السبـت 12 جمـادى الثانى 1430 هـ 6 يونيو 2009 العدد 11148
ارسل هذا المقال بالبريد الالكترونى   اطبع هذا المقال  
 

الخرطوم.. عاصمة الجسور

ارتبط كل جسر بذكرى وبعضها كان معبرا للانقلابات العسكرية

منظر لجسر «توتي» المعلق («الشرق الاوسط»)
الخرطوم: كمال إدريس
الخرطوم، «العاصمة المثلثة» للسودان كيان حضري يتمثل فعليا بثلاث مدن كبرى هي: أم درمان العاصمة الوطنية للبلاد، والخرطوم العاصمة السياسية والإدارية، والخرطوم بحري العاصمة الصناعية. وكان سكان «المدن» الثلاث يتنقلون بينها عبر النيلين الأبيض والأزرق، وكذلك النيل الرئيسي الذي ينتج عن التقاء النيلين عندها بواسطة المراكب الشراعية والبواخر النيلية. وظل الوضع على هذا الحال حتى مطلع القرن الماضي حين شيد «كوبري النيل الأبيض» الرابط بين الخرطوم وأم درمان، و«كوبري النيل الأزرق» الرابط بين الخرطوم والخرطوم بحري. ولاحقا شيد جسر ثالث هو «كوبري الزعيم الأزهري» ـ تكريما للرئيس الاستقلالي الراحل إسماعيل الأزهري ـ بين الخرطوم بحري وأم درمان، في عهد الرئيس الراحل جعفر النميري خلال عقد السبعينات من القرن الماضي. غير أنه بعد وصول عدد الجسور إلى ثمانية، توقف العمل على بناء المزيد منها لأسباب تتصل بالتمويل. ولكن هذا التوقف لن يطول. إذ يؤمل أن تحتضن العاصمة السودانية جسرين جديدين خلال الأشهر القليلة المقبلة ليقفز عدد الجسور إلى 10 تربط بين مدن «العاصمة المثلثة»، للتخفيف من الاختناقات المرورية التي تنوء بها الطرق. وهذا مع أن الخطط لم تراع الزيادة المطردة في عدد السيارات الجاري استيرادها يوميا بمعدل 50 ألف سيارة في العام، ويتركز 80 في المائة منها في العاصمة.

الملاحظ في الجسور الجديدة الاهتمام الواضح بالجوانب الجمالية والخدمية، تسندها في ذلك المباني الحديثة التي أخذت تغير في وجه العاصمة السودانية، بعد الاتجاه لتغول الغابات الأسمنتية على الغابات الطبيعية بطريقة غير مسبوقة. وفي حوار لـ«الشرق الأوسط» مع المهندس أسامة عبد السميع، مدير إدارة الطرق والجسور بولاية الخرطوم، أشار إلى أن تكلفة «جسر المك نمر» الرابط بين مدينتي الخرطوم والخرطوم بحري بطول 800 متر بلغت 30 مليون دولار، في حين بلغت تكلفة «جسر توتي» المعلق، وطوله 300 متر، 15 مليون دولار، وهو آخر الجسور التي شيدت أخيرا.

وتابع عبد السميع، «أما عن الجسرين الجديدين، فإن الولاية ستحتفل بافتتاح «كوبري الحلفايا» الرابط بين الخرطوم بحري وأم درمان في ديسمبر (كانون الأول) المقبل، وهو بطول 900 متر وبتكلفة 30 مليون يورو، مع توقع افتتاح أكبر الجسور وهو «أم حراز»، الممتد فوق النيل الأبيض بطول 1600 متر والبالغة تكلفته 50 مليون دولار خلال العام المقبل». هذا، وأدت حركة تشييد الجسور قفزات مقدرة في أسعار الأراضي البيضاء، بعدما كانت تباع بأسعار زهيدة، وكان إقبال المغتربين السودانيين على هذه الأراضي سببا آخر للارتفاع الكبير في أسعارها، خاصة أنهم يعتبرونها ادخارا متميزا بعد تذبذب أسعار الذهب كملاذ آمن لمدخراتهم، الأمر الذي رفع قيمة الأراضي بنسبة 1000 في المائة.

من ناحية ثانية، وفقا لمصادر رسمية، يبلغ متوسط كثافة السيارات على الكيلومتر الواحد في بعض طرق الخرطوم ذات الكثافة العالية 170 سيارة. علما بأنه لا يتجاوز طولها 790 كيلومترا من جملة طرق العاصمة البالغ طولها الإجمالي ثلاثة آلاف كيلومتر، وهذا يعني أن الخرطوم ماضية لتكون إحدى أكثر المدن اختناقا ما لم تتخذ سلطات الولاية التدابير الكفيلة لانسياب هذه السيارات.

على الجانب الآخر، ارتبط اسم «الكوبري» (أو الجسر) في السودان بعدة معان تقود للتمرير، منها عمليات السمسرة والمضاربات المالية في الأسواق. فهي تعني انتقال الفوائد بين الأفراد في صفقات البيع والشراء بطريقة التراضي بين طرفين، كما تعني تمرير عمل قنطرة لتمرير فريق رياضي على آخر، أو تمرير الكرة بين أرجل لاعب ما. وقد أطلق الاسم على لاعب كرة قدم سابق تخصص في هذا الأداء، أو قد يكون «الكوبري» تواطؤا غير مشروع بين فريقي ناديين رياضيين لإسقاط فريق ثالث أو لتحقيق مآرب محددة. وبالطبع، أكثر المستفيدين من هذه الحالات ناديا القمة الهلال والمريخ في إطار التنافس الحصري بينهما للفوز بالبطولات.. وتذهب ضحيتها الأندية الصغيرة.

كذلك ارتبطت «الكباري» أو الجسور في الخرطوم بالانقلابات العسكرية. لذا يلاحظ الوجود الدائم للحراسات عليها، كما أن لكل منها قصة، فالجسر الرابط بين مدينتي رفاعة والحصاحيصا، طال انتظاره كثيرا حتى فقد أهل المنطقة الأمل في تشييده فأخذوا يرددون «الكوبري لن يقوم حتى يوم القيامة» لكن الرئيس السوداني في حفل الافتتاح قال لهم «يقوم الكوبري ولو باقي نصف ساعة على القيامة!».

أما «كوبري الإنقاذ»، الرابط بين الخرطوم وأم درمان، فكاد أن يكون سببا في زوال ما عرف بـ«حكومة الإنقاذ»، عندما دخلت عبره قوات «حركة العدل والمساواة» بقيادة الدكتور خليل إبراهيم متوجهة نحو القصر الجمهوري في أحداث غزو أم درمان خلال العام الماضي في معركة سميت بـ«معركة الجسر».

 
ارسل هذا المقال بالبريد الالكترونى   اطبع هذا المقال