السبـت 05 صفـر 1425 هـ 27 مارس 2004 العدد 9251
ارسل هذا المقال بالبريد الالكترونى   اطبع هذا المقال  
 

زكي الصراف .. شاعر رومانسي طلب القمر فجاءه في مرآة الوطن

نجدة فتحي صفوت

مرت في الحادي عشر من الشهر الحالي، الذكرى الثامنة لوفاة الاديب الشاعر العراقي الدكتور زكي الصراف الذي توفي في لندن مخلفا تراثا ادبيا غنيا، ومجموعة شعرية قيمة.

وقد عنيت زوجته صديقة البياع بنشر اعماله الشعرية في مجموعة انيقة تخليدا لذكراه وحفظا لجانب مهم من تراثه الادبي. وهذه مناسبة طيبة لعرض سيرة هذا الاديب الواسع الاطلاع والشاعر المبدع، والعودة الى اعماله الشعرية التي ضمتها هذه المجموعة الصادرة عن (دار المدى) للثقافة والنشر، والمطبوعة في دمشق سنة 1998، اي بعد وفاته بسنتين.

ولد زكي عبد الحسين مهدي بدكت الصراف الاسدي (وقد تكون هناك القاب اخرى!) في كربلاء في سنة 1928، ولقب والده بـ الصراف لأنه كان يمتهن الصرافة، وكان اكبر الصرافين في كربلاء واوسعهم شهرة وثراء. نشأ زكي طفلا مدللا، وتروي زوجته في مقدمتها لمجموعته الشعرية حادثة طريفة تتذكرها عائلته تدل على مدى الدلال الذي كان يحاط به. ففي احدى الليالي التي كان القمر فيها بدرا، والعائلة نائمة على سطح الدار، كما هي العادة في المدن العراقية في شهور الصيف، استيقظ الطفل زكي باكيا، وطلب ان يأتوه بالقمر. ولم تجد معه محاولة لإفهامه استحالة ذلك، او شغله بلعبة او اغراؤه بوعود، وواصل الطفل بكاءه والحاحه بطلب القمر، واخيرا تفتق ذهن خاله عن حيلة بارعة، فأتى بمرآة وضعها في حضن الطفل عكست له صورة القمر فنام مغبوطا والقمر في حجره.

ولما وصل الطفل الى مرحلة الصبا اخذ والده يستصحبه في سفراته المتعددة الى ايران التي كان يكثر من التردد عليها بأشغاله، واخذ يتعرف على اللغة الفارسية حتى امتلك ناصيتها، وتعرف على الادب الفارسي الذي كان سيصبح في مستقبل حياته من الخبراء والاساتذة المرموقين فيه.

ولما اكمل زكي الصراف دراسته الثانوية خاض ميدان العمل الصحفي وهو دون العشرين من عمره، ونجح في مجال التحقيقات الصحفية التي نشرها في كثير من المجلات العراقية والعربية، ومن اهمها جريدة (الهاتف) التي كان يصدرها الاديب والمؤرخ الراحل جعفر الخليلي. وكان زكي الصراف اول صحفي عراقي يجري مقابلة مع السيد نواب الصفوي زعيم حركة فدئيان اسلام خلال وجوده في بغداد وهو في ذروة صراعه مع شاه ايران. وعمل ايضا مراسلا لعدد من المجلات العربية المحترمة، منها مجلة (الأديب) البيروتية الراقية التي كان يصدرها (البير أديب) وكذلك مجلتا (الآداب) اللبنانية و(الكاتب) المصرية.

وفي سنة 1962 شد زكي الرحال الى طهران في زمالة دراسية لدراسة الادب الفارسي في جامعتها. وهناك اصطدم بطالب اسرائيلي يدرس معه، وكان من دأبه الانتقاص من لغة العرب وحضارتهم، وانحاز الاستاذ الايراني الى جانب الطالب الاسرائيلي، فاستفز ذلك الموقف الطالب العربي زكي الذي اخذ يهاجم النفوذ الصهيوني في ايران في عهد الشاه، واخذت المضايقات تحيق به من كل جانب، والسافاك يتعقب حركاته وسكناته، فأدرك تعذر مواصلة الدراسة في ايران، وعاد الى بغداد، ثم سافر الى مصر وانتمى الى جامعة الاسكندرية للاعداد لشهادة الماجستير برسالة عن الشاعر فخر الدين العراقي وهي رسالة اصبحت في ما بعد، مرجعا مهما عن الادب في ايران.

وبعد ان حصل زكي الصراف على شهادة الماجستير، عمل في الفترة بين 1967 ـ 1972 في مجلس الوحدة الاقتصادية العربية في القاهرة. وحصل في عام 1972 على شهادة الدكتوراه من جامعة عين شمس برسالة موضوعها (المقالة الصحفية في الادب الفارسي الحديث). وعاد الى العراق فعين مدرسا في قسم اللغات الشرقية بجامعة بغداد، ثم اصبح استاذا مساعدا فرئيسا لقسم الدراسات الشرقية وفي الوقت نفسه مارس الكتابة في شتى الموضوعات المتعلقة باختصاصه، الى جانب ما نظمه من الشعر. وفي سنة 1978 حصل على اجازة تفرغ علمي في جامعة اوكسفورد لاعداد بحث عن جلال الدين الرومي العالم الفقيه المتصوف صاحب المثنوي المشهور بالفارسية، وصاحب الطريقة المولوية المنسوبة اليه.

وكانت صحة زكي الصراف خلال هذه الفترة آخذة بالتدهور، فعاد الى لندن سنة 1980طلبا للعلاج، وبينما كان لا يزال في لندن اندلعت الحرب العراقية ـ الايرانية، ولم تسمح له صحته بالعودة الى العراق واضطر الى الاستقالة من عمله بالجامعة، خاسرا كل حقوقه بعد خدمة ممتازة جاوزت الثلاثين عاما. وبقي في لندن، لكنه لم يخلد الى الراحة فيها، بل انهمك بإعداد بحث موسع عن الصحافة العربية في المهجر الى جانب النظم والكتابة في مختلف الموضوعات، منها ـ على سبيل المثال ـ أثر ثورة العشرين في الشعر العراقي الحديث ، كما نظم قصائد عاطفية، وكتب بحوثا عن الشعراء العراقيين المعاصرين، وعن كربلاء في عيون الرحالة الغربيين وعن المعارك الصحفية و سكة حديد الحجاز كما ترجم كتاب الشاه وانا . وخلال اعماله جميعا كان (العراق) عشقه الكبير، وقد بقي يحلم بالعودة الى وطنه. ويأمل ان يتخلص العراق من صدام حسين عاجلا او آجلا، لكنه لسوء الحظ لم يمتد به الاجل ليشهد سقوط الطاغية الذي خاطبه في احدى قصائده قائلا:

يا ايها المتجبر الطاغي الذي

لم يبق من دار ولا ديار

فتجسدت فيك المظالم كلها

وتمثلت ما فيك من اوزار

ما زال في سمع الدجى انات من

افنيتهم بـ حلبجة الابرار

بالغاز افنيت الجميع ولم تدع

شيخا ولا من نسوة وصغار

ويشير ايضا الى ما وصفه صدام بـ أم المعارك والى العدوان على الكويت قائلا:

(أم الكوارث) لم تدع شيئا سوى

اطلال ارض خرائب وبوار

وفخرت لا بالعلم ينشر في الحي

بل بالسلاح وجيشك الجرار

لمن الجيوش تعدها؟ للقدس؟ لا

لبني العروبة سقتها والجار

أمن المروءة ان تقاتل اخوة

في الدين والتاريخ؟ يا للعار

وكان الصراف متأثرا في شعره ببعض الشعراء الرومانسيين من الجيل الذي سبقه مثل علي محمود طه ومحمود حسن اسماعيل وابي القاسم الشابي، كما يبدو تأثره الواضح بالشاعر المهجري ايليا ابو ماضي. وكانت له صلة وثيقة بالشاعر العراقي المقيم في دمشق احمد الصافي النجفي الذي قدم للغة العربية اجمل ترجمة لرباعيات عمر الخيام.

وتتألف مجموعة (الاعمال الشعرية) التي بين ايدينا من خمس مجموعات: اولاها (ليالي الشباب) ـ التي نشرت للمرة الاولى في الخمسينات. وثانيها (عبث الصبا)، وثالثها (صدى الصمت)، ورابعها (في رحاب الحب)، وخامسها (تراتيل على شاطئ الانتظار).

ولم يكن زكي الصراف شاعرا فحسب، فقد كان كاتبا وناقدا وباحثا واستاذا جامعيا وصحفيا في آن واحد، وكان يعد من القلائل الذين يمتلكون ناصية اللغتين العربية والفارسية، كتابة ونظما، وله في الادب الفارسي ابحاث قيمة منها بحث عن الشاعر سنان الغزنوي، وآخر عن سعيد ابو الخير، وابحاث عن حريق مكتبة الاسكندرية وابن المقفع، اضافة الى البحث الذي اعده في جامعة اوكسفورد عن جلال الدين الرومي. وقد طبع زكي الصراف اول دواوينه (ليالي الشباب) وهو في ريعان شبابه. واعيد نشره في هذه المجموعة بعد وفاته.

وفي المجال الصحفي كتب زكي الصراف موضوعات تتسم بالطابع الاكاديمي، خص فيها الشعراء بنصيب وافر، وكثيرا ما كان يهتم بالكتابة عن شعراء منسيين لم يحظوا بما يستحقونه من الدراسة والاهتمام وكذلك بالمنسي من اخبار الشعراء المعروفين. قال الجواهري في رثائه:

ان رحيل هذه الشخصية الادبية خسارة كبيرة لكل العاملين في ميادين الثقافة والادب والتعليم، ولكل الوطنيين الشرفاء.

عاش زكي الصراف سنواته الاخيرة في الغربة التي لم يتعود عليها، يعضه الحنين الى الوطن والى مرابع طفولته، وتعذبه فكرة الموت في الغربة. وقد حصل ما كان يخشاه، فووري التراب في لندن بعيدا عن وطنه الذي احبه.

 
ارسل هذا المقال بالبريد الالكترونى   اطبع هذا المقال