الجمعـة 14 صفـر 1429 هـ 22 فبراير 2008 العدد 10678
ارسل هذا المقال بالبريد الالكترونى   اطبع هذا المقال  
 

أقدم وادق صور وخرائط المدينتين المقدستين تحت قبة مكتبة الملك عبد العزيز

مكة وجدة وينبع شهدت مخططات طبعها رحالة غربيون بطريقة الحفر قبل ظهور الصور الفوتوغرافية * التقطت بعدسات مصورين عرب وأجانب على مدى 150 عاما خلال رحلاتهم للديار المقدسة

منظر لمكة المكرمة والحرم الشريف.. صورة التقطها محمد صادق بك عام 1880
منظر عام للمدينة المنورة ويبدو فيها الحرم النبوي.. صورة التقطها محمد صادق بك عام 1880
مقبرة المعلاة في مكة المكرمة بعدسة ميرزا عام 1890
باب اجياد في مكة.. صورة التقطها محمد حلمي عام 1947
احد الاسواق الخارجية ويبدو فيها صورة الحرم المكي.. صورة التقطها محمد حلمي عام 1947
الروضة الشريفة داخل المسجد النبوي.. صورة بعدسة محمد حلمي قبل 6 عقود
مسجد قباء في المدينة المنورة من صور ميرزا التي التقطت قبل 118عاماً
باب العباس في الحرم المكي.. صورة لمحمد حلمي قبل 61 عاما
الرياض: بدر الخريف
تعد الصور الفوتوغرافية القديمة مصدرا علميا مهما من مصادر كتابة التاريخ، حيث توفر مادة لدراسة تاريخ الأمم والدول والتغييرات التي حدثت خلال السنوات التي أعقبت التقاط هذه الصور.

وقد اكتسبت اللقطات الفوتوغرافية الأولى لمكة المكرمة والمدينة المنورة، أهمية كبيرة كونها التاريخ المرئي الوحيد المتبقي لحقب وتقاليد ومواقع شهدت حالات من التغيير الجذري، حيث أصبحت هذه الصور الوثيقة الوحيدة الشاهدة على التطور الذي طال المدينتين والأماكن المقدسة، خصوصاً في العهد السعودي.

وحظيت المدينتان المقدستان مكة المكرمة والمدينة المنورة، باهتمام المصورين عرب وأجانب، فعلى مدى عقود وقبل اكتشاف التصوير الشمسي والفوتوغرافي، كانت المدينتان محط أنظار الرحالة الأوروبيين الذين تجولوا في الجزيرة العربية التي كانت معظم مناطقها في النصف الثاني من القرن التاسع عشر شبه مجهولة بالنسبة للمصورين الأجانب، باستثناء بعض الصور لمدن جدة وعدن ومسقط، التي التقطها على ما يبدو مصورون كانوا في طريقهم إلى الهند.

ولم تظهر أية صورة شمسية لمناطق شبه الجزيرة العربية قبل عام 1861، علما أن اكتشاف التصوير الشمسي تم الإعلان عنه في عام 1830.

ويذكر مؤرخو التصوير بأن الرحالة الأوروبيين الذين تجولوا في شبه الجزيرة العربية من أمثال دومينغو باديا ليبيليش والمعروف باسم «علي بك»، وجون لويس بوركهادرت وغيرهما، نشروا مخططات طبعت بطريقة الحفر لمدن جدة وينبع ومكة المكرمة وغيرها من المدن. وكانت تسبق عملية نشر تلك المخططات مرحلة يقوم فيها رسامون محترفون وحفارون بوضع اللمسات الفنية التي يرونها مناسبة على هذه المخططات. وفي أكثر الأحيان كانت هذه الرسوم تختلف عن الرسم الانطباعي الأصلي الذي نقلت عنه. لكن على النقيض من ذلك، فإن الصور الفوتوغرافية في مجملها كانت عبارة عن سجل بصري دقيق لما سجلته عدسة المصور في لحظة معينة من الزمن.

ونجحت مكتبة الملك عبد العزيز العامة بالرياض في اقتناء مجموعة من الصور النادرة لكل من مكة المكرمة والمدينة المنورة بعدسات مصورين عرب وغربيين أثناء رحلاتهم للحرمين والديار المقدسة.

ورأى فيصل بن عبد الرحمن بن معمر، المشرف العام على المكتبة، أن اقتناء هذه الصور وتضمينها في كتاب، يؤكدان النهج الحضاري للمكتبة التي تحظى بدعم ورعاية خادم الحرمين الشريفين الملك عبد الله بن عبد العزيز، لتكون مركزا للحياة الثقافية والفكرية والاجتماعية وملتقى لتواصل الثقافات والحوارات الإنسانية من خلال ما تقتنيه من مصادر معلوماتية متنوعة في مجالات المعرفة المختلفة والحرص التام على جمع الإنتاج الفكري والعربي والأجنبي وتوثيقه بجميع أشكاله، خاصة التراث العربي والإسلامي، ويأتي على رأس ذلك مجموعة الصور النادرة والقديمة لمكة المكرمة والمدينة المنورة والعالم العربي.

ولفت إلى أن مكة المكرمة والمدينة المنورة كانتا محل عناية واهتمام الرسامين والفنانين التشكيليين على مر التاريخ، سواء عن طريق الوصف أو الرسم اليدوي.. حتى دخول عهد التصوير الفوتوغرافي، حيث ظهرت أول مجموعة من الصور عام 1880، ثم توالى المصورون المختلفون في نقل الصورة الحقيقية لمظاهر هذه العناية التي شهدها المسجد الحرام والمسجد النبوي الشريف، مشيرا إلى أن المدينتين الطاهرتين منذ فجر الإسلام حظيتا برعاية المسلمين على مر العصور، سيما في العصر الحديث، حيث قدمت السعودية ـ قلب العالم الإسلامي ـ عنايتها ودعمها الكبيرين وتمثل ذلك في توسعة المسجد الحرام بمكة المكرمة والمسجد النبوي الشريف بالمدينة المنورة.

مصري يلتقط أول صورة للمدينتين المقدستين

* يعود الفضل في التقاط الصور الشمسية الأولى لمكة المكرمة والمدينة المنورة والأماكن الدينية المجاورة للمدينتين، إلى المصري اللواء محمد صادق باشا (1822 ـ 1902).

وتلقى محمد صادق علومه الأولى في القاهرة، ثم التحق بالمدرسة الحربية، وتم انتدابه للسفر إلى فرنسا لمتابعة دراسته العسكرية ضمن أفراد بعثة الجيش الرابعة التي اختارها الكولونيل الفرنسي الملتحق بجيش محمد علي باشا، جان ساف (1788 ـ 1862)، والمعروف باسم سليمان باشا. ضمت البعثة أربعة أفراد، منهم اثنان من أبناء محمد علي باشا، هما عبد الحليم وحسين. واثنان من أبناء إبراهيم باشا، وهما (الخديوي) إسماعيل والأمير أحمد.

والمؤكد أن محمد صادق قد أتقن فن التصوير الفوتوغرافي في فرنسا، كذلك فن رسم الخرائط، وتخرج برتبة مهندس في معهد البوليتكنيك. وبعد عودته إلى مصر عيّن من قِبل سعيد باشا، مدرسا للرسم في المدرسة الحربية في القاهرة، التي كان يديرها المثقف المصري المعروف رفاعة الطهطاوي.

وقام محمد صادق خلال الفترة الممتدة ما بين 1861 ـ 1881، بثلاث رحلات حج إلى مكة المكرمة والمدينة المنورة، وقد سجل مشاهداته وانطباعاته خلال الرحلات الثلاث بشكل دقيق ونشرها على ما يبدو بنسخ محدودة جدا في القاهرة.

وللأسف لم تكن النصوص التي نشرها متوفرة في أية مكتبة عربية أو أجنبية عامة إلى وقت قصير. فعلى سبيل المثال، افتقرت المكتبة الوطنية في القاهرة، ومكتبة وزارة الحربية المصرية، إلى مؤلفات محمد صادق، والمعلومات الوحيدة التي توفرت عنه كانت عبارة عن ثلاثة مقالات باللغة الفرنسية نشرها في مجلة الجمعية الخديوية الجغرافية في القاهرة ما بين 1880 و1881.

وفي عام 1997، تم اقتناء كامل ما كتبه اللواء محمد صادق وما التقطه من صور فوتوغرافية لمكة المكرمة والمدينة المنورة، وما رسمه من خرائط على درجة كبيرة من الدقة والندرة، من قِبل مكتبة الملك عبد العزيز العامة في الرياض. في تلك السنة ضمت المكتبة إلى مجموعتها القيمة المكتبة الخاصة للمستشرق الأميركي جورج رنتز. وكانت هذه المكتبة تحوي كافة كتابات محمد صادق المنشورة عن رحلاته الحجازية، وهي: «نبذة في استكشاف طريق الأرض الحجازية من الوجه وينبع البحر إلى المدينة النبوية، وبيان خريطتها العسكرية» ـ القاهرة 1877، «مشعل المحمل» ـ القاهرة 1880، «كوكب الحج في سفر المحمل بحرا وسيره برا» ـ القاهرة 1884، و«دليل الحج للوارد إلى مكة والمدينة من كل فج» ـ القاهرة 1895.

ولا شك أن المعلومات التي نشرها محمد صادق في كتبه والخرائط التي رسمها والصور الفوتوغرافية التي التقطها أثناء رحلاته إلى الحجاز، كانت ذات أهداف عسكرية بالدرجة الأولى، ويبدو ذلك بوضوح من خلال تركيزه على مواقع الجبال والأودية، وتحديده لمسافات وأماكن نصب خيام الجند، وإعداد العساكر، وأماكن وجود آبار المياه، وغير ذلك. كما أن عنوان كتابه الأول كان واضحا من حيث استهدافاته العسكرية بتضمينه عبارة «بيان خريطتها العسكرية».

والمعروف تاريخيا أن شبه الجزيرة العربية وسورية كانتا في طليعة الأهداف العسكرية لمحمد علي باشا، لذلك استعان الخديوي بضباط أوروبيين وقلدوهم مواقع قيادية في الجيش المصري أثناء حملاتهم العسكرية في سورية وشبه الجزيرة العربية. وكانت المعلومات الجغرافية والخرائط العسكرية التي رسمها الضباط الأوروبيون لمناطق الحجاز ونجد أثناء حملات الجيش المصري في العقد الثاني من القرن التاسع عشر، غير دقيقة. والمثال على ذلك، الخريطة التي رسمها الايطالي جيوفاني فيناتي، الملقب بـ «الحاج احمد»، لذلك تم تكليف محمد صادق بإنجاز الخرائط العلمية الدقيقة لمنطقة الحجاز.

قام محمد صادق برحلته الأولى إلى الحجاز سنة 1861، بمعية الوالي محمد سعيد باشا، ويذكر صادق أن القصد من الرحلة هو «ذكر الاستكشافات العسكرية، وتشخيص الأماكن والمناخات، وتعيين الطرق والمحطات».

أنجز صادق خلال هذه المرحلة خرائط تفصيلية من الوجه إلى المدينة المنورة، كذلك خريطة للحرم الشريف. كما التقط أول صورة فوتوغرافية للمدينة المنورة، ويصف صادق كيفية التقاط الصورة الأولى بقوله: «..وأخذت رسم المدينة المنورة بواسطة الآلة الشعاعية المسماة بالفوتوغرافية مع قبة المقام الشريف جاعلاً نقطة منظر المدينة من فوق الطوبنخانة حسبما استنسبته لكي يحوز جزءا من المناخة أيضا. وأما منظر القبة الشريفة فقد أخذته من داخل الحرم بالآلة المذكورة أيضا. وما سبقني أحد لأخذ هذه الرسومات بهذه الآلة أصلا».

تحدث صادق عن الصعوبات التي واجهها خلال عملية التصوير، معتبرا أن تفاوت درجات الحرارة كان يؤثر سلبا في نوعية التصوير، قائلا «كانت الحرارة داخل الخيمة 28 درجة من الترمومتر الثمانيني (توازي 35 درجة مئوية)، وفي الصباح بلغت الحرارة درجة الصفر داخل الخيمة، في حين خارج الخيمة أربع تحت الصفر، وقارب الماء أن يتجمد».

عاد محمد صادق مرة ثانية إلى الحجاز سبتمبر (أيلول) 1880، بوصفه أمينا للصرة في قافلة المحمل المصري التي كان يقودها اللواء عاكف باشا، والتي ضمت ولي عهد مصر سعيد باشا، برفقة عدد من باشاوات مصر، إضافة إلى حاشية ضخمة من الحراس المزودين بثلاثة مدافع، ومساعدين صحيين وطباخين وسقائين وفراشين وثلاثمائة جمل محمل بمياه النيل والأطعمة التي تكفي حوالي مائتي شخص، ووصف صادق في كتابه «مشعل المحمل»، الذي ضمته انطباعاته طرق الحج ومناسكه، كما وصف وصفاً جغرافياً دقيقاً مكة المكرمة والمدينة المنورة وسرد تاريخ قافلتي المحمل الشامي والمصري. أما بالنسبة لنشاطه الفوتوغرافي فيقول إنه «استطاع التقاط العديد من الصور الشمسية في مكة المكرمة والمدينة المنورة ومنى والبقيع، من بينها صور للأبنية من الداخل ولبعض الشخصيات».

أشار صادق إلى مقبرة مكة (المعلاة)، وقال إنه «رسم منظر المقبرة بالفوطوغرافيا». كما تيسر له التقاط صور للمسجد المكي والكعبة، على رغم كثرة الازدحام ويقول: «تيسر لي أخذ خريطة الحرم السطحية بالضبط والتفصيل، وأخذت أيضا رسم المدينة المنورة بالفوطوغرافيا مع قبة المقام الشريف والخمس منارات. وقد أخذت منظر القبة الشريفة من داخل الحرم، وأخذت صورة سعادة شيخ الحرم وبعض أغوات الحجرة الشريفة وما سبقني أحد لأخذ هذه الرسومات بالفوطوغرافيا أصلا»، وتابع يقول: «وقد تيسر لي رسم مسطح الحرم بالبيان وأخذ رسم منظره من جملة جهات مع ما حوله من البيوت بواسطة الفوطوغرافيا».

وهناك احتمال كبير في أن تكون صورة المدينة التي نشرت في كتاب ديفيد جورج هوغارت بعنوان «اختراق الجزيرة العربية»، والتي يقول هوغارت إن ملتقطها هو «ضابط تركي صورها حوالي سنة 1880..»، من تصوير الضابط علي بك نفسه.

ميدالية ذهبية إيطالية بسبب صور مكة والمدينة

* حصل محمد صادق على ميدالية ذهبية في معرض البندقية الفوتوغرافي سنة 1881، نتيجة لجودة ودقة إنتاجه الفوتوغرافي لمكة والمدينة، اللتين ظهرت صورهما لأول مرة في أوروبا. وقد قام محمد صادق برحلة حج ثالثة وأخيرة في سبتمبر سنة 1884، برفقة المحمل المصري، نشر تفاصيلها في كتابه الثالث بعنوان «كوكب الحج في سفر المحمل بحرا وسيره برا».

لم يشر صادق في هذا الكتاب إلى أية نشاطات تصويرية، لكنه وصف بشكل مفصل الاحتفالات بوصول المحمل إلى جدة، كما وصف لقاءاته مع أمير مكة، وشيخ الحرم المكي، وانتقال المحمل المصري والشامي إلى منى وعرفات، وتحدث عن عادات وتقاليد أهل مكة والطائف وتصرفات البدو وأعداد القوات العثمانية في الحجاز ومواضيع أخرى.

وفي سنة 1895، قام محمد صادق بجمع خلاصة رحلاته الحجازية الثلاث في كتاب واحد بعنوان «دليل الحج للوارد إلى مكة والمدينة من كل فج»، تضمن في ما تضمن إعادة التأكيد على حقيقة كونه أول مَن التقط صورا فوتوغرافية في المدينة ومكة ومنى والبقيع.

تعتبر الصور التي التقطها محمد صادق لمكة والمدينة من أندر وبالتأكيد أول صور فوتوغرافية للمدينتين. وقد استعملت هذه الصور في العديد من الكتب المنشورة في أواخر القرن التاسع عشر ومطلع القرن العشرين، التي يتحدث كتّابها عن المدينة ومكة. وذكر محمد لبيب البتنوني، في كتابه «الرحلة الحجازية»، انه استعمل في كتابه الصور التي التقطها محمد صادق لدقتها، ووضع للحرمين الشريفين رسما نظريا معتمدا على الأبعاد التي وضعها لهما محمد صادق. كما استعمل صبحي صالح في كتابه «الحج إلى مكة والمدينة»، الصادر بالفرنسية في القاهرة سنة 1894، الصور التي التقطها محمد صادق. كذلك المصور الهولندي كريستيان سنوك هيروغرونيه، في كتابه «صور من مكة».

ومُنح محمد صادق أيضا النيشان المجيدي من الصنف الثالث، تقديرا لأعماله التصويرية والجغرافية.

وهنا يجب الإشارة إلى مسألة يجري تداولها وتكرارها من قِبل مؤرخين مستشرقين ممعنين في عدائهم للإسلام وعنصريتهم يلجأون في طروحاتهم إلى تزوير الحقائق واختلاق الأوهام بهدف تثبيت نظرية خاطئة أصلا، هذه النظرية تدعي أن التصوير محرم في الإسلام، حيث إن أحدهم ادّعى أن محمد صادق «اضطر إلى إخفاء آلة التصوير في مكة، بسبب التزمت الديني». لكن هذا الادعاء لم نجد له أثرا في جميع كتابات محمد صادق. وعلى العكس من ذلك، فإن محمد صادق المواطن المصري كلف من قِبل حكومته في رسم خرائط جغرافية للحجاز وتصوير الحرمين الشريفين وانجازاته في هذين المجالين وفي مرحلة متقدمة جدا من تاريخ التصوير الفوتوغرافي في المنطقة العربية دحض واضح لأمثال هذه الادعاءات العنصرية.

هولندي في احتفالات مكة

* كان المستشرق الهولندي كريستيان سنوك هيروغرونيه (1857 ـ 1936)، من ابرز الذين وثّقوا مكة بالصورة بعد محمد صادق. تلقى هيروغرونيه علومه في جامعتي ستراسبورغ وليدن منذ عام 1874، وحصل على شهادة الدكتوراه من جامعة ليدن سنة 1880، التي حملت عنوان «احتفالات مكة»، وشغل منصب أستاذ الدراسات العربية في جامعة ليدن، حيث كان يقوم بتدريس الموظفين والديبلوماسيين العاملين في مستعمرات هولندا في الهند الشرقية.

كانت الحكومة الهولندية ابتداء من عام 1870، قد بدأت بالتركيز على جمع المعلومات عن منطقة الحجاز، وبالتحديد مكة المكرمة وجدة، كونهما بوابة رئيسية لاستقبال آلاف الحجاج المسلمين الإندونيسيين، لذلك أُرسل هيروغرونيه في أغسطس (آب) من عام 1884، إلى جدة، وبدأ بدراسة اللهجة المحلية تمهيدا لذهابه إلى مكة، وبالفعل غادر هيروغرونيه جدة في الواحد والعشرين من فبراير (شباط) 1885، برفقة مسلم من جاوة، ووصل مكة مساء اليوم التالي، أمضى هيروغرونيه ما يقارب ستة أشهر في مكة، اعتنق خلالها الإسلام، وأطلق على نفسه اسم «عبد الغفار»، وتزوج فتاة من جاوة، وبواسطتها اطلع على معلومات كثيرة حول الحج ومناسكه، وعادات المسلمين، والحياة الاجتماعية في المدينة. وخلال إقامته، التقط صورا لمكة وللحجاج القادمين إليها من مختلف أرجاء العالم الإسلامي.

لم يستطع هيروغرونيه زيارة المدينة المنورة، فقد ظهرت خلال إقامته في مكة مقالة في مجلة Le Temps الباريسية لنائب القنصل الفرنسي في جدة، يشير فيها إلى أن الهدف الحقيقي من إقامة هيروغرونيه في مكة هو التوسط لمصلحة الألمان بهدف تأمين الحصول على «حجر تيماء»، الذي عُثر عليه خلال التنقيبات الأثرية، والذي نشأت بسببه في ذلك الحين منافسة قوية بين الأوروبيين بهدف الاستيلاء عليه. وتمت ترجمة المقال إلى التركية والعربية، الذي تسبب في نقل هيروغرونيه من قِبل العسكريين الأتراك إلى جدة، حيث عاد إلى هولندا، وقام بنشر عدة أبحاث عن الحج ومناسكه، كما نشر مجلدين مصورين، الأول بعنوان «أطلس مكة المصور» (ليدن 1888)، والثاني «صور من مكة» (ليدن 1889). ويظهر بوضوح من خلال مؤلفات هيروغرونيه، أن فن التصوير الشمسي لم يكن مجهولا في مكة المكرمة. فهو يذكر انه التقى رجلا من الأشراف كثير الأسفار احضر معه صورا ومعدات تصويرية من جزر الهند الشرقية.

ولم تكن الصور التي ظهرت في مجلدي «أطلس مكة المصور»، و«صور من مكة»، من تصوير هيروغرونيه، فهو يؤكد انه استعمل صوراً قدمها له هدية محمد صادق، الذي يصفه بأنه «ضابط مصري ومهندس شديد الدقة وقام لسنوات طويلة بمرافقة الحجاج المصريين والمحمل بصفة رسمية».

كما يفصح هيروغرونيه عن هوية مصور آخر أسهم بدرجة كبيرة في التقاط العديد من الصور في مكة المكرمة، التي استعملها أيضا هيروغرونيه في المجلدين المصورين، يقول: «إن جل الصور التي نشرها كان التقطها طبيب من مكة المكرمة»، والأرجح أن هيروغرونيه يعني بذلك الشخص نفسه عندما يصف.. طبيبا شديد الحماسة عليما بصناعة الساعات وتصليح البنادق وتقطير الزيوت العطرية وطلي الحلي بالذهب والفضة وعمل الأبواق وصنع القوالب.. ويذكر هيروغرونيه انه بعد الانتهاء من طباعة كتابة المصور الأول، تلقى من «طبيب مكة»، الذي يدّعي هيروغرونيه انه كان قد علّمه التصوير، رسالة تحوي صوراً في غاية الأهمية التقطها خلال موسم الحج، اضطرته لإصدار مجلد مصور آخر هو بمثابة ملحق للمجلد الأول، وذلك سنة 1889. ويختتم هيروغرونيه كلامه عن «طبيب مكة»، بالقول إنه غير ملم بالنواحي العلمية، لكنه سيستحق الثناء لو انه وافق على أن يعمل من حين إلى آخر كما يطلب منه، حيث لا تكون الصور التي أرسلها لتوه آخر تجربة له في هذا الفن.

لم يحدد هيروغرونيه هوية «طبيب مكة»، لكن من المعروف أن هناك العديد من الصور لمكة المكرمة تحمل أوصافا وشروحا باللغة العربية مع عبارة «فوتوغرافيت السيد عبد الغفار. طبيب مكة»، وهنا يكمن التشابه في الأسماء بين عبد الغفار الهولندي، وعبد الغفار طبيب مكة، الذي كشف محمد صادق عن هويته الهندية عندما ذكر في كتابه «دليل الحج» عن لقائه بالمصور عبد الغفار قائلا: «توجهت إلى منزل أحد الأطباء المسمى عبد الغفار أفندي الطبيب، لان الأطباء قليلون بمكة والمشهورين منهم من الهنود. وهذا يشتغل بالطب والفوطوغرافيا، وحضر معي إلى مصر وتعلم صناعة الأسنان من الدكتور فولر الشهير، وأكثر شهرته بمكة المكرمة استخراج الروائح العطرية، كما استحوذ على إذن من الشريف بأن يكون من جملة المطوفين».

ولمع مصور هندي آخر هو أ. هـ. ميرزا، أحد ابرز الذين التقطوا صورا لمكة المكرمة والمدينة المنورة في أواخر القرن التاسع عشر ومطلع القرن العشرين. وكان ميرزا صاحب استديو للتصوير في شاندي شوق في دلهي، وقام بإنتاج صور زينها بشروح وأحاديث باللغة الأوردية، وذلك في ألبومات في غاية الأناقة. والواضح من خلال النصوص التي رافقت الصور، بأن ميرزا كان يستهدف بالدرجة الأولى تسويق صورة للحجاج المسلمين الهنود. ويذكر الرحالة البريطاني وايفيل في كتابه «الحج الحديث إلى مكة»، الذي ضمنه صورا التقطها ميرزا، أنه اشترى الصور من مكتبة تقع في الشارع الرئيسي المؤدي إلى الحرم.

400 صورة في بداية قرن التطور للمدينتين المقدستين

* رافق الانتشار التجاري السريع لآلات التصوير في أواخر القرن التاسع عشر، زيادة في عدد المصورين. ولم يعد هذا الفن حكرا على المصورين المحترفين، بل انتشر بشكل واسع، خصوصا بين قوافل الحجاج المسلمين، سواء من مصر وسورية أو من مصر والهند والأقطار الأخرى. وتعتبر الصور التي التقطها اللواء إبراهيم رفعت باشا في مطلع القرن العشرين، من أقل النماذج التي أنتجت في تلك الحقبة.

تميزت الصور التي التقطها اللواء رفعت في الحجاز، والتي نشرها في مجلدي «مرآة الحرمين»، بنوعية ممتازة. وكان رفعت قد قام برحلته الأولى إلى الحجاز في عام 1901، ويذكر انه كان يتمنى لو انه اصطحب معه مصورا فوتوغرافيا كي يسجل بدقة وأمانة موكب الحجاج، وفور عودته إلى مصر انكب على دراسة فن التصوير، وعندما تم اختياره في عام 1903، لمنصب أمير الحج المصري، قرر أن يحمل معه في رحلته آلة تصوير بهدف التقاط صور لكل ما يراه مناسبا في طريقه، حيث يسهل على كل قارئ لكتبه فهم النص والاطلاع بالعين المجردة على صور مكة المكرمة والمدينة المنورة. وتلت رحلة الحج هذه رحلتان مماثلتان في عامي 1904 و1908، وخلال رحلته الأخيرة حمل إبراهيم رفعت آلتي تصوير، الأولى تلتقط صورا بمقاس 18×12سم، والاخرى بمقاس 12×9سم.

نشر إبراهيم رفعت ما يقارب الأربعمائة صورة في كتابه المؤلف من مجلدين، وحملت الصور المنشورة في الكتاب عبارة «جميع حقوق الطبع والنشر محفوظة للواء إبراهيم رفعت باشا»، وذلك باللغتين العربية والانجليزية، الأمر الذي يؤكد أن المصور قام باستعمال هذه الصور ضمن إطارات تجارية في تلك الفترة. ويذكر اللواء رفعت أن معظم الصور المنشورة في «مرآة الحرمين»، كان قد التقطها بنفسه، ويشير إلى أن ناظر التكية المصرية في مكة المكرمة احمد أفندي صابر، قام بالتقاط صور أخرى نشرت إلى جانب صوره. وكان قد رافق اللواء رفعت في رحلة الحج الأخيرة سنة 1908، صديقه المصور محمد علي سعودي، الذي قام أيضا بالتقاط صور عديدة خلال تلك الرحلة. وألقى إبراهيم رفعت الضوء على نشاطات مصور آخر هو خليل القازاني، الذي قام بتصوير مسجد عروة في المدينة المنورة، ونشرت هذه الصورة إلى جانب صور أخرى من أعماله في كتاب «مرآة الحرمين».

مصورون عسكريون عثمانيون

* والى جانب المصورين الأوائل، نشط مصورون عسكريون عثمانيون في منطقة الحجاز قبل الحرب العالمية الأولى، أمثال المصور العسكري علي بك، الذي ذكر محمد صادق انه التقاه في مكة المكرمة، كذلك اللواء محمد علي الناشط في سنجق المدينة المنورة. والمصور سليمان زهدي الذي أنتج صورا في مطلع الثمانينات من القرن التاسع عشر. وشهد النصف الأول من القرن العشرين تدفق العديد من المصورين والمهندسين إلى معظم أرجاء شبه الجزيرة العربية، وبدأت بالتدرج الصور الفوتوغرافية بالظهور لقرى ومدن نائية بعيدة عن عدسات المصورين.

ولعل أعمال المهندس المصري محمد حلمي الذي جاء إلى مكة المكرمة في بعثة هندسية مصرية، جاءت بناء على طلب من الملك عبد العزيز ـ طيب الله ثراه ـ لإعداد دراسة هندسية شاملة عن الحرمين الشريفين ومعرفة ما يحتاجانه من مشاريع تطوير وهي تعد نموذجا للاهتمام المتزايد بالأماكن المقدسة وبتفاصيلها الهندسية والمعمارية.

 
ارسل هذا المقال بالبريد الالكترونى   اطبع هذا المقال