الجمعـة 12 ربيـع الثانـى 1424 هـ 13 يونيو 2003 العدد 8963
ارسل هذا المقال بالبريد الالكترونى   اطبع هذا المقال  
 

رحلة الى داخل سعاد العطار .. حزن الغربة يولد فنا

لندن: لولوة الحمود
أفكارها مستقاة من أقدم الحضارات في العالم، من بلاد ما بين النهرين حيث ولدت الفنانة سعاد العطار وترعرعت بين والدين مهتمين بالفن والثقافة. تبلورت رغبتها للرسم بعد أن أهداها والدها مجموعة من البطاقات لرسامين عالميين مما دفعها إلى محاولة إتقان الرسم ومزج الألوان. تأثرت سعاد ببداياتها بالمدرسة الإنطباعية في الرسم وخصوصاً الهولندية وأتقنت في طفولتها رسومات لعدد من الفنانين العالميين مثل غوغان ومونيه ودافنشي. تعتبر سعاد أن أهم مرحلة في حياتها هي المرحلة الأولى من حياتها الفنية والتي أدت إلى نجاحها العالمي اليوم وتقول «تلك المرحلة كانت هي النواة وحجر الأساس لما وصلت اليه اليوم وأدين بذلك لوالدي اللذين شجعاني منذ البداية». حديثنا عن البداية يثير أشجان سعاد العطار حيث تذكر لنا أن أول بورتريه رسمته في حياتها وهي طفلة، هو لشقيقتها الصغرى ليلى التي فقدتها إثر القصف على بغداد، بلدها الذي تدين له بالكثير. وتذكر أول معرض لها وهي في السادسة عشر من العمر. وفي عام 1963 أقامت أول معرض شخصي لامرأة في بغداد. وتقول سعاد العطار «كان من الطبيعي في أول مرحلة من حياتي الفنية أن أتأثر بالطبيعة وأرسم الشارع والسوق وما إلى ذلك من مظاهر الحياة اليومية في بغداد». تأثرت سعاد العطار كغيرها من الفنانين العراقيين بالتراث المتراكم الذي خلفته الحضارات المتتابعة في بلدها العراق. وهناك تأثير ملحوظ بالمدرسة الواسطية في بغداد التي بدأها يحيى الواسطي في العصر العباسي الذي أبدع بتصوير مقامات الحريري. ونجد هذا التأثير برسمها للنخلة وكذلك في تكرارها للزخارف النباتية وفي اختيارها للألوان وخصوصاً اعتمادها في بعض لوحاتها على اللون الأزرق وهو لون ذو دلالة خاصة في الفن الإسلامي. ومما لاشك فيه ان الإسلوب الجرافيكي الثنائي الأبعاد يبدو ظاهراً في معظم لوحاتها وهو إسلوب ليس بالغريب على الفن الإسلامي الذي إعتمده للمحافظة على البعد الروحاني في العمل الفني. ولكن سعاد العطار ابتدعت إسلوباً خاصاً بها ميزها عن غيرها وجعل للوحاتها قيمة حضارية هامة. ففي بغداد تعتبر أعمالها ثروة قومية وهي لا تعلم مصير تلك الأعمال اليوم بعد أن تعرض المتحف في بغداد للقصف ثم السرقة. في الأستديو الواقع في منطقة Fulhamغرب لندن والمطل على نهر التايمز، نسافر مع سعاد العطار إلى عالم مليء بالألوان. عالم ينبض بالحياة تارة ويمتليء بالحزن تارةً أخرى الا أنه حزن لا يخلو من التفاؤل. وتقول «في مرحلة معينة في حياتي لم يعد هناك مكاناً للألوان في لوحاتي(، هنا يلعب الضوء دوراً في لوحاتها الداكنة حيث تبدع سعاد العطار باستخدامها الفريد من نوعه للضوء والذي يحثك على العبور من خلاله لمكانٍ ما للخروج من الحزن القاتم. لوحات سعاد العطار هي نتيجة لتراكم خبرات مختلفة وهي تولي البعد النفسي في فن الرسم إهتماماً خاصاً وترى أنه ساعدها للتعامل مع محيطها وتقول «الرسم بالنسبة لي عملية لاكتشاف الذات وليس للتعبير عنها فقط». لا بد أن يأسرك جمال لوحاتها، ذلك الجمال الموجود بعمق اللوحة وليس في سطحها فقط. لوحات سعاد العطار تأخذنا لعالم لا زمان فيه ولا مكان عالم لا يقوم على أساس الصراع مع الذات أو العالم المحيط بها بل يعبر عن حالة سلام مع النفس وهو إسلوب عرف به الفنانون المسلمون في قمة إزدهار الحضارة الإسلامية. فبالرغم من وجود محاور مختلفة في لوحاتها كالشجرة والمرأة والمدينة وغيرها الا أن هناك إحساساً عاماً مفعماً بالروحانية. فشخوص سعاد وإن كانت حزينة سجينة داخل إطارات الا أنها تتسم بالهدوء والسكينة. مرحلة اهتمام الفنانة سعاد بالشعر والأدب هي مرحلة نضوج لموهبتها الفنية، فبعد أن خاضت تجارباً مع اللون والأبعاد والأشكال تعدى إهتمامها بالشكل المنظور من اللوحة وصبت إهتمامها على البعد اللامنظور الذي يخلق حواراً خفيا ًبين العمل الفني وبين المتلقي حيث أصبحت الكلمة مصدر لإلهامها. سعاد مغرمة بالشعر، لوحاتها شعرا جميلاً مليئاً برموز تعبيرية. حضور الهلال شبه دائم في لوحاتها. اللوحة والشعر يكملان بعضهما في أعمالها ففي المدينة التي ترسمها الفنانة سعاد العطار، عالم هندسي متناغم هو بين الحلم والحقيقة يجعل المتأمل للوحة راغباً في السفر إليها.

واستخدامها للاسلوب الثنائي الأبعاد يجعل من مفردات لوحتها رموزا تعبر بها عن أحلامها وتقول «في عالمنا المليء بالأحزان لا بد من التفاؤل والهلال بالنسبة لي رمز لحياة جديدة».

إنشغلت سعاد العطار لسنين بتجسيدها للمرأة بصور مختلفة فالمرأة بالنسبة إليها هي الدنيا هي القمر هي الشجرة التي لا تكف عن العطاء. ثم انتقلت باهتمامها اللامحدود بالرابطة الروحانية التي تربط المرأة بالرجل مقتفية أثر تلك العلاقة منذ بداية الوجود الإنساني كالعلاقة بين ادم وحواء ومروراً بالقصص الأسطورية من الحضارات السومرية والأشورية والعباسية وحتى يومنا هذا. كل هذا عبرت فيه سعاد عن رومانسيتها حيث تقول «أردت دوماً أن أعبر عن ذلك الخيط الخفي الذي يتعدى مستوى الغرائز الإنسانية تلك العلاقة الي تربط المرأة بالرجل منذ قديم الأزل». أعمالها الأخيرة ذات طابع قصصي يمكن تتبعه والتفاعل معه، هذا الطابع الذي يهتم فيه الآن الفنانون الأكاديميون في الغرب ويكرسون له الأبحاث أكثر من أي وقتٍ مضى. من لوحاتها ما استوحي من أقدم القصص المكتوبة التي عرفها الإنسان والتي اكتشفت في العصر الأشوري. تلك القصص المكتوبة على لوحات من الصلصال عن «غلغاميش» الملك السومري الأسطوري الذي كان يبحث عن عالم أبدي بلا نهاية والذي وقعت في حبه «عشتار» آلهة الحب فآلمها ولم يستجب لها. فرسمت امرأة ذات أجنحة على جسم ثور وحكت الإسطورة مستخدمةً إطارات مختلفة داخل لوحاتها لتروي القصة بأسلوب مرئي بذكاء بلا حاجة إلى كلمات.

أستوقفتني نسخة مطابقة بالحجم للوحة الشجرة وهي لوحة ضخمة فروعها عارية وجذورها عميقة يخيل إليك أن فروعها وجذورها تمتد خارج حدود اللوحة. هذه اللوحة التي لا تعرف سعاد مصيرها بعد أحداث بغداد الأليمة أخيراً، هي عمل إبداعي رفيع المستوى مليء بالتفاصيل الدقيقة ولكنها غير مطابقة للشجرة الواقعية. الشجرة بالنسبة لسعاد العطار تعبير عن الوطن وتقول «الشجرة جذورها عميقةً وممتدة في باطن الأرض فليس من السهل أن تقتلع الشجرة والوطن بالنسبة للفرد حياته». تحب سعاد الشجرة لأنها لا تكف عن العطاء وسعاد فنانة معطاءة كريمة في فنها لا تتوقف عند نيلها لجوائز عالمية أو لتاريخ حافل لمعارض مكللة بالنجاح، بل تبقى ترسم وتعطي لكونها امرأة وتقول «نعم لن أكف عن العطاء لأنني امرأة وسأبقى أرسم لأنني فنانة ناقلة لحضارتي التي تكتب هويتي كعراقية».

 
ارسل هذا المقال بالبريد الالكترونى   اطبع هذا المقال