رمضان في باريس: مناسبة يحتفل بها 3 ملايين مسلم في عاصمة النور

الإمساك عن الطعام يمتد 16 ساعة.. والإفطار عيد قبل العيد

TT

مع حلول رمضان، بدأت أكبر الفنادق الباريسية تخلو من نزلائها الخليجيين والشرق أوسطيين، الذين يفضل غالبيتهم قضاء شهر الصيام في بلادهم وبين أهاليهم. لكن هذا الرحيل المبكر في عز موسم الاصطياف لم يزعج أصحاب الفنادق، لأن حصيلة شهر يوليو (تموز) الماضي كانت استثنائية بشكل لم تعرفه العاصمة الفرنسية منذ ارتفاع معدلات صرف اليورو بالقياس إلى الدولار. ولعل مما دفع السياح المسلمين إلى المغادرة، هو حلول الشهر الكريم في عز الصيف الباريسي الذي تشرق الشمس فيه باكرا، ولا تغرب إلا في ساعة متأخرة، بحيث تمتد ساعات الامتناع عن الطعام نحو 16 ساعة في اليوم.

لكن مغادرة نسبة كبيرة من السياح المسلمين إلى ديارهم لا تعني أن باريس، في جانبها الإسلامي، لا تصوم ولا تعرف عبادات الشهر الفضيل وتراويحه واجتماعاته وسهراته ومباهجه. وتظهر أُولى تباشير رمضان، أول ما تظهر، في تلك الصفوف الطويلة وغير المعتادة أمام محلات البقالة المتخصصة في المواد الغذائية الشرقية ودكاكين بيع اللحوم المذبوحة وفق الشريعة. وإذا كان من الصعب تحديد مكان معين لتجمع الجالية الإسلامية في العاصمة الفرنسية، نظرا لانتشارها في كل دوائر المدينة، فإن أحياء باريس الشمالية وضواحيها تبقى الأكثر كثافة بالعائلات المهاجرة من دول شمال أفريقيا ووسطها، ومن تركيا. مع تجمعات من جيبوتي وجزر القمر وإيران في هذه المنطقة أو تلك. وفي غياب إحصائيات دقيقة، تشير التقديرات إلى أن قرابة 3 ملايين مسلم من مجموع أكثر من 6 ملايين موجودين على الأراضي الفرنسية، يتركزون في باريس وضواحيها والبلدات القريبة منها.

في «باربيس» الحي الذي يكاد يشبه في متاجره وبضائعه سوقا من الأسواق الشعبية في الجزائر أو القيروان أو الدار البيضاء، يقف المتسوقون أمام الدكاكين التي يملكها مغاربة وأفارقة من السنغال ومالي وساحل العاج، حيث تبدو نهارات رمضان أقل ازدحاما من نهارات الأشهر الأُخرى. إذ إن الباعة الذين اعتادوا إطلاق أصواتهم بمختلف عبارات الجذب والإغراء للزبائن العابرين في الجادة، يجلسون أمام دكاكينهم صامتين، لأن الصائمين لا ينزلون مبكرين من شققهم ومنازلهم. إنهم ينتهزون فرصة العطلة السنوية التي تحل في أغسطس (آب) لكي يشبعوا نوما قبل البدء في الدورة التقليدية للنهار الذي سيكون طويلا. لكن ساعات العصر في جادة «باربيس» تحيل الحي إلى مهرجان من الألوان والأجناس والأزياء والروائح واللغات. ويحتاج المرء إلى منكبيه لكي يشق طريقه على الأرصفة، كما يحتاج إلى صبر أيوب قبل أن يحين دوره لدفع ثمن الحاجات التي تجمعت في سلة مشترياته: فواكه مجففة، باميا مجمدة، حمص في العلب، عدس أصفر، قمر الدين، عجينة كنافة، باقات كزبرة، طرشي وليمون مخلل، خبز مرقوق، لبان عربي، بخور هندي، زعفران إيراني، أكياس شاي أخضر، قهوة بالهال، وكل ما يمكن لربة البيت في أي مدينة عربية أن تحتاجه... تأتي به باريس إليها من أربعة أطراف الدنيا.

أما في ضاحية «كرملين بيسيتر»، جنوب العاصمة، فإن صفوف السيارات لا تتأخر في الاصطفاف في خطوط متوازية أمام محلات الجزارين. لقد تحول الشارع العام إلى مركز لتجارة اللحم الحلال، حيث تأتي الشاحنات محملة بالخراف والعجول والدواجن المذبوحة على الطريقة الإسلامية، وينقلها العمال إلى الغرف المبردة الفسيحة، لكن الذبائح يندر أن تبيت هناك، لأن الطلب كثير وعلى مدى ساعات اليوم. وفي حين تنزل ربة الأُسرة لتأخذ مكانها في الطابور، أمام أحد الجزارين، يقف زوجها أو ابنها بجوار السيارة خشية أن يأتي شرطي المرور ويحرر له مخالفة لوقوفه في مكان ممنوع. لكن شرطة باريس، على الرغم من شراستهم في مطاردة السائقين المخالفين، ونشاطهم الدؤوب في إيقاع الغرامات، فإنهم يظهرون شيئا من التعاطف والتفهم مع أصحاب السيارات التي تزدحم عند محلات اللحوم والمخابز والحلويات العربية في رمضان، يشبع تعاطفهم مع السائقين الذين يستخدمون آلات تنبيه السيارات في موكب العروس، وكأنهم يدركون أن المسلمين في عرس أو عيد.

لم تعد الأسواق التي تبيع بضاعة عربية وشرقية مقتصرة على زبائن من أجيال المهاجرين، بل ساهمت الأسفار وكتب الطبخ ومطاعم الجاليات وبحث المستهلك الفرنسي عن مذاقات جديدة وغريبة، في اجتذاب زبائن لها من كل الجنسيات. وعلى الرغم من صعوبة تحديد الوزن الاقتصادي الحقيقي لسوق الأطعمة والمواد الغذائية «الحلال» في فرنسا، فإن التقديرات والأرقام تشير إلى أنها تصل إلى خمسة مليارات يورو في العام، مما يعني أن هذه السوق تفوق ضعفي سوق الأطعمة البيولوجية «الأُورغانيك». وتشهد سوق الأطعمة الحلال انتعاشا سريعا، يصل معدله السنوي إلى 15 في المائة. وتشير بعض الإحصائيات إلى أن الفرد المسلم، في فرنسا، يستهلك من اللحوم الحمراء ضعف ما يستهلكه المواطن الفرنسي العادي.

لكن منتجات «الحلال» لا تقتصر على اللحوم المذبوحة حسب الشريعة الإسلامية، فهي تشمل أيضا عموم الأغذية، مثل الألبان والحلويات والحبوب والزيوت والمشروبات الغازية والعصائر على أنواعها والأطعمة المحفوظة أو المجمدة والتوابل وجميع المنتجات التي تلتزم بالشريعة الإسلامية من بداية التصنيع إلى الحفظ، أي تلك التي لا تحتوي على مكونات محرمة مثل الجيلاتين والكحول وشحم الخنزير.

في السنوات الخمس الأخيرة، انتشرت تجارة البضائع «الحلال» بحيث أصبحت ظاهرة اقتصادية تثير اهتمام المتاجر الكبرى التي تملك سلاسل تغطي كل الأراضي الفرنسية، مثل «كازينو» و«كارفور» و«أُوشان» و«لوكلير». وصار من المعتاد أن تخصص المخازن الموجودة في الأحياء السكنية أقساما لهذه المنتجات. ومضت الشركات الكبرى خطوة أبعد وبدأت بتصنيع منتجاتها الخاصة التي تحمل علامتها التجارية من الأطعمة «الحلال». ومثلا، أطلقت سلسلة متاجر «كازينو» علامة جديدة خاصة بها أطلقت عليها اسم «وسيلة»، وهي توفر لزبائنها المسلمين أكثر من 400 منتج تحترم شروط الشريعة. كما يستطيع المستهلك المسلم معرفة أصل هذه المنتجات. وبحسب التقديرات، فإن المسلم يصرف في المتوسط 30 في المائة من ميزانيته العامة على لوازم المطبخ، مقابل 14 في المائة لغير المسلمين، مما يفسر الاهتمام الكبير بهذه السوق. وتقوم المساجد الثلاثة الكبرى في باريس وليون، جنوب البلاد، وضاحية إيفري القريبة من العاصمة، بالتأكد من احترام المنتجين للضوابط الإسلامية والتصديق على شهادات الأطعمة «الحلال».

على الموقع الإلكتروني لبلدية باريس، يمكن للمسلم أن يراجع إمساكية شهر الصيام ومواعيد الانقطاع عن الطعام، والإفطار، ومواقيت الصلاة. ويقول الموقع لمتصفحيه إن الإمساكية ليست مفيدة فحسب بل ضرورية. وهي تقوم على طريقة علمية في تحديد المواقيت لسكان العاصمة وأيضا لنحو 35 ألف مدينة وبلدة في فرنسا، من حدودها الشمالية المتاخمة لبلجيكا وبحر المانش إلى شواطئها الجنوبية على المتوسط. وكان عمدة باريس الاشتراكي برتران ديلانويه، قد أدخل تقاليد الاحتفال بشهر رمضان من خلال الدعوة إلى حفلات إفطار وسمر في القاعات التاريخية لمبنى البلدية، المطل على نهر السين. ثم انتقل الاحتفال إلى ملعب رياضي قرب المدينة الجامعية، لكي تتسع مدرجاته لآلاف المحتفلين.

لكن سهرات رمضان لا تقتصر على مآدب السفراء والدبلوماسيين وحفلات الإفطار الرسمية، بل تنتشر في الكثير من المساجد والمقاهي العربية. ومنها المعهد الإسلامي في حي «لاغوت دور»، الذي يعتبر القلب النابض لتجمعات المهاجرين في النصف الشمالي من العاصمة. وأعلن المعهد عن منهاج للسهرات الرمضانية، هو الخامس من نوعه منذ بدء نشاطه. ومما يلفت النظر أن المعهد يقيم هذه الحفلات بالمشاركة مع المجلس البريطاني في باريس. ويتضمن منهاج المعهد الإسلامي ندوات ومناظرات ومعارض وأفلاما وتواشيح وعروضا فنية، للكبار والصغار، لا تقتصر المشاركة فيها على المسلمين بل تدعى إليها شخصيات من التي عرف عنها اهتمامها بحوار الأديان والثقافات. وهي مناسبة لجمع ساكني شارع «لاغوت دور» والأزقة المتفرعة عنه، وهم خليط مثير من الأعراق والأجناس والعقائد، حول مائدة رمضانية يساهمون في تكلفتها بشكل رمزي.

المشرفون على المعهد الواقع في شارع «ليون» يريدون له أن يكون عنوانا معروفا لكل من يبحث عن فهم أعمق للإسلام، وهم يدركون أنهم يمثلون شريحة بات تعدادها 32 مليون مسلم في أوروبا، بينهم 15 مليونا داخل منظومة دول الاتحاد الأوروبي. ويرى المعهد أن من واجبه التذكير بأن الإسلام هو منذ قرون جزء من تاريخ هذه القارة ومجتمعاتها. ولهذا يعمل ناشطوه على تشجيع التبادل والتفاهم بين المسلمين وبين من يسكنون إلى جوارهم من غير المسلمين. ويراهن كثيرون على الفنون الإسلامية والمكتشفات العلمية الرائدة التي ألهمت علماء الغرب، كقاعدة مناسبة لهذا الحوار والتفاهم. وتم توجيه الدعوة لعدد من مشاهير الرسامين والمسرحيين الفرنسيين للمشاركة في السهرات والندوات الرمضانية.

نقرأ في المنهاج عروضا لأفلام تركية جديدة، ومشاركة للموسيقي السوري المقيم في باريس منذ عقود، عابد عازرية، وعرضا لرقص الفلامنكو، وأناشيد لنصوص ابن عربي، تقدمها فرقة صوفية من سراييفو، وعرضا بعنوان «من مجنون ليلى إلى مجنون إلزا»، في إشارة إلى عنوان واحد من أبرز دواوين الشاعر الفرنسي لوي أراغون، الذي استلهم أُسطورة الحب العربية الشهيرة في التعبير عن هيامه برفيقة دربه الشاعرة إلزا تريوليه. وجديد هذا العام سلسلة من المحاورات اليومية التي تعقب الإفطار ويشارك فيها مفكرون وكتاب وفلاسفة فرنسيون بارزون، أمثال الصحافي ألان غريش من صحيفة «لوموند ديبلوماتيك»، ورقية ديالو، رئيسة جمعية «اللامنقسمون»، ومارتن روس من المجلس البريطاني، وهو مدير برنامج «أُوروبا التي نشترك فيها»، وعالم الفيزياء إيمانويل تود، وغيرهم. وسيكون السؤال الصعب: «هل هناك إسلام أُوروبي وما هي ملامحه؟» في قلب هذه الندوات.

وهناك الكثير من الجمعيات النسائية وحلقات العمل الخيري التي تنظم ما يسمى بـ«شوربة رمضان»، وهي حفلات إفطار يدعى إليها متواضعو الدخل وتكون فرصة لاجتماعهم مع باقة من الفتيات والشبان الناشطين في أوساط جالية مسلمي فرنسا، ممن يتطوعون لإعداد الطعام وتقديمه وإحياء السهرة بالموسيقى والبرامج المسلية. وطبعا، لا تغيب مقاهي «الشيشة» عن المشهد الرمضاني، على الرغم من القرار المطبق في فرنسا بمنع التدخين في الأماكن العامة وداخل المقاهي المغلقة. لذلك ينتهز أصحاب المقاهي ومرتادوها فرصة فصل الصيف وينشرون كراسيهم ونراجيلهم على الرصيف، حيث تعبق روائح المعسل وتدور أكواب الشاي بالنعناع حتى أول ساعات الصباح.