الجمعـة 13 محـرم 1428 هـ 2 فبراير 2007 العدد 10293
ارسل هذا المقال بالبريد الالكترونى   اطبع هذا المقال  
 

مدائن صالح بالسعودية.. نبطية أم ثمودية قبل استثمارها سياحياً

دعوة لإعادة النظر في فتوى كبار العلماء حول تحريم تعميرها

جدة : حليمة مظفر
تثير مدائن صالح الأثرية، التي يزيد عمرها عن 2100 سنة، الواقعة شمال مدينة العلا، في منطقة المدينة المنورة، جدلا لم ينته بين المنادين باستثمارها سياحيا، باعتبارها من المعالم الثرية بالآثار التاريخية القديمة، وبين علماء الدين الذين قالوا انها تعود الى قوم ثمود وانها المكان الذي شهد تعذيب الثموديين الذين كذبوا نبيهم صالح وعقروا الناقة المعجزة، وبالتالي يجب تجنب المنطقة وعدم إعمارها حسب فتاوى دينية.

وتحتوي المنطقة على مجموعة من القصور المنحوتة في الجبال بطريقة هندسية دقيقة يصل طول بعضها إلى 21 متراً، أشهرها قصر الفريد والصانع والبنت وغيرها من الواجهات غير مكتملة النحت، وهي عبارة عن مقابر نبطية، أكدتها الحفريات العلمية والأثرية التي أجريت في المنطقة بشكل ينفي أنها ثمودية.

ويشدد الشيخ عبد المحسن العبيكان، المستشار القضائي في وزارة العدل السعودية، على أهمية الاستغلال السياحي والاقتصادي لهذه المنطقة ذات الآثار الجبلية المنحوتة، والمعروفة بالحجر، وإعادة النظر في فتوى كبار هيئة العلماء حول عدم إحيائها، إذا ما تأكد ذلك من خلال دراسة أثرية وشرعية إلى أنها آثار نبطية وليست ثمودية عائدة لقوم النبي صالح المعذبين. في حين اشار آخرون الى ان منطقة الحجر هي غير معروفة جغرافيا وليس هناك أي تحديد للمكان الذي مرّ به الرسول عليه السلام.

واشتهرت المنطقة بأنها الحِجر التي أشار إليها القرآن الكريم في مواضع أعلن فيها عن عذاب الثموديين بسبب تكذيبهم لنبيهم صالح وعقرهم الناقة المعجزة، بجانب الحديث النبوي المتداول عن الرسول عليه الصلاة والسلام في أمره للصحابة أثناء مروره بالمنطقة متجها إلى غزوة تبوك، بالمرور السريع والبكاء وعدم الأكل والشرب بها لكونها منطقة عذاب.

وكان قد أدى ذلك إلى إصدار فتوى من هيئة كبار العلماء في السعودية عام 1972، إلى عدم إحياء المنطقة والسكن بها، على أنها آثار قوم النبي صالح وأنها منطقة عذاب، استنادا إلى اجتهادات المفسرين للأحاديث النبوية، من دون الرجوع إلى علماء الآثار أو ما توصلوا إليه من نتائج في المنطقة وبالتالي تعطيل الاستفادة منها سياحيا أو اقتصاديا.

وقد أوضح الشيخ العبيكان لـ«الشرق الأوسط» تعجبه من كون هذه الواجهات الجبلية المنحوتة عبارة عن مقابر، وقال «كنت قد شاهدت برنامجا تلفزيونيا أفاد بأن هذه الآثار عبارة عن مدافن ومقابر عائدة إلى الأنباط وليست بيوتا للسكنى، الأمر الذي جعلني أفكر، كيف ستكون عائدة للثموديين الذين نحتوا من الجبال بيوتا فارهة ليسكنوها كما صرح بذلك القرآن الكريم».

ولهذا وجد العبيكان أن من الأهمية أن تدرس المنطقة تاريخيا وشرعيا، وقال «ينبغي تكوين لجنة تتكون من علماء ومختصين في الآثار وعلماء شرعيين يعملون على دراسة المنطقة دراسة شرعية أثرية والوصول إلى حقيقة هويتها التاريخية» وذلك لأهميتها البالغة في تكوين مصدر دخل اقتصادي للدولة بجانب النفط إذا ما تم استغلالها وفتحها سياحيا. واشار العبيكان إلى أنه إذا ما أثبتت الدراسة أن هذه الآثار المنحوتة في الجبال هي نبطية وليست ثمودية فإنه «ينبغي إعادة النظر في فتوى هيئة كبار العلماء التي جاءت بعزل المنطقة الأثرية وعدم الإحياء فيها» مما عطل استغلالها سياحيا واقتصاديا رغم أنها بالغة الأهمية لاحتوائها على معالم أثرية تعود لما قبل الميلاد ويجدها كثير من العلماء المختصين محتفظة بمعالمها وأثرى من مدينة البتراء النبطية في الأردن التي يجرى عليها حاليا تصويت عربي كي تصبح من عجائب الدنيا السبع».

ويقول عالم الآثار الدكتور فرج الله يوسف إن الحجر «تمتعت بحركة عمرانية هائلة في عهد ملك الأنباط الحارثة الرابع (9 ق. م ـ 40 م)، حتى أنها تحولت إلى عاصمة ثانية لمملكة الأنباط بعد الرقيم «البتراء»، وشيدت فيها الكثير من المقابر التي تضاهي مثيلاتها في البتراء بل تزيد عليها في بعض النواحي الفنية والتوثيقية».

ويتابع حديثه «العديد من مقابر الحجر مؤرخة وأقدمها مقبرة كمكم ابنة وائلة ابنة حرام المؤرخة في ديسمبر من السنة الأولى قبل الميلاد إلى يناير من السنة الأولى الميلادية، مرورًا بمقبرة الطبيب كهلان بن وائلان المؤرخة في أبريل ـ مايو سنة 26 م، وصولاً إلى مقبرة القائد ترصو بن تيم المؤرخة في سنة 64 م».

وأوضح يوسف أنه برغم سقوط مملكة الأنباط على أيدي الرومان سنة 106م، إلا أن تشييد المقابر على الطراز النبطي استمر في الحجر لفترات طويلة بعد سقوط المملكة، وقال «إن كل ما في الحجر مقابر، بالإضافة إلى المنطقة الدينية المتمثلة في الديوان وقصر العجوز، أما المنطقة السكنية فما زال البحث عنها مستمرًا».

ويؤكد الدكتور يوسف أن الحجر «بما تضمه من مواقع أثرية مختلفة منها المقابر، والقلعة الإسلامية، ومحطة سكة حديد الحجاز إلى جانب قربها من العلا «دادان» وما تضمه أيضًا من مواقع أثرية ترجع إلى عصور ما قبل الإسلام وبعده، يجعل المدينتين من أهم مناطق الجذب السياحي في المملكة ويؤمن لهما بالتالي مكانة اقتصادية كبرى».

من جانبه أكد الدكتور خالد أسكوبي أحد المنسوبين لوكالة الآثار والمتاحف بالسعودية أن المنطقة بالغة الحيوية والأهمية إذا ما تمّ استغلالها سياحيا لتنشيط الموارد الاقتصادية للدولة، وقال «كل الحفريات الأثرية التي أجريناها في مدائن صالح أثبتت أن المنطقة نبطية وأن الواجهات المنحوتة على الجبال بها ليست ثمودية وإنما هي مقابر نبطية أشارت إلى ذلك النقوش والكتابات عليها».

وأضاف «حتى الآن وبعد ثلاث حفريات أثرية لم نعثر على دليل أثري يعود إلى قوم صالح»، مشيرا إلى أن هناك رأيا ضعيفا لا يؤيده أي دليل أثري أو علمي بأن بعض الواجهات غير المكتملة في النحت تعتبر ثمودية، وقال «إنه رأي مستبعد».

 
ارسل هذا المقال بالبريد الالكترونى   اطبع هذا المقال