيار مشهورة شاعر الجزيرة العربية ابن لعبون، كما أن اختيار سلامة لمفردات أغانيه ظلت سمة تميزه عن أقرانه من الفنانين، ومتسقة في ذلك الوقت مع فترة نجوميته في الستينات والسبعينات الميلادية التي كان المذياع فيها هو وسيلة الظهور الاعلامي الأبرز عند الفنانين.

لقد كان سلامة العبد الله متجاوزا وهو يتعامل مع الأغاني الوصفية بحرفية تامة تراعي جغرافية المفردة وبساطتها ونقلها الحسي عبر شاشة صوته التي شكلت خريطة من الطرب يعرف بها السعوديون أماكن في بلادهم لم يشاهدوها من قبل، بل ويرتبطون بها حسيا ووجدانيا.

وكان سلامة قارئا جيدا لكف الزمان الردئ الذي غيّب موروثات وأعمال فنية رائدة بسبب غياب التدوين وقلة الاهتمام المؤسساتي به ليبادر بإنشاء مؤسسة فنية صغيرة في القاهرة اختار لها اسم «هتاف» تولت توثيق أعماله المتناثرة في حفلات هنا وجلسات سمر هناك، ساهمت في حفظ جزء كبير من تاريخه الفني في المكتبات السمعية لمحبيه وجمهوره الذين يتوارثون محبته وأشرطته جيلا بعد جيل.

وغنى سلامة العبد الله للعديد من الشعراء منهم على سبيل المثال: محمد بن هذال الدوسري، العديد من الأغاني.. من أبرزها: «اسهر الليل وأعد النجوم السواري» و«يابو العيون الكحيلة»، وكذلك للشاعر أحمد الناصر الشايع، أغاني «البارحة يوم العباد رقود» و«هلّ دمعي على خدي نهار الوداع».

ويحسب للفنان الراحل أنه كان صاحب أولويات كثيرة من بينها تنفيذه لأعمال طربية من كلماته وألحانه وغنائه، وهي القصائد التي كان يعتبرها في حينه «مجرد محاولات» فيما كان مقربون منه يرونها الاكثر قربا منه والتصاقا بمشاعره الخاصة وإنسانيته التي كان يفضحها في أحايين كثيرة على قارعة الدمع والغناء، مثل «مل عين جزت والنوم ما جاها»، «سعيد ياهلي قلب المولع»، «يا مسافرين الكويت»، «وداعة الله وسلام»، «يا لطيف الروح روحي في خطر».

وسلامة العبد الله هو من القلائل الذين أعطوا الأغنية الوطنية نفسا عاطفيا، حيث تأتي رائعته «حبيبتي هي ديرتي.. أحبها.. دايم تعيش بخاطري، وأنا أعيش بقلبها» لتهمس تلك الاغنية في حدود الاذن بحدود البلاد ووحدتها، لكن بروح أقرب للهمس العاطفي غير ما اعتاد عليه الناس في الاغاني الوطنية وعلاقتها بالطابع الحماسي، وهو النهج الذي سار على دربه فنانون كثر يمثلون قمة الهرم الغنائي في السعودية في اختيارهم لألحان أغانيهم الوطنية.

وسلامة العبد الله الذي تربع على عرش الأغنية الشعبية لأكثر من 40 عاما، وتوفي في مستشفى الملك فيصل التخصصي في العاصمة السعودية الرياض تحيط به عائلته وقلة من الأوفياء، فارق محبيه فيما تصدح أغنيته الشهيرة «ودعتها وأخفيت عنها دموعي» بوصية غير مكتوبة تتجلى في مقطع آخر «حان الرحيل وحان وقت الفجوعي» ليسكب محبوه دمعا حارا في فراق مطربهم الذي طالما ناب عنهم في بطولة الدمع والحزن واليتم المتجلي في سمو صوته.

ومن حنجرة سلامة العبد الله عرف الناس شعراء كبارا من بينهم النائب السابق في مجلس الامة الكويتي الشاعر طلال السعيد، والشاعر راشد بن جعيثن الذي يعتبر الاب الحقيقي للصحافة الشعبية السعودية، والشاعر الامير سعود بن بندر، وغيرهم من الأسماء.

ويضم أرشيف الراحل سلامة العبد الله الذي انقطع عن الظهور منذ عام 2000، العديد من الأغاني التي علقت في أذهان محبي اللون الشعبي من أمثال ابكي معي، ارجوك جفت دموعي، ارسلت لك يا عزوتي، الا يا الله، الله حسيبك، انا البارحة، انا تل قلبي، انا عيني، انتصر ياس حبي، اهديت لك، تولعت بك، دنياك الخلوة، رشوا على قبري، شارع البطحاء، صبرت اليوم والليلة، قلي يا حلو، لا تشره بعبرة، لا تعتذر، لاتزعلين، لو بغيت اضحك، ما ابيك تفزع، مجبور، مليح القد والقامة، نجوم الملعب، ودعته، وين انت يا ليل، يا عين هلي، يا عين ياللي، يا ناوي بجرحي، يا هلي قلبي، يالله وانت الإله، يا من عليه مدامع.

 
ارسل هذا المقال بالبريد الالكترونى   اطبع هذا المقال