الجمعـة 26 رجـب 1423 هـ 4 اكتوبر 2002 العدد 8711
ارسل هذا المقال بالبريد الالكترونى   اطبع هذا المقال  
 

الشعب التركي وأزمة الانتماء

عبد الرحمن إبراهيم الصنيع *

تعود أزمة انتماء الشعب التركي إلى مرحلة الشيخوخة التي كانت تمر بها الدولة العثمانية وهي فترة ما قبل انهيارها كخلافة إسلامية في زمن السلطان عبد الحميد الثاني الذي تمت الإطاحة به في 28 ابريل 1909م، وأثناء مرحلة الشيخوخة كانت الدول الأوروبية بزعامة كل من بريطانيا وفرنسا وإيطاليا وعلى مستوى أقل اليونان قد تحالفت مع يهود الدونمة للقضاء على الخلافة الإسلامية وذلك من خلال تفكيك الإمبراطورية العثمانية، التي حكمت العالم الإسلامي لأكثر من أربعة قرون، ولتتقاسم ممتلكاتها في ما بينها مقابل إنشاء دولة يهودية في قلب العالم العربي على أرض فلسطين. وبالفعل تم لهم تحقيق ذلك بعد إنشاء دولة تركية علمانية بتاريخ (1923/10/29)، محالفة للغرب برئاسة القائد العسكري مصطفى كمال أتاتورك، الذي أول ما قام به هو إلغاء الدين الإسلامي وعدم اعتباره الدين الرسمي للدولة الجديدة، وتحويل الكتابة التركية من الأحرف العربية إلى استخدام الأحرف اللاتينية أسوة باللغات الأوروبية. تم كل ذلك في خلال شهرين من استلامه السلطة، أي قبل انتهاء عام 1923. بعض المؤرخين يشكّكون في أصله التركي ويدعون بأنه ألباني وربما من أصل يهودي!. منذ بداية مرحلة الشيخوخة للدولة العثمانية في عهد السلطان عبد الحميد وحتى الآن، يبدو للعيان وبشكل ملحوظ، أن الشعب التركي يمرّ بأزمة انتماء ديني وأيديولوجي وإثني (عرقي أو قومي). وبمعنى آخر، أن اول ما يسترعي انتباه الزائر أو السائح إلى تركيا عندما يتحدث إلى بعض أفراد الشعب وبطريقة عشوائية، سواء في الفنادق أو المطاعم أو المقاهي أو المتنزهات، هو أن الشعب التركي غير متجانس من حيث الانتماءات. وان هذه الانتماءات في حد ذاتها متباينة ومتباعدة وتوجد فوارق شاسعة ولا تجمع بينها أي روابط مشتركة. ويمكن تقسيم الشعب التركي من حيث الانتماءات إلى أربع شرائح رئيسية هي: أولا الشريحة العلمانية، وتنتمي إليها ـ مع الأسف الشديد ـ نسبة عالية من الشعب التركي تتراوح ما بين (%60 إلى %70)، والسبب في ارتفاع هذه النسبة هو أن أكثر من (%95) من الشعب التركي ولد وشبّ وترعرع بعد قيام ثورة أتاتورك ولذلك تأصلت في عقولهم مبادئ الفكر العلماني من خلال الوسائل التعليمية والثقافية والإعلامية. وكما هو معلوم، ان من أسس الفكر العلماني هو فصل الدين عن الدولة، وضمان حرية الأديان لكافة أفراد الشعب، وإلغاء تدريس الأديان في المدارس، وتطبيق القوانين الوضعية بدلاً من أحكام الشريعة الدينية (الإسلامية) في المحاكم القضائية، ومقاومة تشكيل الأحزاب الدينية في البرلمان. الشريحة العلمانية في تركيا لا تمثل القاعدة الكبرى فحسب، بل الشريحة الأقوى، وذلك لأنها مسنودة ومدعمة من قبل الحكومة، وأيضاً الجيش الذي يكنّ الولاء والإخلاص لقائدة الثورة التركية وفكره العلماني. الأمر الذي يثير السخرية حقاً، هو أن الشريحة الكبيرة والقوية التي تنتمي إلى الفكر العلماني تحاول بذل قصارى جهدها للانضمام الى دول الاتحاد الأوروبي، وقبل ذلك كانت تحاول الانضمام الى دول شمال الحلف الأطلنطي (الناتو) وتم لها ذلك في عام 1952، وبالطبع لو لم تكن المصلحة الأولى للغرب في انضمام تركيا الى الحلف لما قبلوا ذلك، وخلال انضمامها الى الناتو لم تحصد تركيا أي فائدة تذكر، بل على النقيض حينما قامت تركيا بعدة محاولات لمنع اليونان من مساندة القبارصة الأورثوذكس اليونانيين، في جنوب الجزيرة، من بسط نفوذهم وسيطرتهم على القبارصة الأتراك المسلمين في شمال الجزيرة، كان حلف الناتو يقف بالمرصاد للتحركات التركية. ولقد قدم الأتراك العلمانيون، وما زالوا يقدمون، كثيرا من التنازلات والتسهيلات (ولدرجة المذلّة) إلى الغرب من أجل أن ينالوا رضاءهم في تحقيق أضغاث أحلامهم!!. ولكن، الأمر المخزي حقاً، أنه بالرغم من كل ذلك، لم يتمكن العلمانيون من إنجاز أي شيء ولا حتى الجزء اليسير من طموحاتهم البعيدة المنال. إن إصرار العلمانيين على ضرورة انضمامهم إلى الاتحاد الأوروبي، هو أمر يثير الحيرة والتعجب حقاً، لأنه بالنظر إلى الخريطة نجد أن جزءا بسيطا يشكل حوالي %5 من مساحة تركيا الذي يقع في قارة أوروبا وهو شبه جزيرة جاليبولي والتي تقع بين بحر إيجه في الشمال ومضيق الدردنيل في الجنوب، أما الجزء الأكبر الذي يشكل حوالي %95 من مساحة تركيا، فيقع في قارة آسيا، ولذلك الاسم التاريخي القديم لها هو آسيا الصغرى!!. وإن كل ما يواجهه الأتراك العلمانيون من رفض وإذلال، هو في حدّ ذاته معضلة لا يفقه أسبارها وأغوارها إلا بعض المثقفين منهم والذين يؤمنون بإحدى النظريات التي يعتبرونها حقيقة علمية وينسبونها إلى علم الأنثروبولوجيا (علم الإنسان)، وهذه الحقيقة مفادها: أن جميع الشعوب التي تقطن القارة الأوروبية تعود جذورها العرقية إلى الشعب الآري وموطنه تركيا. على أية حال، السبب في فشل العلمانيين الوصول إلى مآربهم هو أن الغرب، وعلى وجه التحديد دول الاتحاد الأوروبي، يعلمون علم اليقين أن تركيا بتبنيها الفكر العلماني ومهما بلغ حماسهم وولاؤهم للعلمانية، لا يُمكنها بأية حال من الأحوال الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي. ولأن الأوروبيين على يقين تام بأن كيان أي دولة، مثل كيان الإنسان، له ماض وحاضر ومستقبل. أما بالنسبة لماضي تركيا (آسيا الصغرى آنذاك) فيذكرهم بماض مرير حافل بالحروب الطاحنة التي أدت إلى سقوط روما في القرن الخامس الميلادي وإقامة الدولة البيزنطية على أنقاضها. هذا بالإضافة إلى أن الغرب يؤمن إيماناً كاملاً بأن الدولة العثمانية لعبت دوراً كبيراً في اعتناق الإسلام لدى بعض الشعوب الأوروبية حول منطقة البلقان وجنوب شرقي أوروبا مثل يوغسلافيا السابقة (أقاليم البوسنة والهرسك، وكوسوفو، والجبل الأسود) وألبانيا ورومانيا وهنغاريا (المجر) وغيرهم، وأن الحروب التي اندلعت في تلك المنطقة هي بسبب الوجود الإسلامي. أما بالنسبة لحاضر تركيا فإن دول الاتحاد الأوروبي ترى أمام أعينها المناوشات والصراع القائم منذ عام 1955م، وحتى الآن، بين تركيا واليونان حول جزيرة قبرص، حيث، وكما ذكرنا، الأتراك يناصرون المسلمين في الشمال، واليونانيون يساندون المسيحيين الأورثوذوكس في الجنوب. أما مستقبل تركيا فإنه يبدو للأوروبيين مبهما وهلاميا وفي نفس الوقت متناقضا (بارادوكسال)، بمعنى آخر كيف لدولة مثل تركيا والتي تعتنق الغالبية العظمى من شعبها (أكثر من %98) الإسلام ديناً، وتعتبر عضواً رسمياً في منظمة العالم الإسلامي، أن تحاول حتى التفكير بالانضمام إلى الاتحاد الأوروبي الذي يعتنق معظم شعبه الديانة المسيحية؟!..

ثانيا: الشريحة الإسلامية، تعتبر الشريحة الثانية من حيث النفوذ والتعداد السكاني، لأنه تنتمي إليها العرقيات المختلفة وأكثرهم ينتمون إلى العرقية التركية!، وهذه الشريحة تؤمن بأن تركيا حكومة وشعباً تنتمي إلى الأمة الإسلامية وأنها جزء لا يتجزأ منها وأنها كانت تحكم العالم الإسلامي لعدة قرون، وأن العلمانية توغلت في النسيج التركي بفعل مؤامرة منظمة ومدبرة من الغرب للقضاء على الدولة العثمانية، وبالتالي اضعاف شوكة الإسلام. ومن هذا المنطلق فإن الشريحة الإسلامية تبذل جهوداً حثيثة لتوسيع قاعدتها الشعبية وذلك من خلال تبنيها لليقظة الإسلامية وإحياء تراثها، خاصة وأنه تقريباً لا تخلو منطقة في جميع أنحاء الأراضي التركية من المعالم والآثار التي تذكر الشعب التركي بانتمائه الإسلامي، هذا بالإضافة إلى أن الوثائق والمخطوطات الإسلامية، في المكتبات والمتاحف، يبلغ عددها أكثر من مائة ألف. لذلك نجد أن الشريحة الإسلامية تحاول بقدر ما تستطيع أن توسع من نشاطها لإثبات حقيقة الوجود والانتماء الإسلامي للشعب التركي، وخير شاهد على ذلك محاولاتهم في تشكيل حزب إسلامي قوي، عن طريق التحالف مع الأحزاب والقوى الأخرى في البرلمان، إلا أنها تواجه مقاومة شديدة لا سيما من العلمانيين.

ثالثا: شريحة القومية التركية، أنصار هذه الشريحة يعتبرون أنفسهم البديل للشريحة العلمانية ويعتبرون أتاتورك هو لينين أو ماو تسي تونج الشعب التركي، وبمعنى آخر انهم يعتقدون بأن أتاتورك أنشأ الدولة التركية الحديثة على أسس التوجه نحو إحياء القومية التركية والعمل على ازدهار ثقافتها وتراثها وانفصالها عن العالم الإسلامي، والحفاظ على استقلاليتها وكامل سيادتها على أراضيها وتبنيها للفكر الاشتراكي في توجهها الاقتصادي، وتكوين جيش وترسانة عسكرية قوية تمكنها من ترسيخ هذه المبادئ الأساسية وحمايتها من التدخلات الأجنبية سواء من الكتلة الغربية أو الكتلة الشرقية. إن هذه الشريحة وإلى عهد قريب (قبل سقوط الاتحاد السوفييتي) كانت تتمتع بشعبية لا بأس بها في المجتمع التركي لدرجة أنهم، بعد تفكك الاتحاد السوفييتي، كانوا يطمحون إلى انضمام الجمهوريات الإسلامية إلى دولة تركيا العظمى لإيمانهم بأن الشعوب في كل هذه الجمهوريات تنتمي إلى تركيا باعتبار أن بعضا من هذه الشعوب تستخدم اللغة التركية والبعض الآخر توجد مفردات ومصطلحات تركية كثيرة في لغاتهم، إلا أن هذه المحاولات من القوميين الأتراك آلت إلى الفشل نظراً لأن روسيا الاتحادية والدول الغربية وعلى رأسها الولايات المتحدة قد تنبّهت وتحالفت فيما بينها لتعد العدة لبتر فكرة حركة التوغل التركي والتوسع لضم الجمهوريات الإسلامية والامتداد للسيطرة الكاملة على بحر قزوين والتحكم في منابع النفط في تلك المنطقة.

ثالثا: شريحة القومية الكردية، أتباع هذه الشريحة يشكلون حوالي (%20) من السكان ويمثلون أكبر أقلية عرقية في تركيا. وهذه الشريحة تؤمن بأن الأكراد هم شعب آري مسلم ويتحدث اللغة الكردية، وبالتالي فإن لهم قوميتهم الخاصة بهم، ويبلغ تعداد سكانهم حوالي ثمانية ملايين نسمة وهم موزعون حسب الكثافة السكانية على النحو التالي: الأجزاء الواسعة من شرق تركيا، وشمال العراق، وشمال غربي إيران، وأجزاء من جمهورية أرمينيا، والأطراف الشرقية من سورية. والشعب الكردي، بالإضافة إلى تمسكه بلغته القومية، إلا أنه يتحدث اللغات القومية في الدول التي يقيم في حدودها. وقد كانت هناك عدة محاولات لتحقيق الحلم الكردي بإقامة دولتهم المستقلة والتي تتمتع بالحكم الذاتي على جميع الأراضي الجبلية والسهول التي تقطنها الغالبية الكردية. وحتى الآن بلغ عدد الثورات وحملات المقاومة والانتفاضة الكردية حوالي سبع عشرة منذ بداية الثورة التي قادها الشيخ عبد الله النهري عام 1880، والمحاولة التي كادت أن تنجح هي التي كانت برعاية وإشراف وتشجيع البريطانيين والتي اسفرت عن معاهدة سيفر عام 1920، التي أوصت بإقامة دولة كردية متمتعة بحكم ذاتي تشمل جميع الأراضي التي تم ذكرها سابقاً، لكن الأمر الذي يثير الشفقة حقاً هو أن جميع تلك المحاولات قد فشلت فشلاً ذريعاً بسبب تضارب وأحياناً تشابك المصالح العليا للدول المعنية، التي وبدون رحمة ولا إنسانية أدّت إلى وقوع ضحايا أكراد بلغ عددهم أكثر من مليون شهيد!.

رابعا: شرائح الأقليات الأخرى، أتباع هذه الشرائح يشكلون نسبة ضئيلة من تركيبة الشعب التركي وانتماءاتهم أيضاً متغايرة ومتباينة وفي نفس الوقت متباعدة مثلا بالنسبة للأقلية الإثنية (القوميين) فمنهم العرب والشراكسة والأرمن والتركمنستان والأزبك وغيرهم، أما الأقليات الدينية فمنهم العلويون والدراويش والصوفيون، أما الأقليات الأيديولوجية فالمعروف منهم الماركسيون والاشتراكيون..

إن مجموعة كبيرة من أنصار كل من هذه الشرائح الأربع، هم أيضاً ينتمون الى ثلاثة وعشرين حزباً في البرلمان التركي، وتشمل هذه الأحزاب التشكيلة التالية: أحزاب اليمين الوسط واليمين المحافظ ثمانية أحزاب، أحزاب اليسار التقليدي خمسة أحزاب، الأحزاب اليسارية والماركسية ستة أحزاب، الأحزاب الإسلامية أربعة أحزاب.. وبهذا الخصوص، الأمر الذي يثير التعجب وفي نفس الوقت الدهشة أن تركيا حينما كانت تحت لواء الإسلام خلال الحكم العثماني كانت تحكم أكثر من ثلاث وعشرين دولة!، والآن وبعد سقوط الدولة العثمانية وقيام الدولة العلمانية على انقاضها نرى شعبها وقد تشرذم الى ثلاث وعشرين فرقة (حزباً) متباينة وربما متناحرة من حيث التفرقة الإثنية والدينية والأيديولوجية. والسؤال الذي يطرح نفسه الآن: أما آن الأوان أن تصحو الحكومة التركية وشعبها ليروا أن مصالحهم العليا تكمن في الانفصال عن الاتحاد الأوروبي والغرب وإلغاء معاهدة حلف الناتو بعد أن ذاقت المرارة وعانت الكثير لكسب رضائهم، ولكن لم تنل شيئا بالمقابل، إلا الرفض والامتهان، وعوضاً عن ذلك أن تفكر بالعودة إلى أمتها الإسلامية لتلتف حولها وترتمي في أحضانها، حيث ستجد ما يحفظ لها عزتها وكرامتها ومجدها وإنسانيتها؟.

* كاتب ومحلل اقتصادي سعودي

 
ارسل هذا المقال بالبريد الالكترونى   اطبع هذا المقال