الاثنيـن 04 ربيـع الثانـى 1425 هـ 24 مايو 2004 العدد 9309
ارسل هذا المقال بالبريد الالكترونى   اطبع هذا المقال  
 

ريم قيس كبة: اخترت عزلتي يأسا من المثقفين

الشاعرة العراقية: كل لحظاتنا مرتبطة بتواريخ سياسية دامية وثقافة اللاخلاف بداية الدمار

بغداد: هدى جاسم
حاولت ان (تختفي بالوقت الضائع) و (تغمض اجنحتها لتسترق الكتابة) عندها ستكون (نثى الكلمات) لتحصل امام المرآة على افضل جائزة للحب وتكون داعية له باسم الشعر والابداع وتكتب اسمها (ريم قيس كبة) كواحدة من اهم الشاعرات الشابات في السنوات الاخيرة من القرن العشرين في العراق.

حصلت مؤخرا على جائزة الشعر في مسابقة المبدعين وقد سبقتها جوائز عدة في محافل ومهرجانات عربية ومحلية.

توقفنا عند منابع الحب والشعر لنقرأ بعضا مما تراه ريم في المشهد العراقي بعد سلسلة الاحداث الاخيرة وهل ترى للحب مكانا في الشعر بعد الخراب الذي حل بمن حوله.

تقول ريم

ـ كلنا يعرف ان هنا موطنا الشعر والشعراء وليس بالالم وحده يكون الابداع، فالشاعر شاعر في كل الاوقات، وبعد مشاهدتي لانهيار كل شيء حجرا حجرا وبناية بناية وجثة جثة ودفقة دفقة شعرت بصمت غريب وقابلية على التفرج فقط.

لم استطع ان اخط حرفا«شعريا» واحدا لكنني استطعت تسجيل كل شيء في مذكراتي وأنا الآن املك ذاكرة تسجيلية مكتوبة بكل التفاصيل التي حدثت، من الخوف والرعب ازاء القنابل، الى نشرات الاخبار، الى الاشاعات، الى سقوط التمثال، الى اكتشاف السجون والمقابر الجماعية، الى النهب والسلب والحرق والتدمير.. الى كل شيء.. لكنني ازاء ذلك شعرت بعجز الشعر.. عليه وبحل شخصي بحثت عنه ولانني لا استطيع ان اخلع عن الشعر مثلما لا يستطيع هو ان يخلع عني، وجدت نفسي بعد اشهر من الخيبة والذهول والتفرج والموت اليومي اغلق باب بيتي واختار عزلتي واطفئ حتى شاشة التلفاز لكي لا اسمع وارى ما اريد وقررت ان ابحث عن وسيلة تجعلني احس بانسانيتي ازاء الدمار فوجدتني اكتب قصائد للحب فقط!!

*ووسط هذا الدمار هل وجدت متنفسا للحب؟

ـ لم اجد شيئا اكثر تعبيرا للانسان غير القدرة على الحب. كتبت لفيروز.. للورد.. للفراشات..للعصافير والسماء الصافية رغم القذائف!! قالوا لي ذات مرة: كيف تكتبين للحب، الا تعيشين في العراق؟ قلت انني اعيش فيه للحد الذي انا مصرة فيه على العيش ولا استطيع ان ادافع عن انسانيتي بطريقة افضل من التسلح بدفق الحب وقوته، فحينما نصاب بخيبة وطن ربما يكون علينا ان نرطب برذاذ الحب وضماداته شيئا من جفاف انسانيتنا، ربما كان حلي «فرديا» صرفا وشخصيا، وربما لان حجم الدمار الذي رأيته بأم مشاعري كان اكبر بكثير من حجم استيعابي.

* وهل دارت بينك وبين زملاء الوسط الثقافي حوارات حول ما جرى على الساحة الثقافية، والى ما توصلت من تلك الحوارات؟

ـ منذ اول لحظة ونحن نخوض في حوارات ساخنة ومع الاسف كلها حوارات سياسية صرفة، ولم اجد من يحاورني في الثقافة منذ سقوط التمثال وحتى اللحظة حتى تحولنا فيها جميعا من بائع الخضار في عربة في الشارع الى البروفيسور في الجامعة مرورا بكل شرائح المجتمع، اقول تحولنا الى محللين سياسيين حتى الاطفال صارت لغتهم هي السياسة، ونحن نريد ان نعيش.. ان نعيش.. ان نعيش، ومن حقنا ان نعيش منذ ولدنا وحتى هذه اللحظة.. حتى اجمل لحظات حياتنا.. نجاحاتنا..ارتباطاتنا العاطفية..لحظاتنا الجميلة كلها مرتبطة بتواريخ سياسية دامية.. اقول: اما كفانا لهاثا وبكاء ودمار؟!

* وما هو دور المثقف داخل خارطة العراق في هذه المرحلة؟

ـ كل الدروب امامنا مغلقة..وخلاصنا بالرسم بالكلمات وهذا ليس مجرد شعر، واكرر ربما هو حل شخصي بحت لكنني لا اجيد غير الكتابة وفي الحقيقة لا اجيد غير الشعر ولست مستعدة نظرا للظرف الراهن ان احول شعري الى مقالات سياسية.. لا استطيع ان اتكهن تحت اي لواء وقد يعتقد اي حزب او فئة سياسية انها المقصودة بهذا الكلام.. وهذا ليس محض خوف من القوى السياسية لكنه موقف ادبي شعري صرف، وانا الان اذا كنت داعية لشيء فانا داعية للشعر والحب والجمال والزقزقة بعيدا عن اي تحليل سياسي وهذا هو التحدي الكبير الذي اعتنقه الان رغم كل الموت والرعب ومصادرة الاحلام الذي اواجهه يوما بعد يوم وساعة بساعة.

* ايهما سينتصر الحب ام الحرب، وهل بامكانك حذف (الراء) من كلمة حرب لتعيدي للاشياء توازنها؟

ـ من سينتصر؟.. لا ادري اذا اجبتك على هذا السؤال سأتحول الى محلل سياسي دون ان تدرين ودون ان ادري. لقد فاض قلبي وبلغ السيل الذي عندي وعند سواي انت تسأليني وانا اجيب اجاباتي الشخصية، على الاقل قد تكون هذه الاجابات موقفا عاما ربما.. وربما يعتنق افكاري سواي ولا ادري..

* وهل ما زلت في عزلة الآن؟

ـ انا لم اختر عزلتي اعتباطا او بطرا او ترفا، اخترتها يأسا من محاولة العمل لفعل شيء في ظل هذه الفوضى العارمة التي طالت افكار المثقفين قبل سواهم وادخلت حتى المتنورين فكريا في خضم نزاعات تكرس العنف والانشقاق وثقافة اللاتسامح واللااختلاف، صدقيني حينما تسألينني عن النقاشات والجدالات التي دخلت فيها كنت اجد نفسي والله من اشد المدافعين عن ثقافة الاختلاف التي لم اجدها الا عند ندرة من المثقفين وهذا برأيي بداية الدمار!!

وقبل ان تغادرنا ريم قيس كبة منحت (الشرق الاوسط) من عزلتها بعض من وجدها فقالت:

اتحداكم

الصباحات تركض كالخيل

لكنني

قد افوز بكبوة

وليل امرئ القيس

شدد امراسه

بيد اني

قد ابتليه بنزوة

....

وسدت دروب

وعم خراب

وحرم خمر المشاعر

لكنني

سوف اسكر

حتى بقهوة

 
ارسل هذا المقال بالبريد الالكترونى   اطبع هذا المقال