الاحـد 29 شعبـان 1424 هـ 26 اكتوبر 2003 العدد 9098
ارسل هذا المقال بالبريد الالكترونى   اطبع هذا المقال  
 

قصر بيت الدين: تحفة معمارية في لبنان من القرن التاسع عشر

تناوب عليه أمراء لبنان والمتصرفيون ورؤساء الجمهورية واستغرق بناؤه 30 عاما

بيروت: ريما نزيه صيداني
من على تلال بلدة بيت الدين التي تعلو دير القمر في قضاء الشوف وعلى ضفاف نهر الدامور يطل قصر بيت الدين، أحد ابرز المعالم الاثرية اللبنانية، الذي شيّده الامير بشير الشهابي الثاني الذي حكم إمارة «جبل لبنان» نحو نصف قرن. ويمتاز هذا القصر بمستوى هندسي عالٍ يتلاقى فيه الابتكار المعماري بالمواد الفاخرة. وقد شكل القصر النموذج الامثل للهندسة المعمارية اللبنانية الخاصة بالقرن التاسع عشر. واستغرقت عملية بنائه 30 عاماً.

بدأت حكاية قصر بيت الدين منذ القرون الوسطى، اذ كانت غالبية المناطق اللبنانية بمثابة محميات محكومة من أمراء وشيوخ. ففي بداية القرن السابع عشر نجح الأمير فخر الدين المعني الثاني في السيطرة على العائلات الاقطاعية وبسط حكمه على لبنان الصغير، وشكلت بعقلين، العاصمة الاولى للأمير فخر الدين. وبما ان الرياح تجري بما لا تشتهي السفن، فالأزمات اليومية التي كانت تعاني منها هذه البلدة (بعقلين) كنقص المياه وضرورات الحياة الاخرى، دفعت بالامير فخر الدين الى تركها والتوجه نحو دير القمر. وفي أواخر القرن السابع عشر وإثر تفكك «الاقطاعية المعنية»، ذهبت ملكية اراضيها وممتلكاتها الى الاقارب من آل شهاب. وقد قرر احد افراد هذه العائلة وهو الامير بشير الثاني الانتقال من دير القمر الى بيت الدين وتشييد قصره الخاص فيها. وارتأى ان يكون هذا المكان «بيت العقيدة الدرزية».

وانطلقت ورشة إعمار القصر التي تطلبت آلاف الايدي العاملة. ولتأمين المياه طلب الامير من معاونيه يومي عمل مجانيا في السنة. وقد استغرق بناء القناة سنتين مما تطلب 80 ألف نهار عمل، وقد بقي القصر مقر الامير بشير وحاشيته لغاية عام 1840، تاريخ نفيه من البلاد.

ومنذ تولي العثمانيين زمام الامور في الامارة عام 1842، اصبح قصر بيت الدين مقر الحكام العثمانيين ليصبح في عام 1860 ولغاية عام 1915 مقر متصرفي جبل لبنان. وغداة الحرب العالمية الاولى وضعت القوات الفرنسية جزءاً من عتادها في القصر.

وشكل عام 1934 مفصلاً مهماً في تاريخ القصر اذ صنف كمعلم أثري تاريخي. وقد خضع لأعمال ترميم ليستعيد روعته. وفي عام 1943 ايضاً اصبح هذا المكان المقر الصيفي الاول رئيس جمهورية في لبنان وهو بشارة الخوري.

اقسام القصر.

ويقسم قصر بيت الدين الى أربعة أقسام: دار البرّانية: وتضم الغرف العامة، والدار الوسطى: تشكل وسط القصر، ودار الحريم: يضم الغرف الخاصة ـ الحمام: ويضم دار البرانية، ومتحفاً افتتح في عام 1991، وهو يحتوي على وثائق وصور خاصة بالزعيم الدرزي الراحل كمال جنبلاط. كما يتخلله الميدان الذي يضم «المضافة»، وهو القسم الخاص بالضيوف والذي كانت طبقته الارضية تستعمل كأسطبل.

ويحتوي هذا القسم على قطع قيّمة، اذ نجد مجموعة من الفخاريات العائدة الى العصرين البرونزي والحديدي وأكواب من العصر الروماني ومجوهرات بالاضافة الى نواميس رومانية من الرصاص وفخاريات اسلامية.

وتعرض في صالة اخرى ألبسة تعود الى الحقبة الاقطاعية ومجموعة من الاسلحة القيمة القديمة والحديثة.

ومن دار البرّانية ننتقل الى الدار الوسطى، الواقعة في غرب الميدان حيث ينتصب تمثال لكمال جنبلاط. يضم هذا القسم غرف شيوخ آل حمادة الذين كانوا يتولون حراسة القصر. ومن جهة اخرى نجد مكاتب خاصة بالوزراء، نلج منها الى باحة تنتشر في ارجائها احواض الماء الرخامية وتزينها القناطر من جميع الجهات. وتحمل احدى القاعات اسم الوزير بطرس كرامة. اما القاعة الواقعة في جنوب غرب الباحة فتطل على الوادي وهي بذلك تجسد ابرز تقليد من تقاليد الهندسة اللبنانية. وتجدر الاشارة الى ان القاعات المحيطة بالباحة ذات شرفات تعرف بالـ«مندلون» الذي يعتبر احد ابرز معالم الهندسة اللبنانية، كما تزينها لوحات فسيفساء ولوحات من الخط العربي.

وفي هذا القسم يشغل مكتب وزير الامير القسم الجنوبي ـ الشرقي من الساحة، بينما الجناح ـ الشرقي خاص بمكاتب الحاشية والمدونين ويتخذ اسم دار الكتبة، ويقع دار الحريم في شمال غرب الباحة. ويعتبر باب هذا القسم من اجمل الابواب الاثرية في الهندسة الشرقية. واللافت في هذا القسم ان القبة في احدى الغرف الجانبية (خلف القاعة الكبرى) تستند الى عمود واحد فقط، ما جعلها تحمل اسم «غرفة العمود». أما قاعة الحفلات التي كانت تسمى بـ«سلمليك» فتمتد على طابقين وتضم قطعاً فريدة من المنحوتات والفسيفساء والرخاميات. ويشار هنا الى ان الامير كان يستقبل زواره في هذه القاعة حيث كان يجلس في الديوان الواقع في عمقها.

ولطالما تميزت الحمامات في القصور العربية بهندسة مميزة حيث يكثر استعمال الرخام. كما تزينها القناطر من كل حدب وصوب. ويقع الحمام في قصر بيت الدين في اقصى شمال دار الحريم، ويعتبر تحفة اثرية ومن اجمل تحف العالم العربي. وبحسب التقاليد الرومانية، فالحمام يتضمن «قاعة باردة» تستعمل بمثابة «غرفة ملابس»، تليها «القاعة الفاترة» الخاصة بالتدليك، ومن ثم «القاعة الساخنة» الخاصة بالاستحمام. وتأتي ارضية الحمامات من القرميد. وتطل الحمامات على حديقة وضع فيها تابوت الست شمس، الزوجة الاولى للأمير بشير. وقد شيدت دار الوسطى ودار الحريم فوق اسطبلات تتسع لـ600 حصان. واليوم حولت هذه الاسطبلات الى قاعات رحبة تضم لوحة من الفسيفساء تعود الى العصر البيزنطي، وجدت معظمها في كنائس واقعة في بلدة الجية (جنوب بيروت). وقد ساعدت الخطوط اليونانية التي تحملها هذه اللوحات على تصنيفها، لنجد انها تعود الى القرنين الخامس والسادس الميلاديين. كما ان هناك لوحات فسيفساء من عصور اخرى معروفة في الحدائق المحيطة بالقصر. والى جانب متحف الفسيفساء تقع قاعة كبيرة تعرف بـ«الخلوة» وكانت مخصصة لاجتماعات رجال الدين الدروز.

يذكر ان معظم جدران القصر تتضمن نقوشاً عربية، كما يلفت النظر العمل الحرفي الذي يتداخل مع القناطر.

 
ارسل هذا المقال بالبريد الالكترونى   اطبع هذا المقال