الاربعـاء 02 ربيـع الاول 1431 هـ 17 فبراير 2010 العدد 11404
ارسل هذا المقال بالبريد الالكترونى   اطبع هذا المقال  
 

الدغيس: تبادلنا أخبار التحقيقات وأشعار غوانتانامو عبر المواسير ومن أسفل أبواب الزنزانات

سجين ليبي عائد من غوانتانامو لـ«الشرق الأوسط»: 3 من حراسي جاءوا إلى لندن ليعتذروا.. واثنان دخلا الإسلام * زرعوا بيننا جواسيس في صورة «مجاهدين»

الليبي عمر الدغيس يتحدث عن سنوات سجنه الست في معسكري أوسكار والخامس بغوانتانامو (تصوير: حاتم عويضة)
محمد الشافعي
يعتبر الليبي المقيم في بريطانيا عمر الدغيس سنوات سجنه الست في معسكري «أوسكار» و«الخامس» بغوانتانامو كانت في سبيل الله، ولا يضمر اليوم في نفسه أي شيء ضد سجانيه، ويعتبر تلك الأيام نوعا من الابتلاء.

ويروي في لقاء أجرته معه «الشرق الأوسط» في لندن ظروف فقد البصر من عينه اليمنى في المعتقل، وقال إن ثلاثة من حراسه الأميركيين جاءوا إلى لندن للاعتذار إليه بعد أن خرجوا من الخدمة، عن ممارساتهم بحق المساجين حسب قوله، وأوضح أن اثنين منهم دخلا الإسلام و«أعلنا توبة صادقة نصوحا لا رجعة فيها». وأضاف: «قدمناهم إلى عدد من الجامعات البريطانية تحدثوا فيها عن تغييب الضمير الإنساني في غوانتانامو وما يرتكب هناك من انتهاكات بحق المساجين المسلمين». قال عمر الدغيس إنه لا يزال يتذكر الرؤيا أو الحلم الذي رآه في قاعدة باغرام الأميركية في أفغانستان، وهو معسكر قاس على النفس والبدن بحسب الدغيس، وفيها شاهد أقفاص غوانتانامو ذات الأسلاك الشائكة وشاهد الزنازين كل منها تطل على الأخرى، ولكنه لا يستطيع الخروج منها على الرغم من أن مفتاح الزنزانة في جيب سترته، ولم يستطع تفسير الرؤيا إلى أن قصها بعد ثلاث سنوات في غوانتانامو على زميله السعودي في الزنزانة المجاورة وهو محمد الزهراني، الذي بترت إحدى قدميه، حيث فسر له الرؤيا على أن «المفتاح هو دعاء الله عز وجل، لأنه يحمل في جنباته الفرج القريب». ويقول الدغيس: «اجتهدت في الدعاء ليلا ونهارا فهو مخ العبادة، وجاء الفرج بعدها بشهور». وعمر الدغيس الذي يبلغ اليوم من العمر نحو 40 عاما، يتذكر تاريخين مهمين في حياته؛ يوم أن اعتقل في أبريل (نيسان) 2002 في مدينة لاهور الباكستانية حيث جاءت سرية أمنية باكستانية كاملة يرتدي أفرادها البزات السوداء ويغطون وجوههم وحاصروا منزله حيث كان يعيش مع زوجته الأفغانية وطفله الصغير، وبعض أفراد عائلة الزوجة الذين جاءوا في زيارة، ثم داهم الأمن الباكستاني منزله بحثا عن أسلحة واقتادوه إلى مركز التحقيقات حيث تعرف على صنوف من التعذيب وفق روايته، ولم ير زوجته الأفغانية منذ ذلك الحين ولا طفله الذي بات عمره 8 سنوات، حتى اليوم، على الرغم من أن الطفل يعيش في دبي، لكنه حتى الآن ممنوع من السفر لأنه ما زال ينتظر الحصول على وثائق سفر بريطانية، حتى يلتئم شمله مع ابنه سليمان، ولكن ما يسعده اليوم هو أنه يستطع التحدث إلى ابنه بالعربية والفارسية والأوردو والبشتو، واللغات الثلاث أجادها من والدته الأفغانية التي كانت، حسب وصفه، نعم المعين لابنه خلال سنوات أسره في باكستان وأفغانستان وغوانتانامو. ويتذكر الدغيس التحقيقات معه التي لم تنقطع في لاهور وإسلام آباد لمدة شهرين قبل نقله إلى معسكر الأسر سيئ السمعة في باغرام بأفغانستان ثم نقله إلى غوانتانامو. ويقول الدغيس إنه لم يستسلم لليأس ولا انكسرت عزيمته، بل هو اليوم يصف ما عاشه بتفاصيل تنم عن سلامة عقله وقوة ذاكرته على الرغم من الجراح والآلام، لكن حادثة واحدة لن ينساها أبدا. يقول الدغيس إنه لا يتذكر الألم الشديد الذي عاناه عندما تسبب أحد حراس المعتقل في فقد البصر من إحدى عينيه، وكان السبب احتجاجه هو وبعض رفاقه على تعريضهم لنمط جديد من الإهانة يلزم المعتقلين بنزع سراويلهم والتجول داخل المكان بملابس داخلية فقط في معسكر «روميو»، وردا على ذلك الاحتجاج قيده الحراس بالسلاسل وشدوه وضربوه قبل أن يخضعوه لتلك العملية التي لا يمكن وصف ألمها. ويصف الدغيس ما حل به ذلك اليوم قائلا: «لم أكن أدرك ما كان يحدث لي حتى أحسست بأصابع تحفر داخل عيني، كنت أحس ببرودتها، عندها عرفت أن شخصا ما يريد اقتلاع عيني من محجريهما». وعندما سحب يديه، يقول الدغيس: «أتذكر أنني لم أكن أرى شيئا على الإطلاق، فقد فقدت الرؤية كليا في كلتا عيني»، وبعد ذلك ألقاه سجانوه في زنزانته وماء عينيه يتدفق منهما، وفق روايته.

وقد عادت الرؤية لعينه اليسرى بينما لا تزال عينه اليمنى عمياء، وبعد عامين من إطلاق سراحه يقول إنه مجبر على أن يعيش بقية حياته مع ظلام وقتامة غوانتانامو، خاصة أنه لا تزال هناك أمور كثيرة تذكره بهذا المعتقل، أهمها كون المعتقل لا يزال مفتوحا حتى الآن، وكون الدغيس نفسه لا يريد أن ينساه بل يحرص على فضح المزيد مما دار بداخله، حسب قوله. ويعتبر الدغيس كل أيام غوانتانامو مرة علقم، باستثناء شيء واحد قد يكون الحسنة الوحيدة التي استفاد منها مع عدد من زملائه من المساجين المسلمين وهي حفظ وتجويد القرآن الكريم «على يد عدد من زملائنا المساجين المتفقهين شرعيا من السعودية وليبيا» حسب قوله، مشيرا إلى أن إدارة المعسكر أدركت انشغال الشباب الصغير بالقرآن أكثر من التحقيقات، أي إنها فشلت في غسل عقولهم وإلهائهم عن ربهم، حسب رأيه؛ فكانت تسحب المصاحف منهم، وتعيدها إليهم مرة أخرى بعد الاحتجاجات. وقال: «وضعوا قيادات طالبان من حكام ولايات ووزراء بجانب العرب، واستفادت عناصر طالبان من العرب في انفتاحهم على المذاهب الفقهية الأخرى من دون تعنت». ويشير إلى أنه على الرغم من التعذيب والأيام الصعبة «فقد برز عدد من شعراء غوانتانامو مثل البحريني سلمان البلوشي، وأشعاره تتحدث عن العزة المفقودة ومحنة الأسر، وكذلك السعودي ياسر الزهراني واليمني ناصر محمد علي الابي والسعودي مانع العتيبي، وثلاثتهم انتحروا»، وقال: «كنا نتبادل أشعار محنة الأسر بيننا». وتنقبض ملامح وجهه وهو يتحدث عن معسكر «أوسكار» داخل غوانتانامو الذي قضي فيه معظم أيامه في الحبس الانفرادي، ويقول إنه معسكر كئيب على النفس، فأرضيته من الحديد، والخرسانة باردة، وممنوع ارتداء الشباشب فيه بعد أن سحبها الحراس، والتكييف عال جدا، والضوء مبهر على مدار الساعة. إنها أدوات شيطانية الهدف منها حرماننا من النوم». وقال الدغيس لـ«الشرق الأوسط» إنه كان يقضي الشهر كاملا في معسكر «أوسكار»، ثم يفرجون عنه وينقلونه إلى معسكر «دلتا» لمدة يوم واحد، ويعيدونه مرة أخرى إلى «أوسكار»، حتى يكونوا ملتزمين بتعليمات اتفاقية جنيف للتعامل مع الأسرى.

وقال إن إدارة المعسكر زرعت بيننا جواسيس في صورة «مجاهدين»، وكان منهم شاب عراقي وآخر سوري وآخر باكستاني لجمع المعلومات وإشاعة الخوف في نفوسنا وبث الإشاعات بين المساجين، وتثبيت قصص معينة بين المساجين، وقد اعترفوا لنا أنه قد تم تجنيدهم في باغرام بأفغانستان قبل نقلهم إلى غوانتانامو. وعلى الرغم من المحاذير المفروضة على المساجين بعدم التواصل فيما بينهم، فإن الدغيس يقول إن العلاقة لم تنقطع بين المساجين في المعسكرات شديدة الحراسة: «كنا نتحادث مع بعضنا بعضا عبر المواسير أو بالصراخ من أسفل الأبواب أو عبر شيفرة خاصة للتواصل.. وكنا ننقل أخبار التحقيقات إلى بعضنا بعضا. وكان من يرفض التعاون في التحقيقات أو يرفض الخروج من زنزانته كان يتعرض للضرب المبرح، وقد تعرضت شخصيا للضرب أكثر من 30 مرة، ولكني كنت أتفوق عليهم، بأن أهرب من داخل الزنزانة الضيقة إلى الممر، وفي إحدى هذه المرات نلت من ضابط كبير، ولكنهم كبلوني وطرحوني أرضا واعتدوا علي. إن الحراس كانوا يخافون الدخول إلى الزنزانات لأنهم كانوا يعتبرون المساجين إرهابيين أو مصاصي دماء، كان الرعب يرتسم على وجوههم قبل تقييد أي سجين لأنهم لا يستطيعون توقع ماذا سيحدث لهم». ويتحدث عن مواطنه ابن الشيخ الليبي (عبد العزيز الفاخري) الذي سلم إلى ليبيا ولقي حتفه في سجن بوسليم في طرابلس العام الماضي، فيقول: «كنت أتجول في الجامعات البريطانية بعد إطلاق سراحي من غوانتانامو، وكنت أتخوف على حياته هناك»، ويشير إلى أن ابن الشيخ الليبي اعترف تحت التعذيب في دولة عربية بقيام عملاء عراقيين بتدريب عناصر قيادية في تنظيم القاعدة على استخدام الأسلحة البيولوجية والكيماوية، وكانت تلك الاعترافات «ركنا محوريا» بالنسبة لإدارة الرئيس الأميركي السابق، جورج بوش، في تبرير غزو العراق عام 2003، وشهادته وفرت مبررا لغزو العراق. وكان وزير الخارجية الأميركي الأسبق، كولن باول، قد استغل مزاعم ابن الشيخ الليبي في كلمته في مجلس الأمن الدولي قبل أسابيع قليلة من غزو العراق، وذلك كدليل على الروابط بين نظام صدام حسين، وتنظيم القاعدة الإرهابي المسؤول عن هجمات الحادي عشر من سبتمبر (أيلول) 2001، التي استهدفت نيويورك وواشنطن. غير أن ابن الشيخ الليبي عاد بعد الغزو وسحب أقواله، فيما لم يتم العثور على أي دليل يدعمها، كما أفادت لجنة الاستخبارات في مجلس الشيوخ الأميركي عام 2006، بحسب الدغيس. وتحدث أيضا عن مشاهد مؤذية من إلقاء نسخ القرآن الكريم في المراحيض من قبل الحراس الأميركيين. والدغيس هو أحد خمسة سجناء من مواطني بريطانيا طلبت بريطانيا من الولايات المتحدة الأميركية إطلاق سراحهم، بعد سنوات من رفض الحكومة البريطانية التدخل لأنهم لا يحملون جوازات سفر بريطانية، ويتذكر لحظة الإفراج عنه في ديسمبر (كانون الأول) 2007 مع الأردني جميل البنا والجزائري سيمور عبد النور، والأخير، بحسب الدغيس، أحواله سيئة لأنه بعيد عن أهله وممنوع من العمل، حيث يعيش اليوم في لندن. ويتذكر أيضا الأيام الصعبة التي عاشها متنقلا بحلقة إلكترونية في قدمه لأنه كان يعيش بعد عودته تحت ظروف «الإقامة الجبرية» لعدة أشهر، ولكنه اليوم يشكر ربه لأن ظروفه تحسنت، فقد حصل على إقامته البريطانية، وحصل على شهادة القانون، ويشغل وقته اليوم في مؤسسة «غوانتانامو من أجل العدالة» من أجل الدفاع عن حقوق زملائه الآخرين، ومحاولة تأمين سفر 10 ليبيين إلى دولة ثالثة، وكذلك عدد آخر من المساجين يتخوفون من العودة إلى أوطانهم، حسب قوله. ويتذكر زميليه أبو بكر الريمي وفارس الدرناوي، وكلاهما عاد اختياريا إلى ليبيا قبل أربع سنوات، ولكنهما لا يزالان في السجن، وتحدث عن 40 سجينا لا يريدون العودة إلى بلادهم مثل المصري عبد الرحمن الجزار وشريف المصري، وآخر مصري فقد عقله كان يعيش في البوسنة. ورفع الدغيس قضايا تعويض ضد الجنرال ميلر القائد العسكري السابق للمعسكر الذي كان يسيء معاملة المساجين، وكان يذكر جنوده بهجمات سبتمبر قبل الدخول إلى عنابر السجناء، وقضية أخرى ضد الرئيس الباكستاني السابق برويز مشرف المقيم في بريطانيا حاليا لأنه سلم عددا من العرب المقيمين في بلاده إلى السلطات الأميركية. وعن تحسين الخدمة في غوانتانامو مثل قائمة طعام المساجين ومكتبة تزدان بأمهات الكتب كما تقول إدارة معسكر غوانتانامو، قال إن «المحامي كلايف ستافورد سميث شاهد وجبة طعام قدمت لي، ودهش من أصناف الطعام، لكن بعد أن أثار المحامون قضية الطعام تحسنت الوجبات بعد ذلك، أما المكتبة وما يدعونه من أن أحب الكتب إلى المساجين المسلمين هو كتاب (هاري بوتر)، فهي أشبه بحرب نفسية، لأن الكتب كانت بها صور نساء عاريات، والمقصد منها إثارة مشاعرنا وغيظنا».

التعليــقــــات
عمر الدغيس، «المملكة المتحدة»، 17/02/2010
انا لم اقل ان السجناء الثلاثة انتحروا بل قلت قتلوا
علي محمد، «فرنسا ميتروبولتان»، 17/02/2010
الله يحي الدغيس ورفاقه انهم صبروا وصابروا واجرهم عند الله وامثالهم لهم الجنة ان شاء الله
محمد بن اسماعيل المصري، «مصر»، 17/02/2010
كنت أتمنى أن يتفضل الأخ الكريم بذكر نماذج صريحة واضحة لما لاقاه من تعذيب بدني ونفسي على أيدي الأمريكان خلال فترة اعتقاله، وحبذا لو تكرم وذكر لنا الظروف المعيشية ووصف الزنازين والرعاية الطبية و..... و.... لا لشيء وانما لحاجة في نفس يعقوب
سيف، «الامارت العربية المتحدة»، 18/02/2010
الله يحيك سيد عمر ورفاقه على صبرهم بس ممكن اسالك كان في جواسيس عرب وسوريين
 
ارسل هذا المقال بالبريد الالكترونى   اطبع هذا المقال