شركات عربية متعددة الجنسيات تتوسع في أنحاء المنطقة

تستهدف دولا للاستثمار منها مصر والعراق.. بينما الاضطرابات السياسية والاقتصادية ما زالت تحديا

استثمار الشركات العربية عبر الحدود يساعد في تعزيز التكامل بين اقتصادات المنطقة بعد عقود من العزلة النسبية (أ.ف.ب)
TT

في مصنع مشروبات شركة «العوجان» للمرطبات بضاحية صناعية في دبي يتفقد العمال غرفة خاوية حيث سيجري تركيب أجهزة جديدة. وعندما تصبح جاهزة ستسحب الحوائط المتحركة لربط المكان بمجمع الإنتاج الرئيسي.

وتباشر الشركة السعودية العائلية، التي تصنع عصائر الفاكهة، المراحل النهائية من برنامج يتكلف 100 مليون يورو (130 مليون دولار) لتحديث وتوسعة منشآتها الإنتاجية الـ3 في دبي المركز التجاري للخليج، وفي مدينة الدمام السعودية والعاصمة الإيرانية، طهران.

لكن طموحاتها لا تقف عند ذلك الحد. وتتوقع الشركة أن تبني في غضون 3 أو 4 أعوام مصنعين جديدين أحدهما في العراق والآخر في شمال أفريقيا، وغالبا في مصر.

وفي تحد لعدم التيقن السياسي والاضطرابات الاقتصادية تنطلق شركات شرق أوسطية، مثل «العوجان»، من قواعدها المحلية للتوسع في أنحاء المنطقة لتنتج سلالة من نوع جديد في دنيا الأعمال، الشركة العربية متعددة الجنسيات.

وإذا اكتسب ذلك التوجه زخما - وثمة أسباب تؤيد ذلك رغم عدم الاستقرار في الاقتصاد العالمي والاضطرابات الاجتماعية في العالم العربي بعد انتفاضات العام الماضي - فإنه يمكن لتلك الشركات أن تضطلع بدور أكبر في توفير فرص العمل بالمنطقة وزيادة وزن الدول العربية في النظام التجاري العالمي.

وقال قادر قندز، الرئيس التنفيذ تركي المولد لـ«العوجان»: «ننظر إلى الأمد الطويل.. بلدان مثل مصر والعراق تتيح فرصا لنا رغم المشكلات السياسية والاقتصادية الحالية».

وقال أفشين مولوي، مستشار شؤون الشرق الأوسط لدى «أكسفورد أناليتكا»، وهي شركة تحليلات واستشارات عالمية، إن استثمار الشركات العربية عبر الحدود يساعد في تعزيز التكامل بين اقتصادات المنطقة بعد عقود من العزلة النسبية.

وقال: «إحدى مفارقات العالم العربي أن الدول لا تتاجر في ما بينها بمعدلات الكتل الإقليمية الأخرى.. الاستثمارات المتبادلة في ما بين الدول ليست كبيرة.. وهذا يتغير».

ويبدأ التغيير من قاعدة منخفضة. ويقول ديميتريس تسيتسيراجوس، نائب الرئيس للمنطقة لدى مؤسسة التمويل الدولية التابعة للبنك الدولي، إن الشرق الأوسط وشمال أفريقيا «هي المنطقة الأقل تكاملا اقتصاديا في العالم».

وبحسب أحدث الأرقام الصادرة عن برنامج تمويل التجارة العربية ومقره أبوظبي، فإن حصة الصادرات العربية المتجهة إلى دول عربية أخرى لم تتجاوز 3.‏10 في المائة في 2009 وبزيادة طفيفة فحسب من 5.‏8 في المائة في 2005. بل إن نسبة الواردات البينية تراجعت إلى 2.‏11 في المائة من 6.‏12 في المائة.

تقليديا ركزت دول الخليج على تصدير النفط إلى الغرب وآسيا، ثم استخدمت الإيرادات لاستيراد سلع استهلاكية من تلك المناطق بدلا من تطوير الروابط التجارية في ما بينها أو مع شمال أفريقيا. أما دول شمال أفريقيا فتعتبر أوروبا شريكها التجاري الرئيسي.

وخارج صناعة النفط اتجهت الشركات العربية إلى التركيز على أسواقها المحلية بسبب افتقارها إلى الحجم والقدرة التسويقية للتوسع في أنحاء المنطقة.

وكانت الشركة العربية الوحيدة على قائمة «فورشن 500» لكبرى الشركات العالمية العام الماضي هي الشركة السعودية للصناعيات الأساسية (سابك) أكبر شركة بتروكيماويات في العالم من حيث القيمة السوقية.

وقال تسيتسيراجوس إن العالم العربي بحاجة إلى شركات تضطلع بدور «الأبطال الإقليميين» فتوفر فرص العمل وتدخل التكنولوجيا وتنشر ممارسات الإدارة الفعالة في أنحاء المنطقة، وهو الهدف الذي تسعى إليه مؤسسة التمويل الدولية عن طريق تقديم التمويل والمشورة لمشاريع القطاع الخاص في المنطقة.

وينبئ ارتفاع الاستثمارات العابرة للحدود بين الدول العربية على مدى العقد المنصرم ببزوغ مثل هؤلاء الأبطال. وبحسب المؤسسة العربية لضمان الاستثمار وائتمان الصادرات التي مقرها الكويت فإن تدفقات الاستثمار المباشر بين الدول العربية قفزت من 8.‏1 مليار دولار في عام 2000 إلى ذروة بلغت 4.‏35 مليار دولار في 2008. وتماشيا مع أنماط الاستثمار في أنحاء العالم تراجعت التدفقات لاحقا إلى 7.‏5 مليار دولار في 2010 بسبب الأزمة المالية العالمية.

ورغم عجز العالم العربي حتى الآن عن إقامة شركات يمكن أن تدخل قائمة «فورشن 500»، فإن عددا متزايدا من الشركات أصبح من الضخامة بما يسمح له بالبحث عن النمو في الخارج. وتتوقع «العوجان»، التي تحقق أقل من نصف مبيعاتها داخل السعودية، إيرادات بنحو مليار دولار هذا العام، أي أعلى بكثير من مثلي مستوى 2007.

وقال خان زاهد كبير الاقتصاديين في الرياض المالية في السعودية إن الدعم الحكومي أسهم في تطوير شركات ضخمة للقطاع الخاص في مجال الصناعات الغذائية والمشروبات في المملكة ما يعد مؤشرا على أن جهود دول الخليج لتنويع موارد اقتصاداتها عن طريق سياسات لدعم «صناعات ناشئة» يمكن أن تنجح.

وقال: «بعضها أصبح كبيرا ومتقدما بما يكفي للانتقال إلى أجزاء أخرى في المنطقة.. لديهم التكنولوجيا والإمكانيات والحجم».

وتستعين بعض الشركات العربية بالشركات الغربية متعددة الجنسيات مع توسعها إقليميا. وفي ديسمبر (كانون الأول) قالت «كوكاكولا» إنها ستشتري حصة قيمتها 980 مليون دولار في «العوجان» في استثمار وصفته بالأضخم على الإطلاق لشركة متعددة الجنسيات في قطاع السلع الاستهلاكية بالشرق الأوسط. وتعطي الصفقة «كوكاكولا» حصة 50 في المائة في الكيان المالك لحقوق العلامات التجارية لـ«العوجان» و49 في المائة في شركة التعبئة والتوزيع التابعة للشركة السعودية.

وقال قندز إن «العوجان» ستستفيد من إمكانيات «كوكاكولا» في مجال التسويق والجوانب الفنية، لكن الصفقة لن تغير ثقافة الأعمال المرنة والعملية لشركته التي تأسست كشركة لتجارة المواد الغذائية في البحرين قبل أكثر من 100 عام.

وقال: «نستطيع التحرك أسرع بكثير من الشركات الكبيرة. إنه جزء من ثقافتنا».

وفي بعض الحالات قد تكون الثقافة ميزة للشركات العربية متعددة الجنسيات في مواجهة منافسيها الغربيين والآسيويين. فالشركات المحلية معتادة على العمل في ظل البيروقراطيات الحكومية منعدمة الكفاءة في المنطقة، وهي تعلم المخاطر السياسية المعقدة التي قد تثني الشركات الأجنبية.

وقال مولوي إنه يتوقع أن تركز الشركات العربية متعددة الجنسيات على قطاعين رئيسيين مع توسعها في أنحاء العالم العربي، أحدهما هو السلع الاستهلاكية حيث تعد العوامل السكانية للمنطقة - نحو 60 في المائة من مواطني العالم العربي البالغ عددهم 350 مليون نسمة أصغر من 25 عاما - بنمو قوي في الأعوام المقبلة وبصرف النظر تقريبا عن أي عدم استقرار سياسي أو اقتصادي.

كانت مجموعة أدوية «الحكمة» الأردنية أشارت إلى سوق المغرب الآخذة بالنمو عندما أعلنت في أكتوبر (تشرين الأول) الماضي عن صفقة قيمتها 2.‏111 مليون دولار لشراء 9.‏63 في المائة من «بروموفارم»، تاسع أكبر شركة صناعات دوائية في البلاد. وقالت «الحكمة» إنها تتفقد أيضا استثمارات محتملة في السودان ومصر ومناطق أخرى.

أما المجال الكبير الآخر فهو البنوك إذ إن بعض الدول العربية تعاني من نقص الخدمات المصرفية. وتقول شركة «وثيقة» المالية الكويتية إن القروض المصرفية المقدمة للأفراد في مصر لم تتجاوز 7 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي في 2010، أي نحو ثلث مستواها في الإمارات العربية المتحدة.

وفي بعض الدول يبدو أن انتفاضات «الربيع العربي» قد أزالت الحواجز في وجه البنوك الأجنبية. وتعتزم ليبيا بناء نظام مصرفي حديث بعد عقود من العزلة، في حين ترحب الحكومات المنتخبة ديمقراطيا في تونس ودول أخرى في شمال أفريقيا بالتمويل الإسلامي بعد أن كانت الأنظمة المستبدة السابقة لا تشجعه لأسباب آيديولوجية.

ويعد بنك أبوظبي الوطني المملوك لحكومة الإمارة أضخم بنوك الإمارات من حيث القيمة السوقية، وهو يتمتع بسيولة وفيرة تسمح له بالتوسع في المنطقة. وفي هذا العام يطمح البنك إلى دخول العراق ولبنان واستثمار المزيد بأنشطته القائمة في مصر وسلطنة عمان والأردن والسودان والبحرين، وذلك على النقيض من بنوك أوروبية كثيرة تضطر إلى تقليص حضورها في المنطقة بسبب الضغوط المالية في أسواقها المحلية.

ورغم أن معظم الشركات متعددة الجنسيات البازغة في العالم العربي هي شركات خليجية، فإن الشركات الكبيرة في شمال أفريقيا قد تتوسع أيضا عبر الحدود عن طريق اقتناص الفرص التي يتيحها «الربيع العربي».

ففي الشهر الماضي قال قطب صناعة الاتصالات المصري، نجيب ساويرس، الذي تشمل أعماله الشركة المصرية لخدمات التليفون الجوال «موبينيل» لـ«رويترز» إنه يدرس دولا مثل ليبيا كهدف لاستثمارات محتملة في المستقبل.

وقال إنه في حالة سقوط نظام الرئيس السوري، بشار الأسد، فإن حكومة جديدة ستعمد في نهاية المطاف إلى طرح مزادات لبيع شبكات الهاتف الجوال المملوكة لرجل الأعمال رامي مخلوف، ابن خال الأسد.

وقال مولوي إن نطاق الشركات العربية متعددة الجنسيات الذي ظلت تهيمن عليه الشركات المملوكة للدولة في قطاع النفط والشركات التجارية العائلية التي تعتمد على العلاقات الشخصية يتوسع ليشمل شركات تدار إدارة مهنية في مدى واسع من الصناعات.

وقال: «أمام تلك الشركات 10 أعوام أو 15 عاما والعوامل السكانية للمنطقة تضمن تحقيق نمو في أسواقها».