الثلاثـاء 21 جمـادى الاولـى 1429 هـ 27 مايو 2008 العدد 10773
ارسل هذا المقال بالبريد الالكترونى   اطبع هذا المقال  
 

الحمامات الشعبية المصرية.. تاريخ وطقوس فريدة تتحدى مستحدثات العصر

صاحب «حمام الأربعاء»: لنا زبائننا الذين يبحثون عنا

البهو الداخلي في «حمام الأربعاء» («الشرق الاوسط»)
القاهرة: عبد المنعم زين العابدين
رغم كونها واحدة من سمات عصر مضي منذ سنوات طويلة، إلا ان عدداً من الحمامات الشعبية في القاهرة لا يزال يحمل نبضاً مصراً على البقاء على قيد الحياة، متحدياً مراكز ونوادي وبيوت التجميل العصرية، التي باتت تنتشر في الأحياء الراقية بعاصمة المعز، تبهر روادها بروعة معمارها، وتجذبهم بذاك العبق الذي ينبعث من ثنايا جدرانها التي تحتفظ بالكثير من الحكايات، التي لا تستطيع البوح بها. لا أحد يعلم على وجه اليقين، الفترة الزمنية التي عرفت فيها مصر الحمامات الشعبية، البعض يرجعها الى عهد عمرو بن العاص، حيث يقولون إنه أنشأ حماماً بالفسطاط، وآخرون يرجعونها إلى عهد الخليفة العزيز بالله الفاطمي. إلا أن الشيء المؤكد أن العصر الذهبي للحمامات الشعبية في مصر، بدأ في زمن العثمانيين، حيث كان الأتراك يطلقون عليها اسم «الطبيب الأبكم» لوجود بعض المعالجين الذين كانوا يعملون بها مستخدمين الأعشاب الطبية وبعض الزيوت العطرية لعلاج المفاصل، والالتهابات وبعض امراض الجلد، ولكنهم لم يكونوا من المتحدثين كانوا فقط يعالجون المرضي من دون كلام. ويرجع السبب في إنشاء هذه الحمامات قديماً، إلى أن التجار كانوا يسافرون عن طريق البحر والصحراء مسافات طويلة ومتعبة، ولذلك كان الذهاب إلى هذه الحمامات من أجل الاسترخاء والتخلص من عناء ومشقة السفر حتى ذاع صيت تلك الحمامات التي باتت ملتقى الحكام والتجار وعامة الشعب على حد سواء.

من بين الحمامات الشعبية، التي لا تزال تقاوم وتعمل في مجالها، حمام الأربعاء في منطقة بولاق الدكرور ويقدر عمره بنحو 500 عام، وحمام الملاطيلي في حي باب الشعرية الذي اكتسب شهرة واسعة، لأنه حمل اسم فيلم شهير للمخرج المصري الكبير صلاح أبو سيف، ويعود عمره لأكثر من 580 عاماً، الى جانب حمامات أخرى شهيرة مثل حمام «التلات» و«السلطان» و«العباسية» و«الشراوي» و«المرجوشي» بحي الحسين. محمد إبراهيم المسري، صاحب «حمام الأربعاء»، يفتخر بتلك الحمامات، التي استطاعت كما يقول أن تحمي نفسها من الاندثار والتلاشي، وأن تقاوم كل ما طرأ عليها من أساليب متطورة وحديثة. مشيراً إلى أن لها زبائنها الذين يبحثون عنها، ويحرصون على التردد عليها ليس فقط من اجل الاغتسال، ولكن من أجل الترويح عن النفس والبدن، الى جانب الرغبة في الشفاء من بعض الأمراض مثل الروماتيزم وآلام العظام، كما يقبل عليها الشباب قبل موعد حفلات افراحهم. بالإضافة للأجانب من أوروبا وأميركا وبعض العرب، الذين يزورون مصر ويحبون المجيء للحمامات الشعبية والتعرف عليها عن قرب. وينقسم اليوم في الحمام بين الرجال والنساء، فيبدأ الوقت المخصص للنساء من الساعة 6 صباحاً إلى 4 عصراً يومياً، بينما يكون الوقت المخصص للرجال في الفترة من 6 مساء إلى 6 من صباح اليوم التالي. تبدأ طقوس برنامج الحمام الصحي، الذي يستمر ساعتين، بأخذ حمام ساخن لمدة عشر دقائق، بعدها يتم التعرض للبخار، من أجل فتح مسام الجسم لمدة 15 دقيقة، يعقبها حمام بارد من أجل التخلص من الافرازات والعرق الذي يسد مسام الجلد، بعدها تأتي مرحلة الجلوس في المغطس المليء بالماء الساخن لبعض الوقت، بعدها يتم الاسترخاء على مسطبة من الرخام، ترتفع مترا واحدا عن الأرض، وتجري عليها عملية التدليك، الذي يعقبها دش ساخن بالماء والصابون لمدة ربع ساعة. وبعد الانتهاء من الحمام يفضل تناول مشروب دافئ ووجبة من الفواكه، التي تنعش الجسم. أما السيدات فيتمتعن بالمزيد من الخدمة في حمام السيدات، كما تقول أم عزة المسؤولة عن حمام النساء في حمام الاربعاء، وأضافت لا تزال الكثير من الفتيات في مصر يفضلن الحمامات الشعبية على مراكز وصالونات التجميل، لا سيما في المناطق الشعبية، خاصة عند الاستعداد لليلة الزفاف حيث تدخل العروس حمام البخار، بعد أن تضع طبقات كثيفة من الدهون والعطور والكريمات على جسدها لتتشرب بشرتها وتتغلغل فيها الخلاصات المرطبة بهذه المكونات، التي تساعد على تفتيح البشرة وفتح المسام وإكساب الجسم نعومة ونضارة ولمعانا، بعدها تستحم العروس بالماء البارد ثم تضع على جسدها كله مجموعة من الأعشاب الطبيعية، التي تكون على شكل عجينة الصلصال، وهي مكونة من قشر البرتقال والليمون المهروس وخشب الصندل، وبعض الفواكه ومسحوق الترمس والذرة الممزوج بزيت الزيتون أو السمسم. وتظل على هذا الحال لمدة نصف ساعة، بعدها يتم شطف الجسم بماء الورد الغزير ثم يتعرض للبخور. العاملات بالحمام كما تقول أم عزة، اثنتان تسمى إحداهما «البلانة»، وهي التي تقوم بتحضير المواد والاعشاب للسيدة وتجهيزها بعمليات التدليك وتنظيف الجسد ووضع الحناء، والأخرى يطلق عليها «الماشطة» ويبدأ عملها عقب انتهاء الأولى حيث تتولى تصفيف الشعر وتجميل الوجه.

أما مصدر المياه والبخار في تلك الحمامات، فهو بيت الحرارة، الذي يحوي مغطسا وحوضا ممتلئا بالمياه الساخنة التي تصل اليه عبر بئر للمياه في أسفل الحمام، ويتم تسخين المياه بالمستوقد الذي يوجد بجوار الحمام، الذي يكون غارقاً في سحب البخار المنبعثة من المياه الساخنة. الأدوات المستخدمة في برنامج الحمام بدائية وتقليدية، وفي مقدمتها الحجر الأحمر، الذي يستخدم في كشط وإزالة الجلد الميت من الجسم خاصة القدمين واليدين، وهو يمنح الجلد ملمساً ناعماً، والصابون المصنع من زيت الزيتون، وليفة مصنعة من قطع القماش الخشن لتدليك الجسم وإزالة الجلد والخلايا الميتة.

يتسم بهو الحمامات الشعبية في القاهرة بالديكورات والزخارف الإسلامية الكلاسيكية القديمة والأبواب الضيقة الصغيرة والدهاليز والممرات الضيقة، التي تعمل على توفير الهدوء ومنع التيارات الهوائية والضوضاء عن المكان.

 
ارسل هذا المقال بالبريد الالكترونى   اطبع هذا المقال