الجمعـة 07 صفـر 1426 هـ 18 مارس 2005 العدد 9607
ارسل هذا المقال بالبريد الالكترونى   اطبع هذا المقال  
 

الملكيات الدستورية في أوروبا .. تطور يعكس «الخصوصية»

جوناثان باريس*

الكل في العالم العربي يتحدث هذه الأيام عن الإصلاح، وإلى جانب الحديث عن الديمقراطية تدور ضجة حول الدساتير. ولكن ما هي وظيفة الدستور؟ عندما كنت طالبا بالجامعة في سبعينات القرن الماضي ناقشنا في مادة القانون الدستوري توجيه الاتهام رسميا للرئيس الاميركي الأسبق ريتشارد نيكسون، فضلا عن حق الطلاب الذين ينتمون الى أقليات محرومة بسبب وضعهم الاقتصادي في دخول المدارس، بالإضافة الى مساواة السود مع البيض، وحق النساء في الاجهاض. هذه القضايا كانت تعكس الأجندة الليبرالية لتلك الحقبة. اتصور ان طلاب القانون هذه الايام يتعاملون مع قضايا مختلفة تعكس الاجندة المحافظة لحقبة يسيطر فيها اليمين الفكري والثقافي علي العالم. ومع اقتراب موعد تعيين الرئيس بوش قاضيا، وربما اثنين، للمحكمة العليا ورئيسا للقضاء، ستتواصل المعركة بين الليبراليين والمحافظين حول تفسير الدستور الاميركي. تعكس الدساتير في اوروبا التكوين الاجتماعي والسياسي والتاريخي الفريد لكل بلد. فإذا اخذنا الملكيات الدستورية الاوروبية، على سبيل المثال، تشكل اسبانيا والنرويج وبلجيكا، ضمن الملكيات الدستورية الثماني المتبقية في اوروبا، نموذجا للتباين مثير للاهتمام.

جوهر الملكية الدستورية يكمن في حجم صلاحيات وسلطات المؤسسة. ملوك اوروبا لم يكونوا في السابق شخصيات ورموزا تشريفية، فبمرور الزمن تطورت السلطات والصلاحيات الملكية الى برلمان منتخب ورئيس حكومة منتخب. بعد قرابة اربعين عاما على دكتاتورية الجنرال فرانكو في اسبانيا، صاغ من تولوا الحكم بعده دستورا للبلاد منح الملك صلاحيات وسلطات محدودة، وكانت الواجبات الموكلة اليه بنص الدستور غير سياسية الى حد كبير. خلال صياغة ذلك الدستور عارضت احزاب اليسار بقوة وجود أي نوع من الملكية على اعتبار انها تركة لها صلة بحقبة الجنرال فرانكو، وفضلوا تأسيس حكومة جمهورية. وفي نفس الوقت ابدت العناصر المحافظة رغبتها في الإبقاء على الملكية بغرض استخدامها كوسيلة لاستمرار ارث حقبة فرانكو. بين هذين النقيضين كان يقف الاصلاحيون الذين كانوا يعتقدون ان الملكية ستكون عنصر استقرار خلال الفترة الانتقالية للديمقراطية. يعود الفضل في نجاح هذه الترتيبات الى الملك خوان كارلوس. بالمقابل يعكس دستور النرويج، الذي يضع سلطات مهمة في يد الملك، حقيقة ان الديمقراطية الحديثة كانت لا تزال في مهدها عام 1814 عندما جرت صياغة الدستور. وفي بلجيكا تحمل الناس قرونا من حكم الحكومات الاجنبية وكانوا يرغبون في مشاركة اكبر في الحكومة مثل المعارضة التي واجهها الملك ليوبولد الثالث، الذي اجبره الناس على التنازل لحساب نجله عام 1950 .

الدستور البلجيكي اقرب الى النموذج الاسباني في الجانب المتعلق بالدور التشريفي للملك مقارنة بالدستور النرويجي، الذي لا يزال ينص على سلطات وصلاحيات رسمية في يد الملك. تعكس الدساتير ما اذا كان هناك تجانس بين سكان البلاد، مثلما هو الحال النرويج، او تباين، مثلما في بلجيكا. كما يعكس الدستور التجانس الثقافي والديني وينص على ان المذهب الانجليكاني ـ اللوثري سيظل الدين الرسمي للدولة، رغم ان الدستور ينص في ذات الوقت على الحرية الدينية. وبخلاف نص واحد يحمي الاسكيمو، صمت الذين صاغوا الدستور النرويجي ازاء المهاجرين والاقليات والاجانب. على الطرف الآخر من هذا الطيف المتعدد تقع بلجيكا التي يحمي دستورها حقوق الشعوب المختلفة والتي تحكمها أمة واحدة. تم وضع الدستور البلجيكي عام 1831 ثم تمت مراجعته عام 1980 بعد أن أصبحت بلجيكا دولة فيدرالية متكونة من ثلاث مناطق إدارية هي مناطق الوالون والفليمش وبروكسل. يشير الدستور إلى أن هذه المناطق التي تضم ثلاث كيانات اجتماعية هي الفرنسية والفليمشية والألمانية مع أربع مناطق تستخدم لغات مختلقة هي الفرنسية والهولندية والألمانية والمنطقة المتعددة اللغات الممثلة بالعاصمة بروكسل. ووفر الدستور المعدل عام 1980 للفئات والمناطق المختلفة استقلالا ذاتيا وسلطة أكبر.

كذلك هو الحال بالنسبة لإسبانيا التي لديها مشاكل حادة بين المركز والأطراف فمع العاصمة مدريد في مركز البلد ومطالبة الباسكيين بالحكم الذاتي تظل مناطق كاتالونيا في الأطراف. وتناول الدستور هذه المسألة الشائكة عن طريق جعل القسطيلية التي هي اللغة الإسبانية المستخدمة في مدريد لغة رسمية لكن سمح للمناطق الأخرى باستخدام لغاتها الإسبانية الأخرى. إضافة إلى ذلك فإن إسبانيا اليوم تسمح لمنطقة الباسك بجمع ضرائبها وهو تنازل كبير للاستقلال الذاتي المحلي لكنه غير كاف لإنهاء مقاومة حركة ايتا الباسكية.

وتعكس الأنظمة الملكية الأوروبية الاتجاهات الديمقراطية عبر فترات زمنية مختلفة، وهذا واضح في حالة النرويج خلال القرنين الماضيين وفي حالة إسبانيا يتضح ذلك خلال العقود القليلة الأخيرة.

والدساتير الأوروبية غير معنية كثيرا بحماية حقوق الأقليات من استبداد الأغلبية مثلما هو الحال مع الدستور الاميركي على الرغم من أنها جميعا تحقق توازنا ما بين المؤسسات الثلاث: التنفيذية والتشريعية والقضائية. ومن الملاحظ أن دساتير البلدان العربية أرسيت على أرضية الفصل ما بين هذه السلطات، لكن مع اعطاء العائلات الملكية دورا في السلطة التنفيذية والتشريعية. وتقدم الأنظمة الملكية الدستورية الأوروبية نموذجا للحكم للأنظمة في الشرق الأوسط في مجال واحد مهم. وهذا يتمثل في إمكانية حفظ المؤسسة الملكية بواسطة القانون إضافة الى توسيع مبدأ الانتخابات الوطنية والمحلية والإجراءات الأخرى مع مرور الزمن.

*خبير بكلية سان انطوني فى جامعة اكسفورد البريطانية

 
ارسل هذا المقال بالبريد الالكترونى   اطبع هذا المقال