السبـت 21 ذو الحجـة 1429 هـ 20 ديسمبر 2008 العدد 10980
ارسل هذا المقال بالبريد الالكترونى   اطبع هذا المقال  
 

وفاة مارك فيلت «صاحب الصوت العميق» في فضيحة «ووترغيت»

أشهر مصدر مجهول في التاريخ الأميركي بقي سرا حتى قرر الكشف عن هويته عام 2005

مارك فيلت مع ابنته في منزله بسانتا روزا بعد إعلان اسمه بوصفه المصدر الرئيسي في فضيحة ووترغيت (رويترز)
واشنطن: باتريشيا سوليفان وبوب وودوارد *
توفي أمس مارك فيلت مساعد مدير مكتب التحقيقات الفيدرالية في فضيحة ووترغيت، الذي اشتهر بلقب «صاحب الصوت العميق» وأصبح أشهر مصدر مجهول في التاريخ الأميركي، عن عمر يناهز 95 عاما. وتوفي في الساعة 12:45 ظهرا في مستشفى بالقرب من منزله في سانتا روزا في كاليفورنيا، حيث كان يقيم منذ شهر أغسطس (آب).

وقالت ابنته جوان فيلت ان والدها «كان في حالة جيدة هذا الصباح، و«كان يمزح مع معالجه». وأضافت في حوار عبر الهاتف أن والدها تناول إفطاره بالكامل قبل أن يقول إنه يشعر بالتعب ثم خلد إلى النوم. وعندما كان ثاني أكبر مسؤول في مكتب التحقيقات الفيدرالية تحت قيادة المدير إدغار هوفر، والمدير المؤقت باتريك غراي، اعترض فيلت على محاولة إدارة نيكسون للتقويض من تحقيقات المكتب في مجموعة الجرائم والعمليات السرية التي تعرف باسم فضيحة ووترغيت، والتي أدت في النهاية إلى استقالة الرئيس ريتشارد نيكسون.

وأرشد في سرية مراسل جريدة «واشنطن بوست» بوب وودوارد، حيث كان هو وزميله كارل برنستين يتابعون قصة اقتحام مقر اللجنة الوطنية للحزب الديمقراطي في مباني ووترغيت الإدارية عام 1972، وما تكشف بعد ذلك عن حملة إدارة نيكسون من أعمال تجسس وتخريب ضد أعدائها السياسيين.

وأصر فيلت على البقاء مجهول الهوية، أو في «الخلفية المظلمة». ولقبه محرر في صحيفة «واشنطن بوست» بـ«صاحب الصوت العميق». وعُرف أمر المصدر، دون الإشارة إلى هويته، في كتاب وودوارد وبرنستين الذي صدر عام 1974 «كل رجال الرئيس»، وفي نسخة الفيلم الذي تناول القصة، لعب الممثل هال هولبروك دور المصدر الكاريزمي الغامض.

وكان فيلت، ذو الشخصية الجريئة وصاحب السلطة الذي اشتهر بصرامته، ينفي بشدة على مدار أعوام أنه «صاحب الصوت العميق»، على الرغم من أن نيكسون اشتبه فيه منذ البداية. وصرح فيلت لمجلة «واشنطونيان» عام 1974: «لم يكن أنا وليس أنا». وقد أمر نيكسون غراي بفصل فيلت، ولكن غراي لم يفعل مطلقا اقتناعا منه بنفي فيلت. واستغل فيلت موضوعا نشرته صحيفة «واشنطن بوست» ولم تذكر فيه أنه المصدر. وفي خطوة جريئة، أدان الموضوع في مذكرة داخلية وأمر بإجراء تحقيق في تسريب المعلومات. وأمر بتعجيل التحقيقات. وفي اليوم التالي، دون ملاحظة في مذكرة أخرى مرت على مكتبه، أشار فيها إلى أحد المدّعين كمصدر للتسريب. وكتب وودوارد في كتابه «الرجل الخفي: قصة صاحب الصوت العميق في قضية ووترغيت» عام 2006: «لقد أثار إعجابي. هذا الرجل يعرف ما يفعل. وكانت المذكرة غطاء فعالا له، لقد كانت أفضل طريقة سرية للاستخبارات المضادة. فلم يكتف بأنه شرع في إجراء تحقيق في واقعة التسريب، ولكن بدا أن فيلت كشف النقاب عن المسؤول عنها».

وفي 30 مايو (أيار) عام 2005، كشفت أسرة فيلت عن هويته في مقال نشر في مجلة «فانتي فير». ولم يوضح المقال، الذي كتبه جون دي أوكونور، المحامي من سان فرانسيسكو، لماذا اعترف فيلت الذي كان يعاني من الضعف الذهني في ذلك الوقت، بهويته بعد أكثر من 30 عاما. وأكد وودوارد الأمر، وتم الإفصاح عن السر أخيرا. لا يتخيل كثير من الناس أن مثل ذلك الموظف المستقيم في عمله، والمشهور بتنفيذ أكثر قوانين مكتب التحقيقات الفيدرالي صرامة، يمكن أن يخوض تلك اللعبة الخطرة. وعلى الرغم من أن «صاحب الصوت العميق» كان بطلا للثقافة المضادة والمدافعين عن الحقوق المدنية وخصوم نيكسون، لم يكن فيلت صديقا لليسار السياسي. وفي عام 1980، أدين فيلت بتهمة الموافقة على عمليات اقتحام من أجل التنصت على أسر وأصدقاء أعضاء جماعة «ويذر أندرغراوند» المتطرفة. وعفا عنه بعدها الرئيس رونالد ريغان.

وفي كتابه «هرم مكتب التحقيقات الفيدرالي من الداخل»، الذي نشر عام 1979 وشارك في تأليفه مع الكاتب المحافظ رالف توليدانو، أيد فيلت تجسس هوفر على القس مارتن لوثر كينغ أثناء فترة إدارة جون إف. كنيدي. وعارض قرارات غراي بتعيين سيدات كوكلاء لمكتب التحقيقات الفيدرالي، وتخفيف قواعد الزي وتسهيل القيود على وكلاء مكتب التحقيقات الفيدرالي. وقد بدأ فيلت عمله عام 1942، وجاء من مكتب التحقيقات الفيدرالية لمكافحة الجريمة التقليدي. وكشف عن جاسوس ألماني في الولايات المتحدة وطارد لصوص بنوك، وعلى مدار أعوام كان يتزعم فرقة تراقب أداء العملاء الميدانيين. وبعد أن نال ترقية ليصل إلى منصب نائب مساعد المدير عام 1971، وكان يشتهر بأنه مؤيد متشدد لهوفر.

ولا أحد يعرف تحديدا ما الذي دفع فيلت لتسريب المعلومات عن التحقيق في ووترغيت للصحافة. ولكنه تم تخطيه في منصب مدير مكتب التحقيقات الفيدرالية بعد وفاة هوفر عام 1972، وهي خيبة أمل مهنية مدمرة. وعندما أخبر فيلت أوكونور قائلا: «أنا الرجل الذي كانوا يلقبونه بـ«صاحب الصوت العميق»، كان يعاني من الضعف جراء سكتة دماغية، وكانت ذاكرته عن تلك الفترة قد اندثرت تقريبا بسبب مرض الزهايمر. وفي كتابه الذي نشر عام 2006 مع أوكونور «حياة عميل في مكتب التحقيقات الفيدرالي»، أعرب فيلت عن غضبه من مسؤولي البيت الأبيض الذين حاولوا التدخل في تحقيقات المكتب الفيدرالي. وكتب فيلت وأوكونور: «من المستحيل المبالغة في حجم المخاطر التي كانت في قضية ووترغيت. لم نواجه عملية سطو بسيطة، ولكن هجوما على المؤسسات الحكومية، على وحدة مكتب التحقيقات الفيدرالية، وضغوطا مستمرة من أجل حل لغز أكبر الفضائح السياسية في تاريخ أمتنا. منذ البداية، كان من الواضح تورط مسؤولين رفيعي المستوى في تلك الفوضى إلى حد كبير، ولم يكن هناك ما يمنعهم من إفساد تحقيقاتنا. وكان مسؤولو البيت الأبيض، كبار وصغار، إما يهربون أو يمتنعون عن التعليق. وقد جذبوا وزارة العدل ووكالة الاستخبارات في عملية التستر. واستعانوا بالمدير القائم بالعمل في مكتب التحقيقات الفيدرالي، المعين سياسيا، ليطلعهم على المعلومات التي نصل إليها ويحاول أن يقيد التحقيقات... لا يمكنني بالفعل أن أصف على نحو ملائم مدى سوء ذلك الأمر. حيث كنا نحاول كمحققين الكشف عن الحقيقة، ولم نتمكن من الاعتماد على محققي وزارة العدل أو حتى المحلفين الفيدراليين الكبار من أجل توجيه الاتهامات. كل ما كنا نحتاج إليه هو «لون رينجير»، أو بطل غامض وحيد يمكنه تخطي مدير المباحث الفيدرالية المنتقى من قبل الإدارة، وقيادة وزارة العدل، ويوقف تستر البيت الأبيض على القضية».

وقد تعرف فيلت، الذي أطلع على جميع أوراق قضية ووترغيت، على وودوارد مصادفة في البيت الأبيض عام 1970، عندما كان وودوارد في الخدمة البحرية. وبعد أن أصبح وودوارد صحافيا، ساعده فيلت في خبر عن محاولة اغتيال في مايو (أيار) عام 1972، ضد جورج والاس جونيور، حاكم ولاية ألاباما الذي يؤمن بالعزل العرقي عندما كان يرشح نفسه في انتخابات الرئاسة.

وبعد 17 يونيو (حزيران) عام 1972، تاريخ اقتحام ووترغيت، أخبر فيلت وودوارد أن البوست يمكنها أن تكتب بأمان عن صلة تربط بين المقتحمين وعميل الاستخبارات السابق الذي يعمل في البيت الأبيض هوارد هانت. وبعد عدة أشهر، قدم فيلت معلومة مهمة وأكد عليها، مخبرا وودوارد أن هناك خبرا «أقوى بكثير» من الخبر الأول يربط بين لجنة حملة الرئيس نيكسون وبين الاقتحام، وأنه على أساس صلب. وكانت أهم المواجهات بين وودوارد ومصدره تلك التي وقعت في 8 أكتوبر (تشرين الأول) عام 1972. ففي ساعة متأخرة في موقف انتظار مهجور في روزلين، أعطى فيلت صورة أشمل عن الفضيحة مما كان وودوارد وبيرنستين يتخيلان. وكتب وودوارد وبرينستين في «كل رجال الرئيس»: «في أمسيات مثل تلك، تحدث صاحب الصوت العميق عن كيفية توغل السياسة في جميع أرجاء الحكومة، والقبضة القوية التي تسيطر على الهيئات من قبل البيت الأبيض بإدارة نيكسون... وقد وصفها مرة بـ«العقلية الحادة»، وأشار إلى استعداد رجال الرئيس للدخول في صراع قذر والاستمرار فيه للأبد».

وحث فيلت وودوارد على استكمال القضية إلى أقصى مداها: إلى المدعي العام السابق في إدارة نيكسون جون ميتشيل، وإلى دائرة مقربي نيكسون بوب هالدمان وجون إيرليخمان، وحتى نيكسون ذاته. وتطلب الأمر نشر الكثير من الموضوعات الصحافية، وإجراء العديد من التحقيقات في مجلسي النواب والشيوخ، والكشف عن نظام التسجيلات السري في المكتب البيضاوي، وإقالة مدع خاص، وفتح باب الاتهامات، واكتشاف التسجيل الذي اعتبر دليلا دامغا قبل استقالة نيكسون في 9 أغسطس (آب) عام 1974.

وقد حصلت صحيفة «واشنطن بوست» على أعلى وسام للشرف الصحافي، بنيلها جائزة «بولتزر» عام 1973 للخدمة العامة من أجل تحقيقاتها في قضية ووترغيت. وتم تخطي فيلت في منصب مدير مكتب المباحث الفيدرالية للمرة الثانية عام 1973، وتقاعد من العمل في المكتب في فصل الصيف من العام نفسه. ولكنه عاد إلى المشهد العام خلال عام 1978، عندما أدين هو ومسؤول رفيع المستوى في مكتب التحقيقات الفيدرالي إدوارد ميللر بسبب تسع عمليات اقتحام غير قانونية في نيويورك نيوجيرسي وقعت عامي 1972 و1973.

وصرح فيلت أنه وافق على اقتحام منازل أقارب هاربين من جماعة «ويذر أندرغراوند» اليسارية المتطرفة، معتقدا أنه يعمل وفقا لموافقة مدير المكتب. وفي تلك الفترة كان فيلت على وشك أن يفصح عن هويته السرية. فلدى سؤال المحلفين له، أشار في شجاعة إلى أنه كان مشتبها في أن كونه المصدر السري في فضيحة ووترغيت. وسأله أحد المحلفين ما إذا كان الأمر كذلك بالفعل. فبهت لونه ونفى، حسب رواية مساعد وزير العدل ستانلي بوتينغر، الذي ذكره بأنه يتحدث تحت القسم، وعرض عليه سحب السؤال غير المتعلق بالقضية، فوافق فيلت.

وفي يوم إدانته عام 1980، أخبر الصحافيين: «لقد أمضيت حياتي أعمل لصالح الحكومة، وكنا أحاول دوما أن أفعل ما أراه صائبا ويحقق أفضل منفعة لهذه البلاد ويحافظ على أمنها».

وبعد عدة أشهر، عفا الرئيس ريغان عن كل من فيلت وميللر. وبسبب التساؤلات حول حالة ذاكرة فيلت عام 2005، ليس من الواضح ما إذا كان هو أو أوكونر قد ذكرا ذلك في كتابه الأخير: «سيختلف الناس لفترة طويلة حول ما إذا كنت قد فعلت الصواب بمساعدتي لوودوارد. النتيجة النهائية هي أننا كشفنا عن الحقيقة كاملة، أليس ذلك هو العمل المفترض أن يقوم به مكتب التحقيقات الفيدرالية؟».

* خدمة «واشنطن بوست» ـ خاص بـ«الشرق الأوسط»

 
ارسل هذا المقال بالبريد الالكترونى   اطبع هذا المقال