الخميـس 29 صفـر 1422 هـ 24 مايو 2001 العدد 8213
ارسل هذا المقال بالبريد الالكترونى   اطبع هذا المقال  
 

التراث والحداثة وتجربة النحت على الخشب

محمد غني حكمت لـ «الشرق الأوسط»: لماذا يطلب من الفنان العربي ان يكون مثل الفنان الأوروبي أو الأميركي

بغداد: نصير النهر
اذا كان هناك نحاتون درجوا على استعارة اشكال من الماضي، ثم قاموا بالتوزيع عليها، فإن محمد غني حكمت ليس واحدا منهم، فقد استطاع ان يرسخ اتجاها خاصا يميزه عن غيره.

وهو لا يزال يتذكر كيف كان ينحت اشكالا وتماثيل من الطين اواسط الاربعينات، بعد ان جلب له اخوه من باريس ادوات نحت كاملة كهدية له.

يقول عن ذلك:

أخذت أشتغل تماثيل بورتريت، فعملت تمثالاً لابنة أخي، وهو الآن في مركز صدام للفنون، وكذلك تماثيل لابن اخي وجيراني واصدقائي. وقتها كنت اقوم بنقل حرفي للوجوه وجمعت منها اعداداً كبيرة، وقبل فترة من اكمالي الدراسة المتوسطة وجدتني أستأجر (ربلا) وهو عربة يجرها حصانان واحمل بها خمسة من التماثيل واذهب بها إلى حيث لجنة قبول الطلبة في معهد الفنون الجميلة، وهناك التقيت لأول مرة الفنان فائق حسن وعميد المعهد شريف محيي الدين والفنان حقي الشبلي الذين اعجبوا بما وضعته امامهم من اعمال، لكنهم طالبوني ان انهي دراستي المتوسطة ليتسنى قبولي في المعهد.

ويعترف محمد غني حكمت ان تلك كانت هي البداية التي جعلته ينظر إلى النحت نظرة حب محاطة دائماً بالاسرار ومرتبطة بالارض وما عليها.

* لا شك انك حظيت باهتمام مدرسيك في المعهد؟

ـ لست وحدي في ذلك، فقد درستنا نحاتة انجليزية هي «مس لويد» زوجة الاثاري «سيتين لويد» كانت تأتي لنا بنماذج من المتحف العراقي، ومن هنا تحررت من البورتريت الذي كان يمثل بداياتي. وفي السنة الثالثة كان من حسن حظنا ان درسنا «جواد سليم» الذي يعد أبا النحت العراقي وأول مدرس عراقي للنحت عندنا، فقدمت له البوما من اعمالي فشجعني واحتضن طاقاتي، وصرت من اصدقائه والمقربين اليه في ما بعد، وكنت معه حين اسس (جماعة بغداد للفن الحديث) من اصدقائه وزملائه وطلابه.

الأساطير العراقية في روما

* بماذا كانت تهتم جماعة بغداد؟

ـ هذه الجماعة اهتمت بفكر واضح يتمثل في العناية بالموروث الحضاري وان علينا ان ندرس الفن العراقي والعربي ونقدمهما بشكل حديث ملائم للعصر. الكل تبنى هذه الفكرة، ومن هنا اصبح في اعمالنا موضوع وفكر ووجهة نظر ورأي. لم يعد عملنا هو البورتريت.

ومع بداية الخمسينات حيث كانت الظروف الصعبة، كنا نخوض تجربة تقديم اعمال ذات مواضيع محلية مثل: (الجندي الهارب) و(الحمالون) و(تهريب المواد الغذائية) و(الفلاحة) وغيرها.

* بين ما ارادته منك «مس لويد» وبين دراستك في ايطاليا، ماذا كانت الحصيلة؟

ـ نعم، كما ارادت «مس لويد» من طلابها ان يواظبوا على زيارة المتحف، رحت ازور المتحف باستمرار، ومن هنا درست النحت القديم واستوعبت الاعمال الموجودة في المتحف، وعندما حصلت في هذه الاثناء على بعثة إلى ايطاليا ورحت ادرس هناك لم انس موجودات المتحف ولم انس وصايا مس لويد.

في روما تعلمت دراسة الجسم الانساني مثل أي درس جديد، كما تعلمت كيف يكون النحت على المرمر والبرونز وصب الاوسمة ايضاً، واكتسبت معلومات تقنية متكاملة لا يمتلكها غالبية النحاتين، وفي روما اتيح لي مجال العمل اذ حصلت على مشغل خاص بي ومنه تمكنت ان انظم اربعة معارض شخصية لمنحوتاتي في عموم ايطاليا وان اشارك في عشرين معرضاً مشتركاً مع فنانين ايطاليين وعالميين، وذاك كله خلال فترة الدراسة. كما توفرت امامي فرصة عمل ثلاثة ابواب لمدخل كنيسة في فراجينه قرب روما ضمنتها مواضيع مأخوذة عن قصة المسيح والسيدة العذراء، وهذا ما أثار ضجة اذ كنت اول فنان مسلم ينحت الكنائس في روما.

* ألم تتأثر بموجات النحت الحديثة هناك؟

ـ وأنا في روما واظبت على دراسة الاساطير العراقية عن طريق الكتب، وكنت محظوظاً ان استاذي الايطالي «ميكيل كوريرزي» كان يحثني على ان اهتم بالموروث الحضاري لبلدي، وكان يقول انك من احفاد مبدعي النحت في العالم نحاتي وادي الرافدين السومريين والبابليين والاشوريين. هذه الكلمات حزت في نفسي واثرت فيَّ كثيراً وهي التي جعلتني اعتمد على تكوين شخصيتي واسلوبي بعيداً عن التأثر بموجات النحت الجديدة.

وبالفعل، وفيما كنت في روما انجزت العديد من التماثيل ذات الموضوع الاسطوري العراقي، وتمثالي في ساحة كهرمانة في بغداد «علي بابا والاربعين حرامي» انما ولد في روما بينما تنفيذه جرى في بغداد.

تدريس النحت

* يقال انك التقيت جواد سليم مجدداً، لكن في روما؟

ـ نعم.. فلقد كتب لي وأنا في روما ثم جاء اليها واستقبلته باعتباره استاذي وصديقي وفي مشغلي الخاص هناك عمل نموذجاً مصغراً لـ (نصب الحرية) المعروض حالياً في واجهة حديقة الامة في بغداد، ثم طلب من الحكومة آنذاك ان اكون مساعداً له في انجاز النصب وتمت الموافقة فسافرنا إلى فلورنسا وسكنا في بيت واحد لمدة سنة ونصف السنة وعملنا يومياً من الصباح حتى المساء حتى اكملنا العمل، وعاد به إلى بغداد بينما مكثت في فلورنسا، وهناك علمت انه اثناء تعليق قطع تماثيل النصب اصابته ازمة قلبية بقي على أثرها ثلاثة أيام في المستشفى بعناية اصدقائه الاطباء. ثم كان قدره ان يموت، وجواد سليم لم يمت بل بقي حياً من خلال اعماله الخالدة.

* انجازك ثلاثة ابواب لكنيسة في روما، يبدو انه لم يكن العمل الوحيد عن حياة السيد المسيح؟

ـ قبيل حرب عام 1991، كلفتني الكنيسة الكاثوليكية في بغداد بعمل نحت لقصة السيد المسيح (درب الآلام).. وعندما باشرت بالتخطيطات الاولية للموضوع بدأت القنابل والصواريخ تنهمر على بغداد، وأنا في مشغلي حيث انقطعت وسائل الخدمات والهواتف والكهرباء والماء والمواصلات، لكني باصرار تمكنت من تخطيط المراحل الاربع عشرة من (درب الآلام)، فكنت وأنا ازاء هذا المشروع امام دربين من الآلام اولهما قصة المسيح وثانيهما قصف مدينتي بغداد. العمل الآن موجود في كنيسة الصعود في بغداد الجديدة يتمثل في 14 لوحة من الحجر كل واحدة منها بارتفاع مترين وعرض متر واحد حيث اضحى العمل مزارا للمسيحيين والمسلمين على حد سواء فالكل يجد فيها دروباً تجسد آلامه وهمومه.

* نعود إلى استلهام الماضي كيف تفهمه؟

ـ اعتقد انه يفترض بأي فنان ان يكون مرتبطاً بماضيه اراد أو لم يرد، انا مثلاً اجد ان قدري هو ان اكون نحاتاً في بلد مثل العراق، وكان من المحتمل ان اكون نسخة اخرى لنحات سومري أو بابلي أو آشوري أو عباسي كان يحب بلده. الفنان يجب ان يعمل بصدق لما يحسه وليس كما يطلب الآخرون وعليه ان لا يكون نسخة من فن جديد باسم (الحداثة)، انا اؤمن بما احسه، وما دمت مرتبطاً بهوية، اذن فمن الطبيعي ان اهتم بموروثي الحضاري.انا لا افهم لماذا يطلب من الفنان العربي والعراقي ان يكون مثل الفنان الاوروبي أو الأميركي، لماذا لا يكون الاوروبي والأميركي مثلنا، فنحن نمتلك حضارات قديمة والعراق ومصر من اوائل من اسس فكرة النحت بالوجود ثم جاء الفن العربي الاسلامي ليؤسس فكرة التجريد في الفن.

* قدمت اعمالاً كثيرة في الخارج، إلى أي مدى استطعت ان تقلص الفاصلة بين الفن الاوروبي والفن العراقي؟

ـ انا لا أفصل بين ما هو عربي واوروبي، يبقى الفن فناً اذا كان متكاملاً وجميلاً ومحترماً.. وانا لا اتحدث امام الاوروبي بلغة عراقية عامية، انما اتحدث معه باللغة الرفيعة سواء بالعربية أو بلغته هو وأعني بهذا (التكامل الفني).

النحت العراقي بخير

* الخشب والزجاج والبلاستيك مواد اكتسبت اهمية الحجر في النحت، أي المواد تجدها الاكثر طواعية في التعبير وتميل إلى العمل عليها؟

ـ الخشب، ذاك لاني نحات انحت واستخرج ما اريد نحته من الكتلة وهو اسلوب يميل إلى النحت العراقي القديم وهي طريقة (كارفنك) بينما هناك طريقة اخرى هي (مودلينك) تعتمد على تشكيل الشيء شيئاً فشيئاً حتى يكتمل وهو ما يميز الاعمال البرونزية.

* كيف ترى طرق عرض المنحوتات، الا ترى ان الشوارع والساحات العامة بصخبها تقتل حالة التأمل لدى المشاهد؟

ـ اولاً انا ميال للفن الذي يعطي فرصة لمشاهدته من قبل اكبر عدد من الناس، لكني افضل ان تكون الفضاءات مهيأة للمشاهد بحيث تعطي الفرصة للانسان كي يقف ليتأمل العمل بهدوء وليس في وسط ساحة تحيطها مئات السيارات، غير ان اغلب الناس يفضلون الساحة العامة لما لها من صفات اعلامية. والحقيقة ان وضع تمثال في ساحة عامة سيعزل العمل عن الناس وطالما اقترحت نصبها في المنعطفات والزوايا الفارغة على الارصفة الفسيحة وحتى المناطق الشعبية، ثمة فراغات هنا وهناك يمكن استغلالها.

* برأيك، هل النحات العراقي يتواصل في هذه المرحلة مع الحركة العالمية في النحت؟

ـ اعتقد ان النحت العراقي بخير، بالرغم من أن هناك انحساراً عالمياً في النحت كما هناك انحسار عالمي في الشعر. ومع ذلك وبالرغم من ظروف العراق تمكن النحاتون، خاصة الشباب منهم أن يتخذوا مواقعهم كنحاتين للمستقبل لا مثيل لهم في العالم العربي.. فقط هم بحاجة إلى فرص للخروج للاطلاع أو الدراسة.

* برأيك.. كيف كانت تأثيرات الحصار وانعكاساته على عمل النحات الإبداعي؟

ـ النحاتون بشر، بعضهم فنانون وبعضهم نحاتون وحسب، وكل له درجة من التأثر بالمصائب. هناك نحاتون عالميون مرت بلدانهم بأزمات وكوارث، بعضهم عبر عن تلك الازمات، وسجلوها كوثيقة ادانة ضد قوى الشر وآخرون لم يأبهوا لذلك.

عموماً فالنحات العراقي كأي مواطن عانى الأمرين من آثار ومساوئ الحصار.

المرأة

* تحضر المرأة كثيراً في نتاجك بأشكال مختلفة. كيف ينظر محمد غني حكمت للمرأة، وماذا تعني لديه؟

ـ المرأة أتخذها دائماً رمزاً للامومة، للارض، للوطن، طموحاتي وأماني أجسدها من خلال امرأة، ولهذا فأنا من انصار المرأة ومن الذين يحترمون المرأة، لهذا لم تأت في تماثيلي ولم انحتها على اساس (حسي) فلم اظهر مفاتنها كبضاعة ولم استخدم جسدها سبيلاً للاثارة وكل اعمالي تؤكد اني اقدم المرأة رمزاً للذكاء، واتعامل معها على هذا الأساس.

لقد اكتشفت من خلال ما درسته من رسوم لشهرزاد ان الفنانين ينظرون لها مثل جارية أو امرأة من الدرجة الثانية مستلقية تحت اقدام الملك، لكني في عملي ابرزت العكس، اعطيتها اهمية جعلت من شهريار الرجل المستسلم لافكارها وقدراتها وملكتها. خذ مثلاً آخر، ففي عملي (علي بابا والاربعين حرامي) عمدت إلى حذف علي بابا من العمل وكنت في ذلك ارمز لذكاء علي بابا ودهائه من خلال المرأة. وهكذا فأنا استخدم المرأة في مواقف احاول ان اتعرض فيها إلى الذكاء الانساني.

* هل هناك مشاريع تأمل تحقيقها ولم نشاهد نماذج لها هنا؟

ـ لدي مشاريع عدة، لكنهم يعدونني بتنفيذها ثم يؤجلون عملية التنفيذ وأنا واقع في دوامة (التأجيلات) هذه..

ومن بين هذه المشاريع التي وضعت تخطيطاتها (مصباح علاء الدين) وطلب مني انجازه على شكل نافورة و(بساط الريح) كنافورة ايضاً، وتمثال (السندباد) وكلها اعمال اتمنى ان انفذها لمدينتي بغداد.

محمد غني حكمت ـ سيرة ذاتية:

ولد في بغداد عام 1929، وتخرج في معهد الفنون الجميلة عام 1953، ثم عين في اكاديمية الفنون كأول مدرس للنحت 1962 حتى احال نفسه على المعاش عام 1997.

سافر إلى ايطاليا عام 1955، ودرس فيها حتى عام 1961 فتخرج في مدارسها بشهادات في النحت والسيراميك والميداليات وصب البرونز.

عايش رواد الفن في العراق، وعمل مع جواد سليم على تنفيذ نصب الحرية.

كان عضو جماعة بغداد للفن الحديث وجمعية الفنانين العراقيين واللجنة الوطنية للفنون التشكيلية، وجماعة البعد الواحد، وجماعة الزاوية.

وضع محمد غني مفردات جديدة في تدريس النحت في اكاديمية الفنون الجميلة لأول مرة في العراق كالنحت على الحجر، والطرق على النحاس، والنحت على الخشب، وصب البرونز.

حاضر عن النحت العراقي في تونس، دمشق، الاردن، موسكو، تورنتو في كندا، وواشنطن، ولوس انجليس، وسان فرانسيسكو وايطاليا وبلجيكا.

نفذ اعمالاً فنية في اوروبا (روما ـ باريس ـ صقلية) وفي راشانا لبنان. وله في ساحات بغداد عدة نصب منها (المتنبي ـ شهرزاد ـ شهريار ـ مرجان ـ عشتار ـ المنصور ـ حمورابي) وبلغ عدد النصب في العراق وخارجه (40) نصباً.

توزعت معارضه الشخصية بين مدن لندن وعمان وبيروت ومدن ايطالية وأميركية وبلغ عدد معارضه الشخصية (21) معرضاً سواء التي اقامها داخل العراق أو خارجه، بينما فاق عدد المعارض التي اشترك فيها الخمسين معرضاً في عدة دول.

 
ارسل هذا المقال بالبريد الالكترونى   اطبع هذا المقال