الاربعـاء 13 ذو القعـدة 1429 هـ 12 نوفمبر 2008 العدد 10942
ارسل هذا المقال بالبريد الالكترونى   اطبع هذا المقال  
 

الصحراء السعودية.. مرآة الشرق

متعة رياضية ومغامرات مشوقة لا تنتهي

سحر رمال الصحراء يجذب السياح («الشرق الأوسط»)
جدة: دانيا الصبان
تشكل الصحراء برمالها الذهبية أربعة أخماس المساحة الجغرافية للسعودية، الأمر الذي دفع السعوديين للبدء في استكشاف عوالم وأماكن هذا السور الذهبي المحيط بهم من الاتجاهات الأربعة، في شكل يربط بين أصالة الماضي والشكل العصري للحياة عبر برامج جسورة لتشجيع المواطنين والسياح على خوض تجارب جديدة تحت عنوان «السياحة الصحراوية» والتعاطي مع عناصر جذب سياحي فريدة بوجود الواحات والوديان والكثبان الرملية النقية، ناهيك عن تضاريس بكر تتباين معطياتها بين الهضاب والجبال والكهوف الجبلية.

سياحة الصحراء هي سياحة شتوية بامتياز لما تحتويه البيئة البكر للصحارى السعودية من مميزات، سواء كان بتنوعها التضاريسي أو تنوع الحياة الفطرية فيها، مما دعا وكالات السفر والسياحة في السعودية إلى العمل على تنظيم رحلات صحراوية لأماكن متفرقة في السعودية استطاعت بالخدمات والتسهيلات والإمكانات المتوفرة تحويل المناطق الصحراوية إلى منتجعات سياحية مع الحرص على الحفاظ على بيئتها الخاصة، فهد بن محمد الصفح مدير عام المستكشف العربي للسياحة الداخلية وهي شركة تعمل في هذا المجال بشكل خاص يقول «تجذب الصحراء السعودية الكثير من السياح الأجانب والعائلات ورجال الأعمال وضيوفهم وطلاب المدارس والكليات، وعليه فنحن ننظم رحلات متعددة، وخدمات أخرى من ضمنها إقامة المؤتمرات في قلب الصحراء للاستمتاع بالجو العربي الأصيل والدافئ، كما تشمل الرحلات التخييم في البر بمخيمات متكاملة مجهزة بدورات مياه ومكيفة، بالإضافة إلى ممارسة النشاطات والرياضات المختلفة كرياضة التطعيس بسيارات الدفع الرباعي والدبابات الصحراوية والتزلج على جبال الرمال بالإضافة إلى الرحلات الليلة لمشاهدة وتعقب النجوم والكواكب وهواية التنقيب عن الأحجار الكريمة والأحافير في الصحراء بالإضافة إلى استعراض الصيد في البر بالكلاب والصقور».

وحول الوجهات التي يقصدها السياح الراغبون في الاستمتاع بجو الصحراء وسحرها يقول الصفح «هناك عدة وجهات نقوم بتجهيز الرحلات إليها كزيارة حفرة النيزك البركانية والنزول لباطن الحفرة مع البحث عن أحجار الزبرجد الكريمة وتتبع حمم البراكين القديمة والاستمتاع بالتخييم بخيم مجهزة بكافات التجهيزات والشواء، كما نقوم بتجهيز رحلات للعائلات والسياح للممارسة رياضة التطعيس الممتعة بسيارات الدفع الرباعي على التلال الرملية الذهبية في جو بري ممتع ومشاهدة الغروب مع الشواء حول نار المخيم وقضاء ليلة لا تنسى بالإضافة إلى متحف شعبي متنقل عن التراث والسياحة، حيث يحتوي على أركان الحرف والأزياء والتاريخ لكل منطقة من مناطق السعودية بالإضافة إلى الرقصات الفولكلورية».

وأضاف الصفح «نقوم أيضاً بعمل رحلات لزيارة محمية الحياة الفطرية ومركز أبحاثها التي تعتبر ثالث أكبر محمية مسجية في العالم بمدينة الطائف والقيام برحلة سفاري داخل المحمية لمشاهدة النسور الأفريقية وطيور الحباري والغزلان والمها والنعام ودورة حمايتها من الانقراض». وتابع «كما نقوم بتنظيم رحلات لزيارة العيون الحارة وواحاتها الخضراء بوادي الليث مع التخييم بنسيم البر وممارسة الشواء».

ولأن الحديث عن الصحراء لا يكتمل إلا برياضة الصيد والقنص فإن هذه الرياضة تستقطب الكثيرين في ظل حرص منظمي المخيمات وهيئة السياحة على تنظيم مسابقات صيد الصقور التي باتت تخصص لها جوائز كبيرة ومشجعة، من دون أن تتقاطع مع الجهود الرسمية في حماية البيئة الفطرية وإنمائها. يقول عبد الرحمن زيد العصفور مالك مركز القناص للصقور والرحلات السياحية البرية بحائل «يعد أكتوبر (تشرين الاول) موسم هجرة الحباري والكروان والصقور، وهذا يعني انخفاض درجات الحرارة وتحري سقوط الأمطار، وبداية نزوح الناس سياحيا أيضا نحو الصحارى، يمتطون كثبانها بسياراتهم ذات الدفع الرباعي ودراجاتهم نهارا، ويتحلقون في الليل للتدفئة بنيران السمر فوق تلالها يحتسون ما تجود به دلة القهوة وأباريق الشاي والزنجبيل ويتجاذبون أطراف الحديث تارة ويناجون نجوم الصمان تارة أخرى، ويعتبر «الصمان» من أشهر الأماكن وأجود المراعي، حيث تتوفر فيه جميع أنواع حشائش الرعي وهي منطقة واسعة تقع شرق صحراء الدهناء يدعى الجانب الجنوبي الشرقي منها «الصلب» والجانب الشمالي الغربي يدعى «الصمان». وتابع العصفور «كما نقوم بتنظيم رحلات للتجول في الصحراء والمكوث بها، سواء عن طريق الجمال أو السيارات ذات الدفع الرباعي للتعرف على كنوز الصحراء الطبيعية وآثارها خاصة الطريق الذي يربط بين حائل والجوف ولا سيما أنه كان يسلك من مئات السنين وخوض تجربة الاستدلال بالنجوم ليلا والكيفية المثلى للتعامل مع الصقور والصيد بها». وأضاف العصفور «أن السياحة الصحراوية تلقى رواجا بين الأشخاص الذين لم يألفوا أجواءها سواء كان من داخل السعودية أو خارجها». وتعتبر الصحراء السعودية مؤهلة بشكل كبير لأنواع عديدة من الرياضات الصحراوية منها سباقات الرالي للسيارات ناهيك عن وجود المخيمات التي بدأ التخطيط لها بشكل جيد في غضون السنوات الأخيرة، مثل مخيمات الربيع بروضة خريم والغضا بصحراء عنيزة في الشمال السعودي، إلى جانب «ربيع النعيرية» الذي يعد أكثرها شهرة ويقام سنويا في شرق السعودية مستقطبا سياحا من الداخل والخارج خاصة دول الخليج العربي، بسبب موقع النعيرية الجغرافي على الطريق البري، الذي يربط بين دول الخليج وبلاد الشام، الأمر الذي يسهل الوصول إليها من مختلف دول المنطقة».

وفي حين تبدو هذه الرمال للوهلة الأولى شبيهة ببعضها بعضا، يراها المختصون بأسرار الصحراء متباينة ومختلفة بحسب أشكالها المتأرجحة بين القببية والطويلة، فيما تتعانق الرمال الهلالية والنجمية لتنسج قصيدة عشق صحراوية تتغنى بجمال البادية الأمر الذي جعل منها وجهة المستكشفين من علماء الآثار والجيولوجيا وعشاق الصحراء كونها تحتضن عددا كبيرا من الكهوف التي يغلب وجودها في شمال مدينة الرياض على بعد نحو 250 كم».

فسحة التأمل في المدى الواسع التي تتيحها سياحة الصحراء لعشاق الليل العابق برائحة القهوة والمتسلل إليها ضوء القمر، لم تمنع من تناثر بعض الجبال والكهوف والدحول التي شكلت عامل جذب آخر، وفتحت الطرق أمام نوع آخر من الرياضة كانت دائما حكرا على المناطق الجبلية، وهي رياضة تسلق الجبال وقد حصرت منها هيئة السياحة ما يقارب المائة موقع جبلي كأفضل مواقع لهواة التسلق، في حين شكلت كهوف المفاجأة وسلطان والمربع والكهف الصغير متنفسا للمغامرين، والبالغ عددها حتى الآن أكثر من 300 كهف، وتسلق الحبال نزولا إلى باطن الأرض على مسافة تبلغ في بعضها نحو ألف متر.

ويطلق العرب على الفتحة الموجودة في الجبل مسمى غار أو كهف، أما إذا كانت في الأرض فهي الدحل، وهو عبارة عن فتحة طبيعية أو تجويف في باطن الأرض يتسع لدخول إنسان ومن تجويف صغير واحد يستطيع الداخل الجلوس أو الوقوف به حتى العديد من التجاويف المتشابكة وغير المتشابكة الصغيرة والكبيرة ومئات الأمتار من الممرات المتصلة وغير المتصلة والمتعجرفة وقد تضيق بحيث لا يستطيع الدخول بها إلا زحفا.

وتأتي أهمية وجود هذه الكهوف كمعلم صحراوي سياحي، يصنف من الدرجة الثانية أمام الرمال، أهم تفصيل نسجت منه ثقافة الصحراء التي تحظى السعودية منها بنصيب الأسد، حيث تشكل تضاريسها الصحراوية 3 من أكبر الصحاري العربية وهي الدهناء والنفوذ وبحر الرمال الكبير «الربع الخالي» الذي يعد أكبر فضاء صحراوي في العالم، خرجت من بين طيات كثبانه الرملية أساطير الأبطال وحكايات كنوز جسدتها مناجم الذهب والنحاس وغيرهما من المعادن والأحجار الكريمة.

تعتبر الدحول أو الكهوف والغارات الصحراوية في السعودية واحدة من أجمل وأروع المناطق السياحية الطبيعية في قلب الصحراء، وقد أصبحت أخيرا مقصدا للكثير من الرحلات البرية السياحية ولهواة الاستكشاف والبحث في أعماق الصحراء لما يجدونه من متعة في رؤية تلك الحجرات السوداء والمتاهات المعقدة المليئة بأشكال غريبة ذات جمال مبهر، حيث تكونت ببطء على مدى مئات السنين.

 
ارسل هذا المقال بالبريد الالكترونى   اطبع هذا المقال