الجمعـة 14 صفـر 1429 هـ 22 فبراير 2008 العدد 10678
ارسل هذا المقال بالبريد الالكترونى   اطبع هذا المقال  
 

المحاكم الإسلامية في بريطانيا.. كيف تعمل؟

عالجت 7 آلاف حالة خلع وطلاق.. لكن الجدل أثير حولها بعد أن طالب أسقف بريطاني بتطبيق أحكام الشريعة

د. شعيب حسن مولانا ابو سيد في احدى المحاكم الشرعية في بريطانيا (أ. ف. ب)
لندن : محمد الشافعي
لسنوات طويلة كانت المحكمة الشرعية في توتنهام بشمال لندن، التي يتولى رئاستها عمر بكري القيادي زعيم جماعة «المهاجرون» ثم «الغرباء» الاصولية، الذي خرج من بريطانيا الى بيروت في اعقاب هجمات شهدتها لندن عام 2005، تمارس عملها في صمت كل اسبوع بجلسات مسائية تنظر في قضايا الخلع والطلاق والميراث. واغلب المترددين على تلك المحكمة كان من ابناء التيار الاصولي، زوجات اردن الخلع، واخوة في الله يطلقن ويتزوجن مرة اخرى بموجب الشريعة والسنة المطهرة.

وكان الاعلام محروما من الدخول الى قاعة المحكمة الصغيرة. وللمحكمة فروع في المدن الداخلية مثل برمنجهام وبرادفورد وليتون. ولم يسلط الضوء على تلك المحاكم الشرعية التي ثبت وجود نحو اكثر من عشرة منها في بريطانيا، الا بعد ان تحدث روان ويليامز، كبير أساقفة كانتربري وأرفع رجل دين في الكنيسة الإنجليزية، الشهر الجاري حول ضرورة تطبيق قانون الشريعة، قوبلت تعليقاته بغضب واسع وعدم ارتياح. فقد تعرض لانتقادات قوية من جانب كثير من السياسيين، بمن في ذلك رئيس الوزراء غوردون براون. ولا يعترف القانون البريطاني باحكام الشريعة، ولذلك سارعت الحكومة الى تذكير الاسقف ويليامز بان القانون المدني هو السائد في البلاد.

ويغذي هذا الخلاف جدلا أوسع بشأن دمج مسلمي بريطانيا البالغ عددهم 1.8 مليون نسمة. وأصبح هذا الموضوع أكثر إلحاحا منذ يوليو (تموز) 2005 عندما نفذ أربعة إسلاميين بريطانيين تفجيرات انتحارية استهدفت شبكة النقل في لندن مما أدى إلى مقتل 52 شخصا.

لكن اسقف كانتربري تناول موضوعا اعتبر التطرق اليه امرا محتما، فوضع الاصبع على حالة يتم التستر عليها. فمنذ زمن طويل، التفت المسلمون الى نظام قانوني غير رسمي يعتمد على الشريعة لحل بعض الخلافات ذات الطبيعية غير الجزائية». وتضم البلاد حوالي عشر محاكم اسلامية، اهمها مجلس الشريعة الاسلامية في ليتون شرق لندن. ومنذ انشائه عام 1982، عالج المجلس سبعة الاف حالة طلاق وخلع وفق بنود الشريعة. واوضح الشيخ الدكتور صهيب حسن الامين العام لمجلس الشريعة الاسلامية وعضو المجلس الأوروبي للإفتاء والبحوث، الذي يحظى باحترام كبير من اعضاء الجالية المسلمة «نتصرف كمحكمة دينية اسلامية، ما يعني اننا نحكم في القضايا ونصدر الاحكام كتابيا، استنادا الى الشريعة والفقه الاسلامي، بعد دراسة القضية».

وقال الشيخ صهيب حسن خريج المدينة المنورة وتلميذ الشيخ عبد العزيز بن باز مفتي عام السعودية الراحل وعدد آخر من علماء مصر والسعودية ووالده استاذ الحديث، أنه يعتقد أن تصريحات زعيم الطائفة الانجيلية وليامز عن الشريعة أسيء فهمها بشكل كبير لكنه يخشى من أن يحاول وليامز «تصحيح» كلامه فقط لمجرد أن يهدئ من حالة الغضب».

واضاف الشيخ صهيب حسن الأمين العام لمجلس الشريعة الإسلامية، 55 عاما، الذي ينظر مئات من حالات الزواج والطلاق سنويا، أن وليامز انتقد ظلما وإنه ينبغي أن تفهم تصريحاته بطريقة اخرى. واوضح الشيخ صهيب ان الصحافة البريطانية بالغت في تفسير كلام الاسقف وجعلت من «الحبة قبة»، وقال: نحن كجالية مسلمة نريد بعض الحقوق الشرعية في مجالات الاحوال الشخصية الاسلامية في الزواج والطلاق والميراث وحقوق الزوجة الثانية، نحن لا نسعى الى قطع يد السارق او رجم الزاني والزانية، ونحن لا نقصد هذا الشيء ابدا». ويقول الشيخ صهيب «ندرس كل حالة في ضوء الاهداف المؤسسة للزواج». واوضح «ما ان نتأكد من ان الزواج لن ينجح، نجيز لهما الانفصال. اما اذا كان اصلاح الزواج ممكنا، فنصلحه. في حال تعذر الاصلاح، نقول لهم ان عدم اتخاذ القرار اكثر ضررا من الانفصال».

ويكمن جزء كبير من المشكلة بالنسبة للشيخ صهيب في أن الكثير من الناس لا يدركون فيما يبدو مدى تواجد عناصر متكاملة من الشريعة بالفعل بين المسلمين في بريطانيا ودول أوروبية أخرى.

وينظر هو وهيئة مؤلفة من سبعة إلى عشرة علماء مسلمين، من اهل السنة والجماعة يمثلون مذاهب مختلفة من الاحناف والشوافع والحنابلة واهل الحديث، اكثر من 50 حالة طلاق سنويا في مجلس الشريعة الإسلامية ويفصل في النزاعات بين الأزواج في دول مثل الدنمارك وآيرلندا وهولندا وألمانيا. ويقول ان بعض اهل التشيع يعرضون علينا قضاياهم في الزواج والطلاق والميراث. والشيخ صهيب درس في كلية الشريعة بالجامعة الاسلامية بالمدينة المنورة قبل اربعين عاما، وتتلمذ في العلوم الاسلامية على يد كل من الشيخ عبد العزيز بن باز، والشيخ محمد امين الشنقيطي، وناصر الدين الالباني، وعبد الرؤوف اللبدي استاذ النحو والصرف، والشيخ محمد المجذوب في الادب والتاريخ الاسلامي، وتتلمذ على يد والده ايضا الشيخ عبد الغفار حسن استاذ اصول الحديث». يقول الشيخ صهيب ان دار الافتاء السعودية ابتعثته عام 1966 الى افريقيا في اول بعثة اسلامية الى كينيا، وبقي فيها هناك لمدة 9 سنوات، ثم نقله الشيخ ابن باز الى لندن للعمل في مجال الدعوة الاسلامية»، ويجتمع مجلس العلماء مرة في الشهر داخل المركز الاسلامي بريجنت بارك، للاستماع الى تقارير اعدها قضاة محليون من برمنجهام وبرادفورد وليتون ومدن داخلية اخرى عن قضايا خلع وطلاق وردت اليهم، بحسب الشيخ صهيب. وفي حالات الخلع تطرق الى قصة زوجة الصحابي الجليل ثابت بن قيس الذي شهد الغزوات مع الرسول صلى الله عليه وسلم، طالبا الشهادة، ولكن لم يستشهد الى أن وقعت حروب الردة. فقد جاءت الى النبي صلى الله عليه وسلم (حسب رواية البخاري عن ابن عباس رضي الله عنهما) فقالت: يا رسول الله، ثابت بن قيس ما أعتب عليه في خلق ولا دين، ولكني أكره الكفر في الإسلام. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أتردين عليه حديقته؟ قالت: نعم. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: اقبل الحديقة، وطلِّقها تطليقة. وفي رواية اخرى أنه عليه الصلاة والسلام قال: فَتَرُدِّينَ عَليْهِ حَديقَتَهُ؟ فقالَتْ: نَعَمْ. فَرُدَّتْ عَليْهِ، وأمَرَهُ ففارَقَها.

يقول الشيخ صهيب تكتب اللجنة الشرعية الى الزوج ثلاث مرات، وبين كل مرة واخرى شهر من الزمان، وتستغرق القضية من 9 اشهر الى 12 شهرا». وفي قضايا الخلع يقول الشيخ صهيب في العادة نقول للزوجة ان ترد المجوهرات والهدايا او الاموال الى زوجها قبل اعلان الخلع. وقال ان من حق الزوجة طلب الخلع بعد يوم او شهر من الزواج، وتطرق الى عدد من الحالات وردت الى المحاكم الشرعية بدون ذكر اسماء، مثل تزويج بريطانيات مسلمات في باكستان او الهند على غير ارادتهن». واشار الى: ان المحاكم الشرعية الاسلامية تحظى بموافقة من هيئة الجمعيات الخيرية البريطانية، التي تراقب عملنا، واوضح ان مجلس الجمعيات الخيرية وافق على دستورنا الخاص بعد ست سنوات من المراجعة والتأني. وأكد ان جميع القضاة في هيئة المحاكم الشرعية متطوعين، وليس لديهم اي تمويل من اي جهة خارجية او داخلية، باستثناء رسوم يدفعها اصحاب الحالات الراغبة في الطلاق والخلع، وتكلف كل حالة نحو 250 جنيها استرلينيا. وضمن الذين شاركوا في مجلس الشريعة الاسلامية الدكتور الراحل سيد الدرش مدير المركز الاسلامي الاسبق بريجنت بارك، وهو من المؤسسين، وحاليا الشيوخ معز العرب، وهيثم الحداد، واحمد عويس من الصومال، والأخير ارتبط اسمه بالمحاكم الاسلامية في الصومال، وهو من الدعاة المعروفين». وإلى جانب حالات الطلاق تنظر اللجنة الشرعية نزاعات بشأن الميراث والخلافات في العقود بين المالكين والمستأجرين المسلمين وأحيانا بين الموظفين وأصحاب العمل. وحتى لو تم التعامل مع مشكلة مثل الطلاق أمام محكمة مدنية بريطانية يفضل كثير من المسلمين الاحتكام إلى الشريعة أيضاً. وتطرق الشيخ صهيب الى نجاح المحاكم الشرعية في خلع كثير من الازواج المسلمين بسبب مشاكل مزمنة تعاني منها الزوجات. وقال صهيب حسن «فيما يتعلق بالزواج فنحن نكمل عمل المحكمة المدنية.. حتى بعد صدور قرار من المحكمة المدنية يظل ضمير بعض الناس يؤرقهم إلى أن يحصلوا على قرار من محكمة إسلامية أيضاً، وهو ما يتردد ان بعض الناس يعقدون نكاحهم في مكاتب عقود الزواج المدنية، ولكن بعد ذلك يقرنون ذلك بالزواج في المساجد».

وقال ردا على سؤال لـ«الشرق الاوسط» عن وجود قاضيات ضمن هيئة المحاكم، انهم لم يجدوا سيدة تتفوق في دينها الى الحد الذي يمكنها لتحكم في امور المسلمين الشرعية. وكثيرا ما يرسل المحامون الموكلين المسلمين إلى الشيخ صهيب اعتقادا منهم بأن المحكمة الشرعية ستكون مكانا أفضل لحسم الخلافات. وبالنسبة لحسن فإن بعض المزج بين النظامين ولاسيما بالنسبة للمسلمين المتدينين في القضايا المدنية هو أمر حتمي وضروري. وقال حسن انه شخصيا تعرض للاذى والاعتداء مرة واحدة من بعض الرجال الذين خلعهم عن زوجاتهم». وأضاف «الشريعة تستخدم على نطاق واسع في بريطانيا بشكل يومي.. ينبغي ألا يفاجأ أحد إذا تم دمج عناصر منها في النظام القانوني البريطاني».

ويقول إن «الجانب الآخر لسوء الفهم هو أن الناس عادة ما تفترض على الفور أن الشريعة هي قطع الأيدي وعمليات الإعدام في أماكن عامة.. ويصر على أنه لا توجد رغبة لإنشاء محاكم جنائية شرعية في بريطانيا»، وقال انه امر لا يفكر فيه احد من العلماء الشرعيين.

وقال «توجد 57 دولة مسلمة في العالم لا يطبق القانون الجنائي الشرعي كاملا منها سوى بلدين أو ثلاثة. فلماذا نود عمل ذلك هنا.. هذه بريطانيا وسيكون ذلك غير مقبول بالمرة». ومجلس الشريعة لا يحل محل المحاكم المدنية، التي لا غنى عنها، لكنه يتدخل مكملا لاقرار الطلاق الاسلامي او رفضه. وأضاف رجل الدين الموكل تفسير الشريعة ان المسلمين «يحترمون قانون البلاد، لكنهم يعتبرونه قانونا اداريا، وليس منزلا».

واوضح «مسائل الزواج والطلاق ليست من صلاحية الدولة، فهي مسائل دينية». واذا حصل المؤمنون على حكم مدني «يرون انهم لم يكملوا واجبهم الديني». وفي الطابق الاول في مكتب صغير لا يحمل اسما في ليتون، يجتمع الشيخ صهيب حسن مع مولانا ابو سعيد، وهما مثله من ابناء الجالية الآسيوية، والشيخ هيثم الحداد الفلسطيني الاصل، والمفتي بركة الله لإصدار الاحكام. ويحكم العلماء بالطلاق لصالح امراة يضربها زوجها الذي يعاني من مشاكل عقلية.

وكانت حصلت على الطلاق المدني منه في مايو (أيار) 2007. ولكن كان يتعين الحصول على الطلاق وفق الشريعة حيث يعود الحق بالطلاق للرجل.

في حال عدم موافقته، تستطيع المرأة البدء باجراءات الطلاق او الخلع، لدى المجلس. ويحاول المجلس الحصول على موافقة الزوج او مصالحة الثنائي، او يقرر منح المرأة الطلاق اذا لم يحضر الرجل او تبين انه على خطأ فادح. وافاد استطلاع للرأي نشر في شباط 2006 ان 40 في المائة من المستطلعين يؤيدون اعتماد الشريعة في المناطق ذات الاكثرية المسلمة. وبحسب اعضاء المجلس، يزداد عدد الاشخاص الذين يلجأون اليها.

ويقول «عندما تمتنع الحكومة عن العمل عبر الطرق السياسية، يكون لدى المواطنين الخيار». واوضح «عندما يكون هناك مزيد من الاشخاص الذين يفضلوننا على المحاكم البريطانية، يجعلنا نعرف ماهية خيارهم.. هذا ما يحصل، وهذا ما قاله الاسقف: ينبغي اتخاذ تدابير، لا مفر من الامر». وكثيرا ما تتم دعوة صهيب حسن للإدلاء بإفادته في المحاكم البريطانية بصفته عالما إسلاميا الأمر الذي يساعد المحكمة المدنية على التوصل لأحكام متوازنة في القضايا التي تخص المسلمين.

التعليــقــــات
منير وهبي، «استراليا»، 23/02/2008
اعتقد انها ليست محاكم كما جاء في المقال، احتمال مجرد هيئات او مؤسسات اجتماعية اسلامية لحل المشاكل الاسرية كما هو الحال بما تقوم به كثير من المؤسسات الاجتماعية التابعة للعقائد والجاليات المختلفة في المجتمعات متعددة الحضارات، كاتب المقال كمن يوحي بأنه توجد دولة داخل دولة، انه تعدي على القانون البريطاني ولا اعتقد ان الشعب البريطاني يقبل بذلك.
 
ارسل هذا المقال بالبريد الالكترونى   اطبع هذا المقال