السبـت 22 رمضـان 1425 هـ 6 نوفمبر 2004 العدد 9475
ارسل هذا المقال بالبريد الالكترونى   اطبع هذا المقال  
 

مصر: موائد الرحمن من أحمد بن طولون إلى رجال الأعمال والفنانات

* موائد الرحمن الطائرة هي الأحدث الآن وإن كانت أكثر كلفة * يقدر ما يتم إنفاقه سنويا على موائد الرحمن في مدينة القاهرة وحدها بمليار جنيه سنويا

القاهرة: منى مدكور
تعد موائد الرحمن من اكثر العادات الرمضانية المتعارف عليها في الوطن العربي بصفة عامة وفي مصر بصفة خاصة، وتأخذ موائد الرحمن في مصر بعدا اجتماعيا شديد العمق والتأثير في التكافل الاجتماعي وتوطيد اواصره، حيث ينتهز الكثير من المصريين فرصة حلول الشهر الكريم ليقيموا هذه الموائد كل على سعته كنوع من الصدقة وفعل الخير، وان كانت احيانا تتخذ شكلا من اشكال الواجهة الاجتماعية والتفاخر بين الاسر ! وتقام موائد الرحمن في مصر في مختلف الاحياء والمناطق سواء كانت المناطق الراقية او حتى الشعبية منها، وان كانت تتركز بشكل اكبر في المناطق الراقية كالمهندسين، الزمالك، مدينة نصر، مصر الجديدة، جاردن سيتي، الدقي .

* نبذة تاريخية

* عرفت موائد الرحمن لاول مرة كما يردد كتاب التاريخ في العصر العثماني وكانت تحمل اسم «الموائد السلطانية» وليتغير اسمها الى «الموائد الملكية» فى النصف الأول من القرن الماضى ثم اختفت مع ثورة يوليو حتى عادت من جديد فى منتصف السبعينات من القرن الماضى أيضا.

وان كانت هناك روايات اخرى تؤكد ان الامير احمد بن طولون مؤسس الدولة الطولونية هو اول من اقام موائد الرحمن، وكانت البداية حينما اقام حفل إفطار دعا إليه الأعيان وكبار رجال الدولة وتجار المحروسة، وعندما وصل المدعوون الى الحفل إذا بهم يجدون إلى جوارهم عددا كبيرا من فقراء مصر جاءوا بدعوة من الأمير أيضا.

في ذلك اليوم أبلغهم ابن طولون أن المائدة ستستمر طوال أيام شهر رمضان لاستقبال الفقراء والمساكين وعابري السبيل، وحث ابن طولون الأعيان وكبار التجار على أن يقتدوا به، ومن يومها أصبحت موائد الرحمن معلما مصريا رمضانيا، ثم عربيا وإسلاميا.

وهناك من يقول نقلا عن المقريزي إن الخليفة المعز لدين الله الفاطمي كان أول من وضع تقليد الإكثار من المآدب الخيرية في عهد الدولة الفاطمية، وهو أول من أقام مائدة في شهر رمضان يفطر عليها أهل الجامع العتيق «عمرو بن العاص»، وكان يخرج من قصره 1100 قدر من جميع ألوان الطعام لتوزع على الفقراء.

ويحكي المقريزي أن القصر الشرقي الكبير كانت فيه قاعة أطلق عليها «قصر الذهب»، وكان الخلفاء يتخذونها لجلوسهم وأعدوها لولائم الإفطار في رمضان، فإذا جاء وقت الغروب مدت الموائد وحليت بالأزهار ونسقت عليها أنواع المأكولات والحلوى والقطائف.

اما في العصر الحديث وتحديدا في عام 1967 تولى بنك ناصر الاجتماعي في مصر الإشراف على موائد الرحمن بشكلها الحالي في المساجد المختلفة من أموال الزكاة، وكان أشهر تلك الموائد المائدة المقامة بجوار الجامع الأزهر، والتي يفطر عليها أكثر من 4 آلاف صائم يوميا، وبعد ذلك بحوالي عشرة أعوام امتدت مشاركات الوزراء ورجال الأعمال ورؤساء الجامعات وكان من بينها مائدة البابا شنودة بطريرك الكنيسة المصرية دليلا حيا على المشاركة الوجدانية بين المسيحيين والمسلمين.

* موائد «تيك اواي»

* واليوم اختلفت ايضا اشكال اقامة موائد الرحمن، فلم تعد تتخذ الشكل التلقيدي المتعارف عليه قديما، بل اصبح هناك خدمة التوصيل للمنازل للاسر المحتاجة والمتعففة عن الجلوس في موائد الرحمن بين العامة، خاصة السيدات الارامل والذين يعولون اطفالا يتامى .

وعن ذلك يقول الحاج سيد عبد العال، احد القائمين على جمعية خيرية اسلامية تنفذ موائد الرحمن بهذا الشكل المبتكر: لقد لجأنا الى اسلوب جديد في اقامة موائد الرحمن، وهو استحداث توصيل طعام الافطار الى الاسر الفقيرة والتي يكون في الغالب عددهم كبيرا ولا يستطيع رب الاسرة ان يصطحبهم معه الى مائدة رحمن خاصة اذا كان بينهم بنات او سيدات.

ويضيف قائلا: هذا بالاضافة الى ان هناك العديد من اليتامي الذين تخدمهم الجمعية من خلال معونات اهل الخير وتبرعاتهم وكفالة اليتيم، لذلك فنحن نملك قوائم بطبيعة حياة هؤلاء السيدات وكم طفل يعولون وهم اولى كثيرا من الاسر التي بها رب اسرة في الاعالة، لانه ليس من المعقول ابدا ان تذهب سيدة واطفالها الى مائدة رحمن، وان فعلتها مرة فلن تستطيع تكرارها.

اما الحاج عبد الرحمن بيومي مدير احدى الجمعيات الخيرية والتي ايضا تعتمد في موائد الرحمن الخاصة بها على خدمة التوصيل للمنازل فيقول: في الغالب يشترك مجموعة من رجال الاعمال او المقتدرين ماديا في تمويل هذه الموائد والذين في الغالب يقطنون في نفس المنطقة التي توجد بها الجمعية او منطقة قريبة منها .

ويقوم مندوبو الموائد بتوزيع وجبات الإفطار الجاهزة من خلال «موتوسيكل صغير» يوجد به صندوق لحمل الطعام، مثل الموتوسيكلات المجهزة لخدمة التوصيل للمنازل في المطاعم السريعة، ولا تقتصر هذه الوجبات على الفقراء والمحتاجين فقط بل تشمل العاملين في المحال التجارية والمجندين الذين يحرسون الأبنية والبنوك، وعابري السبيل في المقاهي والشوارع، وبعض المسنين وكبار السن الذين لا يجدون من يعولهم .

ويضيف قائلا: ولكن هناك ايضا بعض الاسر التي تود فعل الخير في رمضان والمساعدة في اطعام الصائمين، لذلك فقد خصصنا مجموعة من العلب البلاستيكية التي تستخدم لمرة واحدة، يأتي الينا رب كل اسرة ويحدد عدد العلب التي يستطيع ان يملأها مما يأكل اهل بيته ثم يعيدها الينا قبل الافطار بوقت كاف حتى نستطيع ان نوصلها لاصحابها المحتاجين قبل أذان المغرب، فهناك من يأخذ علبتين، البعض خمسا او سبع علب كل حسب مقدرته، هذا بالاضافة الى ان هناك الكثير من اصحاب محلات الطعام الذين يتفاعلون معنا فتصل الينا تبرعات عينية من محلات العصائر، المخللات، السلطات، الحلويات كالبسبوسة والقطائف والكنافة.. هذا ويمكن القول ان اجمالي ما نوزعه في نطاق الجمعية الخيرية اكثر من 100 وجبة يوميا، أي حوالى 3000 وجبة شهريا وتكون الاطعمة الموزعة متنوعة ما بين المكرونة، الخضار المطبوخ، الدجاج، اللحوم بأنواعها ومعظم انواع المحاشي والارز طبعا .

واود ان اؤكد ان كل من يتعامل معنا من الشباب والشابات ايضا هم من المتطوعين ولا يأخذون اجورا سوى اجرهم من عند الله سبحانة وتعالى عن هذا الجهد العظيم .

اما الشيخ عطية عبد الهادي مسؤول احد المساجد في منطقة شعبية فيؤكد ان الامر لا يقتصر على توزيع المسجد لوجبات الافطار واقامة موائد الرحمن كذلك بجانب المسجد من خلال تبرعات اهل الحي بل يتعداه ايضا لتوفير وجبة السحور وعن ذلك يقول: تعتبر وجبة السحور ذات اهمية كبرى ايضا مثل الافطار لان الصائم يتزود بها لتعينه على صيامه، نحن في المسجد وبمعاونة اهل الخير نوفر ايضا وجبات السحور وهي اقل تكلفة من وجبات الافطار ، حيث تعتمد على الفول، الالبان، الخبز، بعض الاجبان والبيض .

وهناك بعض الجمعيات الخيرية تقوم بعمل كوبونات توزع على الفقراء والمحتاجين، وهذه الكوبونات تكون بقيمة معينة يتكفل بها احد اصحاب المطاعم بالمنطقة متبرعا في يوم او اثنين كل حسب مقدرته، وبذلك يذهب المحتاج الى هذا المطعم الذي وزعنا كوبوناته ويتسحر بناء على ما يجود به صاحب المطعم وما اعطاه من ذمته لهؤلاء الصائمين .

اما الشيخ حسين نوفل رئيس لجنة التبرعات بإحدى الجمعيات الخيرية فيقول: اننا نعمد الى طريقة اخرى لاعانه المحتاج على رمضان من خلال حقيبة تسمى «حقيبة الخير» وهذه الحقيبة نضع فيها معظم ما تحتاجه الاسرة المسلمة من ضروريات مثل «الارز ـ السمن ـ السكر ـ المكرونة ـ الفول ـ العدس ـ الدقيق» وغيره من المواد التموينية الاساسية لكل بيت ونكون قد قمنا بشراء هذه الاحتياجات بالجملة بأموال الصدقات والتبرعات التي تأتي للجنة ومن ثم نوزعها على قائمة تم اعدادها مسبقا عن كل محتاج.

هذا ويصل مقدار ما ينفقه القائمون على موائد الرحمن خلال شهر رمضان في القاهرة وحدها إلى مليار جنيه حسب دراسة حديثة أعدتها لجنة الفتوى بالأزهر، وفي دراسة أخرى أعدتها جامعة الأزهر أن عدد رواد موائد الرحمن في مصر يقدر بـ5% من مجموع السكان (أي حوالي 3 ملايين مواطن)، كما بلغ عدد منظمي موائد الرحمن ما يقرب من 10 آلاف شخص ينفقون على موائد القاهرة مليار جنيه ومليارا آخر في بقية المحافظات.

* اشهر موائد الرحمن

* تعتبر موائد الباب الاخضر بالحسين والتي تقام على الحصير هي الاشهر على الاطلاق، كما ان هناك موائد الرحمن في الازهر الشريف ومائدة دار الافتاء المصرية الكبرى .

وتعد موائد الرحمن الفنانين الاشهر بلا منازع، ولا يقل عنها شهرة ايضا موائد الرحمن الخاصة بأعضاء مجلس الشعب ورجال السياسة ورجال الاعمال ومشاهير المجتمع المصري .

ولعل اشهر موائد الرحمن لدى الصائمين معتادي الافطار في موائد الرحمن، كل من مائدة الفنانة فيفى عبده والفنانة شيريهان والفنانة دينا وعائلة وحش الشاشة الراحل فريد شوقي والتي تقيمها له ابنته الفنانة رانيا كوصية هامة له والمطربة سميرة سعيد بالزمالك .

وقد انضم اليهم هذا العام كل من الفنانة لوسي، الفنانة وفاء عامر والفنان محمد هنيدي والفنان محمد سعد الشهير «باللمبي».

هذا بالاضافة الى العديد من موائد الرحمن التي تقيمها الفنانات المعتزلات مثل مائدة افطار المطربة ياسمين الخيام، مائدة افطار الفنان حسن يوسف وزوجته المعتزلة شمس البارودي ومائدة افطار عائلة الفنان المعتزل وجدي العربي، وشقيقته المعتزلة كاميليا العربي، وشقيقهما الفنان المعتزل ايضا محمد العربي وزوجته الفنانة المعتزلة هناء ثروت .

ويجدر بالاشارة هنا ان القائمين على الخدمة في هذه الموائد من الفتيات المحجبات والمنقبات والشباب الملتزم دينيا .

كما تقيم بعض الأحزاب السياسية موائد الرحمن في مقارهم، حيث ينتهز أعضاء مجلس الشعب شهر رمضان للتقرب إلى ابناء دوائرهم الانتخابية فيكثرون من التبرعات للمساجد أو يساهمون في إنارة الشوارع، فضلا عن إقامة موائد الرحمن للفقراء من أبناء الدائرة.

ومن اشهر موائد الرحمن لرجال مجلس الشعب المائدة التي يقيمها سنويا الدكتور فتحي سرور رئيس مجلس الشعب المصري في حي السيدة زينب حيث مقر دائرته الانتخابية، وتتميز بتواجد العديد من المندوبين عن المائدة يحملون أكواب البلح وقمر الدين قبل الافطار ويستوقفون المارة والسيارات لحظة انطلاق مدفع الافطار فمن كان قريبا من منزله اكتفى بالشراب، ومن كان بعيدا عن بيته أخذوه الى مائدة الرحمن، ونفس الأمر يحدث أيضا في بقية موائد الرحمن التي تقدم إفطارا جاهزا كمائدة رجل الأعمال وعضو مجلس الشعب أحمد عز الذي يحضر الطعام من أحد المطاعم المشهورة، ومائدة رجل الاعمال محمد فريد خميس صاحب مجموعة «النساجون الشرقيون»، وكذلك مائدتا رجلي الاعمال محمد أبو العينين والحاج حسين مجاور بالمهندسين، ومائدة افطار الكاتب والمفكر مصطفى محمود بجوار مسجده بالمهندسين ايضا .

وتعتمد هذه الموائد على الافطار الجاهز من مطاعم شهيرة او فنادق خمسة نجومه، وهناك موائد تعتمد على وجود شيف ومجموعة من الطباخين يعملون من خلال مطابخ ملحقة بالصوان الكبير الذي تقام به مائدة الرحمن ويكون معظمهم ممن يعملون ايضا في الفنادق الكبرى .

يذكر ان دخول الفنانات والراقصات عالم اقامة موائد الرحمن كان قد اثار منذ ما يقارب الثلاثة اعوام جدلا كبيرا بعد ان افتى احد مشايخ الازهر الشريف بأن الطعام الذي تقدمه الفنانات والراقصات فى الموائد حرام، مما جعل رواد هذه الموائد يحجمون عنها، بل ولقد خاف أصحاب معارض السيارات وأصحاب ورش النجارة وتجار الفاكهة والخضار وتجار العملة وغيرهم من أصحاب الموائد الكبيرة ان تشملهم هذه الفتوى ايضا .

وجاءت فتوى تحريم الإفطار على هذه الموائد، استنادا لقوله صلى الله عليه وسلم: «إن الله طيب لا يقبل إلا طيباً»، ولأن مصدر أموال هؤلاء الفنانات والراقصات هو إظهار مفاتن الجسد. لذلك فإن طعامهن حرام .

إلا ان دار الإفتاء المصرية أعلنت ان موائد الرحمن هي باب من ابواب البر أياً كان مصدرها، فلماذا نمنع الفنانات من اقامتها ابتغاء مرضاة الله.

 
ارسل هذا المقال بالبريد الالكترونى   اطبع هذا المقال