الجمعـة 29 محـرم 1426 هـ 11 مارس 2005 العدد 9600
ارسل هذا المقال بالبريد الالكترونى   اطبع هذا المقال  
 

جمال خاشقجي: من يسار حكمتيار إلى يمين تركي الفيصل

أحن إلى الصحافة.. 54 يوما لم تكن كافية * نعم خرجت من جبة الإخوان المسلمين.. والسلفيون دائماً رد فعل لهم * محاضرة في أميركا جذبتني لتيار الإسلام السياسي * يؤذونني في الإنترنت.. وألوم صمت المشايخ!

جدة: عمر المضواحي
وضع جمال خاشقجي، المستشار الإعلامي للأمير تركي الفيصل، السفير السعودي في بريطانيا، النقاط على حروف ظلت معلقة في مسيرته الصحافية، حيث تنقل بين أكثر المناطق الإسلامية سخونة، كتحرير أفغانستان من الاحتلال السوفياتي مرورا بالأزمة الجزائرية، فحرب الخليج الثانية في الكويت، وصولا الى السودان والجارتين اللدودتين الهند والباكستان، وغيرها طوال 25 عاما قضاها كرقم بارز في الصحافة السعودية. وفيما يلي نص الحوار:

* لماذا السعودي يحمل هم العالم ولا يحمل هم نفسه؟

ـ هذا صحيح، خاصة الإسلاميين السعوديين. فهم خلال فترة الثمانينات والتسعينات كانوا موجودين في كل مكان في العالم، وهذا شيء طيب. بمعنى اننا جزء يعيش مع العالم، يمكن لأن شعورنا بأننا أهل الجزيرة العربية وأننا أهل الدعوة التي انطلقت من هنا، فنشعر بشيء من المسؤولية تجاه ما يجري في كل مكان، وبعض تلك المشاعر أدخلتنا في مشاكل بعد ذلك.

* هل كان الأمر بمثل هذه البراءة. ألم يكن المحرك وراء كل ذلك هو البحث عن أرض لتحقيق حلم الخلافة الإسلامية؟

ـ لا بد أن نؤرخ هنا. فكرة الدولة الإسلامية فكرة موجودة وقوية جدا في تيار الصحوة الاسلامية بأطيافه المتعددة. وكلها كانت تسعى لذلك الهدف. وعندما أتحدث عن نفسي شخصيا، نعم عندما أقتربت من الإسلام السياسي وكان ذلك في أمريكا تأثرت بمؤتمر حضرته هناك كان عنوانه «التغيير الإسلامي» وكان محوره الحقيقي هو كيف نسعى الى قيام الدولة الاسلامية التي تنشر العدل وتقمع الظلم وأن يفيء الناس بخيرها وتعيد للمسلمين هيبتهم وكرامتهم وهو حلم جميل. لكن بمرور الزمن والتجارب خلصت الى الاعتقاد أن الدولة الإسلامية بهذه النظرة المثالية باتت في زماننا مستحيلة والله أعلم. أعتقد انه يجب أن نؤجلها الى قدرة الله سبحانه وتعالى، مع أنني متأكد بوجود آخرين يقولون بحتمية الدولة الإسلامية. هناك كتاب بعنوان (حتمية الحل الإسلامي) للشيخ يوسف القرضاوي وقرأناه في أول نشأتنا، ربما لو أعاد الشيخ القرضاوي كتابته الآن كان من الممكن أن يقول بـ (حتمية الحل الديمقراطي) أو حتمية الحرية. بعض علماء الإسلام الآن بدأوا يجدون أن الليبرالية صفة جيدة ومناسبة للدعوة الاسلامية، كونها تعطي كل ذي حق حقه، وقد سمعت من بعضهم هذا القول لكن معظمهم لا يصرح بذلك.

* أي ليبرالية تعني؟ ـ أعني النظام الليبرالي السياسي الغربي. الذي يسمح لكل صاحب تيار أن يدافع وينافح عن فكرته داخل حدود اللعبة السياسية. وأن يقود البلد اذا انتصر في الانتخابات وفق الآلية التوافقية التي يصل بها الى السلطة. عندما يفوز الحزب الاشتراكي في فرنسا مثلا، لا يستطيع أن يفرض على المجتمع الفرنسي كل آرائه، وانما يتوافق مع الآخرين حتى ولو تحققت له الأغلبية. فالنظام الليبرالي الغربي لا يعطي الشخص الأغلبية المطلقة، وقلما يفوز حزب أو مجموعة بأغلبية مطلقة. وهذا مذهب جدا جميل لو نتعلمه ونمارسه. أعجبني قول سمعته من الأمير عبد الله بن عبد العزيز استخدم كلمة (الأغلبية)، وهذه الكلمة هي المفتاح السري لحل كل مشاكلنا، لو يقبل الجميع برأي الأغلبية.

* من برأيك التيار الذي يحوز على الأغلبية في المجتمع السعودي؟

ـ الحديث هنا هو عن النظرية بإطلاقها، لو تخيلنا أن لدينا إنتخابات برلمانية غدا لا أتصور أن هناك تيارا دينيا بذاته سيكتسح. أعتقد أن من سيكتسح هو تيار الوسط.

* من يقود هذا التيار؟

ـ حتى الآن، أفضل من يقوده والمعبر عنه هو الحكومة. وهو التيار المعني بحياة الناس ولقمة العيش. فهو ليس تيارا أيديولوجيا مشغولا بالتنظير، كالتيار المنظر لليبراليته، أو الأخر المنظر في إسلاميته. هذان التياران غير معنيين بسلم الرواتب وتكاليف الدراسة والاستطباب وبالمسائل الحياتية.

* لماذا التيار الليبرالي في السعودية يبحث دائما عن منح مساحة أكبر من الحرية للتيار الخصم، ولا يهتمون كثيرا بالجانب المتعلق بلقمة العيش؟

ـ لأنه لم تتحقق المشاركة الشعبية بعد بالشكل الذي يطمح الجميع إليه.

* لكنكم تقدمون أنفسكم كقادة فكر وثقافة، ووظيفة القائد أن يقود؟

ـ الصحافيون الناجحون والمعروفون هم القريبون من الاهتمام بهذه المواضيع. قينان الغامدي مثلا، معروف أنه يهتم بهذه الموضوعات وهو قريب من قلب الناس، وربما قريب من محافظ نقودهم. ربما المجالس البلدية المحلية قد تؤدي ليس في صيغتها الأولية الآن، لكن ربما في مرحلة لاحقة، عندما تتمكن من إخراج الناس الذين يمثلون عامة المواطنين أمام الحكومة، والحكومة هنا هي البلدية أو الأمارة في المحافظة. ربما هذا يحصل، بل يجب أن يحصل.

* في كل كتاباتكم وتعليقاتكم الصحافية والفضائية تسعون جاهدين الى ردم هوة بحجم المحيطات ما بين العالمين الإسلامي والغربي، لكن الواقع يشي بأنكم عجزتم أولا عن رتق شق الخلاف بينكم وبين مناوئيكم في الداخل. كيف تفسرون هذا الطرح؟

ـ أولا هذه هي السياسة المعلنة للسعودية. في كلمة الملك فهد أمام مجلس الشورى نصت بوضوح بأن السعودية جزء من العالم ولن تنسلخ عنه. هذه سياسة وطنية وليست سياسة هذا الكاتب أو ذاك، فما الغريب في التوافق والاخذ من الغرب أحسن ما عنده، ثم أن هذا الأمر كان السائد طوال عقود وأجيال عدة، ولم يطرأ مفهوم الفسطاطين ودار الحرب ودار السلم الا في الفترة الماضية. العولمة خيار إستراتيجي لأي دولة تشعر حكومتها بالمسؤولية ووجوب أن تكون متفاعلة مع العالم كله، الا إذا أراد البعض نموذج ألبانيا أنور خوجة، أو أفغانستان الملا عمر. أعتقد أن 99 في المائة من الشعب السعودي لا يريدون لبلادهم أن تكون ألبانيا أنور خوجة ولا أفغانستان الملا عمر.

* ألم يكن من الأجدى أولا تجسير هذه الفجوة بين التيارات المتصارعة؟

ـ طبعا هذا غلط، وهذا الاستقطاب يأكل من رأس مال البلد. يجب أن نعترف أن بلدنا في حالة إستقطاب وهي حالة مزعجة. السعودي التجديدي والذي يوصف بانه ليبرالي يتهم نظيره المحافظ بأنه من أنصار القاعدة، وفي المقابل يتهم المحافظ مواطنه التجديدي بأنه عميل لأميركا وأنه طابور خامس. هناك تنابذ بالألقاب مستمر ومتفاعل بين الطرفين. وغالبية الشعب السعودية يتفرج ضاحكا على هؤلاء وأولئك، لأنهم في الحقيقة غير معنيين بهذا الأمر ولا يعجبهم هذا الأسلوب. نعم يجب أن يوضع حد لهذا الأسلوب. فما يجمعنا أكثر مما يفرقنا. الخلاف طبيعي لكن التنابذ بالألقاب وسوء الظن غير طبيعي. من الطبيعي أن تكون هناك تيارات وهذا ديدن كل المجتمعات وهي مسألة صحية لكن يجب أن نغلب حسن الظن ولذلك أصول في ديننا، فالإتهامات التي تلقى بأن هذا عميل لأميركا أو أن هذا إرهابي متطرف تابع للقاعدة باطلة وتقوم عليها مسؤليات أمنية. فالعميل لأمريكا يجب أن يحاكم بتهمة الخيانة، والمنتمي للقاعدة يجب أن يدخل السجن ويحاسب على انتمائه لهذا التنظيم.

* تتهم دائما أنك من مرجعية إخوانية. هل أنت كذلك فعلا؟

ـ أنا ضد الحزبية وأعتقد أننا في بلدنا لا نحتاج الى ذلك.

* أفهم أنك ضد.. لكن السؤال يتحدث عن لماذا حسبت حزبيا؟

ـ ربما لأني تأثرت في نشأتي بكتب الأخوان المسلمين وفكرهم. عندما تؤرخ الصحوة الإسلامية في الثمانيات من القرن الماضي، كانت أول مجموعة نشرت التدين بين الشباب هي الإخوان المسلمون. والجيد في تلك المرحلة أن هذه المجموعة (في السعودية) رفضت فكرة الحزب والبيعة لزعيم على أساس أن هناك بيعة لولي أمر شرعي ولا يجوز بحال من الأحوال نزعها أو التجمع حول شيخ أو زعيم. كانت المجموعة أشبه ما تكون بتيار طلابي ثقافي، ربما كان هنالك مجموعة منظمة لكنني شخصيا رفضت فكرة التنظيم لأن اعتقادي كان أن التنظيم عبء ولا توجد حاجة له. كان مسموحا نشر الدعوة والدولة كانت تشجع على ذلك، وطالما أن الدعوة مسموح بها وعلنية فلماذا ندخلها الى تحت الأرض.

* لكن كان هناك تيار آخر يمارس الدعوة السلفية في نفس الملعب وهو يرى أنه الأحق وصاحب الأرض والجمهور؟

ـ للأسف الصحوة الإسلامية جميعها في المملكة وخارجها تأثرت بهذا الصراع المزعوم وغير الصحي ما بين السلفيين والأخوان المسلمين. واستمر هذا التنافس في كل مكان في جامعات أميركا وفي أفغانستان وغيرها. ولو جاء شخص ليؤرخ لتلك المرحلة لوجد أن الريادة والسبق كانت دائما للإخوان المسلمين، وكان السلفيون يأتون بعدهم فيكررون ما فعله الأخوان. مثلا إذا كان الإخواني يذهب للجهاد في أفغانستان أولا، تجد أن السلفيين يذهبون بعدهم ليفتحوا دور ضيافة. وإذا عمل الأخوان تنظيم طلابي في أمريكا يسارع السلفيون الى عمل تنظيم طلابي آخر في أمريكا، وإذا دخل الأخوان في هيئات الإغاثة والعمل الإغاثي يأتي السلفيون بعدهم ويدخلون في نفس العمل. كان السلفيون دائما رد فعل للإخوان. ولكن في النهاية ولظروف مختلفة اكتسحوا الساحة.

* والسبب؟

ـ لا أحب الدخول في هذا الباب. وكما قلت نحن على كل حال لم نستفد خيرا من كل هذا الصراع والتنافس. كان هناك نوع من التنافس غير الصحي، وكان الطعن في الظهر والانتقاص من الآخر ميز ذلك الصراع.

* ألا ترى أنه من الغريب أن الفريقين كانا يدعوان الى قيم أخلاقية وإسلامية رفيعة. لماذا لم تمارس هذه القيم عند لحظة الاحتدام بين الطرفين؟

ـ من الممكن الآن أن يقول أحد الطرفين إنه كان يمارس القيم الإسلامية العالية، وأن الآخر هو الذي لم يكن يمارسها. للأسف الأمر مستمر حتى الآن، وإذا دخلت الى بعض المواقع في الإنترنت، ستكتشف الطريقة التي يتحدث بها البعض عن مخالفيه.

* في مقالك (أي سعودية نريد؟)، تعرضت الى الدكتور عبد العزيز الفوزان الأستاذ بجامعة الإمام محمد بن سعود بالرياض وواجه مقالك (تسونامي) غضبا من التيار الذي يمثله الفوزان. هنا سؤال لماذا كنت دائما ما تسدد رماحك صوب هذا اللحم الحي؟

ـ أبدا.. صدقني أنا أبعد ما أكون من أن أفعل هذا الشيء متعمدا أو تشفيا، ولكن هناك وجهة نظر فيما أقول، ومساحة للاختلاف مع الآخر. أنا لا أعرف الدكتور الفوزان قبل أن أسمع رأيه في (تسونامي) ـ الدكتور الفوزان صاحب القول بأن كارثة المد البحري في جنوب شرقي آسيا كان غضبا ربانيا وعقابا إلهيا على الفساد الذي صاحب احتفالات عيد الميلاد في دول المنطقة ـ وسواء كان هو الذي قال هذا الرأي أو غيره لكنت سأنتقد ما قاله. لم أكن الوحيد الذي انتقدت هذا الرأي كان هناك محمد صلاح الدين وعبد الله بن بيه من السعودية وكذلك إسماعيل الشطي من الكويت، وغيرهم أنتقدوا هذ الأسلوب، رغم أنهم يملكون علما شرعيا أفضل مما أملكه بكثير، وكان المحور الذي جمعنا كلنا هو رفضنا لفكرة أن يأتي شخص ويخصص بالقول إن الله غضب على قوم بذاتهم فكيف أعرف هذا الشيء وهو من علم الله سبحانه وتعالى، أو أقرر أن الله أوقع غضبه في ذلك اليوم لهذه الأسباب التالية.

وللأسف الدكتور الفوزان كرر مقولته والمعلومة موجودة على موقع المجد، وللأسف الذي نبهني إليها هي الحملة التي انطلقت في الإعلام الأميركي والبريطاني ولما تتبعت أصول هذه الحملة وجدت أنها منطلقة من معهد (ميمري) الأميركي وهي مجموعة ليكودية وظيفتها التشهير بالعرب وإظهار العرب والمسلمين بمظهر غير المتسامح والكاره للغرب والكاره للمسيحية واليهودية لخدمة أهدافهم، وهم يريدون أن يقيموا الفسطاطين ويحققوا هوة هائلة ما بين المسلمين والغرب. وذكرت في مقالتي أنها نفس الأجندة التي يمارسها هذا التيار، هذا التيار أيضا يريد والتي عبر عنها بصراحة أسامة بن لادن يريد أن ينشأ فسطاطين لا لقاء بينهما الا الكراهية والحرب. وللأسف هناك ممن هم بيننا من يؤمن بهذا وأن لا مجال للالتقاء مع هؤلاء الا اضطرارا للتطبب أو دراسة لا تكون الا عندهم، أو حربا، أو شراء (جمسات) ـ سيارات سوبربان ـ من عندهم، وما عدا ذلك لا نتعامل معهم. فميمري تريد هذا الشيء وهؤلاء يريدون الشيء نفسه وهذا توافق عجيب ما بين المجموعتين.

* كيف استطاع مجموعة صغيرة تحزموا بأحزمة ناسفة تغير صورة الإسلام أمام العالم. هل كانت الصورة هشة؟ لماذا يترك إرهابي واحد أثرا أكثر مما يخلفه ألف قلم؟

ـ هذا طبيعي ليس فقط في عالمنا بل في أي مكان. ولذلك يلجأ الإرهاب الى العنف لأن الإرهابيين يعلمون أن العنف هو الذي يتصدر الصفحات الأولى من الجرائد، لو مجموعة أرادت أن تبني مدرسة فانها ستحتاج الى 100 شخص ليكتمل المشروع. وعندما يكتمل بناء المدرسة بالكاد ينشر عنه خبر في صفحة داخلية وعلى عمود واحد، ولكن عندما تفجر أتوبيسا، وهو عمل لا يحتاج أكثر من 3 أشخاص فقط لا غير، فإنك تضمن مكانا في الصفحة الأولى وعلى ثمانية أعمدة. هذه طبيعة الأشياء، لذلك يلجأ الإرهاب الى العنف، لان العنف يضعه في الصفحة الأولى. أيضا خبر الإرهاب والقتل والتفجير ينتقل عبر العالم، خبر عمل موسوعة أو إختراع علمي لا يحقق ذلك. أما عن لماذا يتسرع الغرب ويحكم علينا بالارهاب، فكثير من الناس يستخدمون الجملة التالية لماذا يسمون الإرهاب إرهابا إسلاميا بينما الارهاب يمارس في لندن وغيرها، ولم يسمه أحد بالإرهاب الكاثوليكي أو البورتستانتي. في الحقيقة لو نظرنا الى الإرهابيين في ايرلندا أو اسبانيا فإننا لا نجد أنهم يضعون آية من الإنجيل خلف ظهرهم، أو يحملونه في أيديهم ثم يذبحون إنسانا مقاولا بسيطا موجودا في أرض العراق. للأسف إرهابيونا يصرون بشدة على إلصاق الإسلام بإرهابهم. وللاسف لا أرى أن الغرب بعيد عن الحقيقة عندما يربط الإسلام بالإرهاب. نعم هذا ظلم هائل لنا نحن غالبية المسلمين. لكن للاسف ارهابيونا هم الذين يلحون على الغرب بتلك النظرة.

* هل تعتقد أن ما يجري في المنتديات الإنترنتية أنها تحرك من أيدي خفية تجاه شخصيات بعينها في الساحة المحلية؟. ـ نعم هناك من يقوم بتنظيم حملات منظمة وليست اعتباطا. أيام أزمتي في جريدة الوطن كنت أتلقى اتصالات بشكل منتظم أشعر كما لو كان مجموعة أشخاص في غرفة، ويتناقلون فيما بينهم سماعة الهاتف. كانوا يستخدمون نفس العبارات، ودائما ما كانت تأتي في سياق واحد. فتشعر بالفعل أن هناك مجموعة يشعرون بأنهم محتسبون بنوع من أنواع الجهاد بمقارعة ومواجهة هؤلاء الكتاب الفاسدين.

* ما رأيك بصحافة الإنترنت خصوصا في المنتديات والأشخاص الذين يتخفون تحت أسماء وهمية وقد لحقك أنت أذى كبير منهم؟

ـ أستغرب بالفعل كيف يجتمع الدين والتدين مع العنصرية والكذب، تعلمنا ونحن صغار عند مشايخنا أن المسلم عف اللسان لا يكذب ولا يتعصب عنصريا وهذه من أساسيات الدين. هؤلاء يدافعون عن الإسلام أو عن شيخ ما بالكذب على آخر وبشتمه. لا أعرف ما هذا المذهب الجديد، وماهية هذه الدعوة الجديدة. أنا ألوم صمت الشيوخ عن اتباعهم الذين يمارسون الكذب. الحق أنهم يؤذونني في الإنترنت وأضيق مما ينشرونه. لكن لا أضيق لشخصي، بل على بلدي، وان بيننا أناسا من هذا المستوى. لماذا، هل بعد سنوات التعليم وحلقات العلم أن يكون بيننا مثل هؤلاء؟ نعم أفهم أن يكون بيننا إرهابيون، لكن بيننا أيضا أناس متنطعون يمارسون الإرهاب في الإنترنت. لماذا نحن سيئو الحظ الى هذا الحد؟ أنا تألم بالفعل أن أجد كل هذا الكذب والعنصرية التي لا توافق أبدا أي منهج إسلامي. أتمنى على الناس الذي يخالفونني أن يقولوا أن جمال أخطأ في كذا وكذا، لكن لا تشتمني في أصلي وفصلي وشكلي.

* كصحافي كنت في كل مربع ساخن، تارة على يمين حكمتيار في أفغانستان، وأخرى في حرب تحرير الكويت، وثالثة في جبال الجزائر، ثم في سهول السودان ومهود الهند وباكستان، وانتهى بك الأمر على يمين الامير تركي الفيصل. هل تحب لعب دور الجوكر؟

ـ ما أراه في حياتي ان هناك نسقا يسير بشكل سليم، وليس هناك قفزات غير طبيعية في مسيرتي الصحافية.

* في رحلاتك الصحافية، اتهم دورك دائما بأنه لم يكن صحافيا خالصا. وأن خزان قلمك خالطه حبر سري لتقييم الوضع حيثما تكون، ويدفع المتهمين أن منصبك الحالي في ظل رئيس الاستخبارات السعودي السابق يؤكد صحة اتهامهم. كيف تردون؟

ـ هذا شرف لا أدعيه. حتى لو كان ذلك صحيحا فما العيب في ذلك؟.. لأن ذلك معناه أنني أخدم بلدي.

* هل هذا اعتراف؟

ـ لا.. هذا شرف لا أدعيه. بالفعل كنت صحافيا 100% وكان أكل عيشي من مهنة الصحافة ولم يكن لي دخل مالي آخر طوال فترة عملي. أبدا لم أكن أعمل مع أي جهة. ولكن لو طلب مني فلم أكن لأتردد قط. في بلدي لا تصطدم القضايا التي يتبناها الصحافي مع القضايا التي يتبناها الوطن. عندما أجريت الحديث التلفزيوني الطويل مع الأمير تركي الفيصل لم يختاروني لوسامة في الشكل أو لبراعتي في اللغة العربية بل لأني كنت ملما بالحدث الأفغاني وأنني أستطيع أن اتحدث مع شخصية بحجم الأمير تركي الفيصل وأخرج أفضل ما لديه من معلومات حول هذا الملف. أما الصحافيون والاستخبارات فهذه نظرية دائما موجودة ومطروحة، ولا شك أن الصحافي مصدر هائل للمعلومات.

* قيل أن ثلاث جهات أو موضوعات، كانت وراء عزلك من منصبك بعد أقل من 54 يوما على تسنمك المقعد رقم ثمانية كرئيس تحرير. قيل أن السبب هو الموضوعات التي نشرتها ضد هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فيما يؤكد آخرون أنه جاء إثر الرسالة المفتوحة التي نشرتها الى أسامة بن لادن، وطرف ثالث يشهد أن مقالة أجزت نشرتها للكاتب خالد الغنامي والذي مس فيها مكانة شيخ الإسلام ابن تيمية، كانت القاصمة. الآن وبعد أن انفض السامر... دمك في قميص من؟

ـ والله لا أعرف. ومن الصعب الإجابة على هذا السؤال. لا أعرف السبب الحقيقي وهي مرحلة مرت بخيرها وشرها.

* أتمسك بحق السؤال؟

ـ لا أعرف.. ولكن البعض اعتقد أنني أقود حملة على الثوابت الدينية وعلى المؤسسة الدينية. وهذا اتهام كبير جدا. معاذ الله أن أتجرأ في أن أقود حملة على ثوابتنا الدينية أو المؤسسة الدينية فهي أصل من الأصول التي لا تقوم هذه البلاد الا عليها. لكنني كنت ومازلت أرفض تقديس أي جهة. الدولة قلبها واسع لتقبل النقد، فلماذا أهل العلم لا يتقبلون النقد. لو كان الفقهاء الأوائل لا يتناظرون ولا يتحاورون ولا يتبادلون النقد لماتت ساحة الفكر. وحينما يكون اتجاه النشر والتأليف والرأي ذا مسار واحد، فحتما سيؤدي ذلك الى أن تبهت الصورة.

في موضوع إقالتي كانت هناك جهة، وارفض الكشف عنها لأن كلامي واضح، نحن الصحافيين في السعودية لدينا مرجعية واحدة. فلماذا نقبل مرجعية ثانية، وهي مرجعية أقسى وتقرأ في النوايا، وتقرأ بين السطور وتحكم لماذا نقبل بها؟ في الحقيقة عندما أقرأ بعض الصحف الآن أشعر أنها تخاف بالفعل من هذه المرجعية.

* من تقصد؟

ـ لا تعليق.

* هل انت نادم بأنك بقيت 54 يوما فقط في كرسى رئاسة التحرير؟

ـ أنا سعيد بما عملته للوطن، ولكنني اتحسر على الفرصة التي اتمنى ان تأتي مرة اخرى لأنني أريد أن أعمل صحافة مختلفة. لأن الصحيفة التي أتمنى والتي في بالي لم تصدر حتى الآن. المرحلة الحالية مرحلة جميلة جدا في الواقع للتحرير، ويجب على الصحافة أن تستغلها، وهي الإصلاح وانفتاح المملكة على الأفكار الجديدة، يجب أن يكون رؤساء التحرير قادرين على التجاوب مع تطلعات الإصلاحيين في الدولة وفي الحكومة. هناك أفكار جديدة كثيرة يجب أن ننقلها للرأي العام السعودي ونساعد هذه المسيرة. للأسف بعض الصحف لا تفعل ذلك. وأعتقد أن هناك فرصة هائلة أمام رؤساء التحرير.

* لو عدت ثانية الى كرسي رئاسة التحرير ما هي القضية الأهم التي كنت ستعطيها الأولوية؟

ـ نفس الشيء الذي كنت أريد أن أطبقه في جريدة الوطن؟

* الحرب ضد هيئة الأمر بالمعروف؟

ـ لا، لم تكن هذه الحرب في أجندتي تماما. وانما نقل أفكار التحديث.

* لكن التحديث يتقاطع مع آراء المؤسسة التقليدية؟

ـ المؤسسة الدينية تمثل الدين، والدين لا يختلف مع التحديث. فإذا كانت المؤسسة الدينية تعبر التعبير الحقيقي عن الدين فإنها لن تتعارض مع التحديث.

* هل ثماني صحف قادرة على ترك تأثير يفوق 73 ألف منبر جمعة في السعودية؟

ـ لا أعرف من هو المؤثر أكثر. ولا ما إذا كان المصلون في المساجد يأخذون معلوماتهم من أئمة وخطباء المسجد. هناك كثيرون من يقولون بهذا القول في مسألة تأثير خطباء المساجد، لكن لا أعتقد أنها تؤثر في الرأي العام. أشعر في هذه الفترة أن هناك بهتانا شديدا في دور خطباء المساجد، وأن خطبهم في معظمها باهتة ومحفوظة ومكرورة.

* وماذا عن الأشياء الأخرى؟

ـ التحديث، نقل الأفكار الجديدة للرأي العام السعودي، توضيح ماذا يجري في العالم من حولنا من تطورات. يجب أن يعرف المواطن السعودي ماذا يفتقد. كيف يعيش المواطن الكوري والانجليزي والسويدي وماذا نفتقد نحن؟ علشان ترتفع طموحاته وترتفع مطالبه، اقناع الرأي العام بضرورة التفاعل مع الرأي العالمي وقبول الآخر إعطاء أولوية للمصالح المعيشية، وإعطاء أولوية للترقي ولتنمية الذات. وأعتقد أن المجتمع السعودي مستعد لذلك، لو ذهبنا الى مكتبة جرير مثلا، ورأينا ما هي الكتب الأكثر مبيعا لوجدنا أنها الكتب المعنية بهذا الجانب من ترقية الذات وتقوية القدرات.

* بين كتاب المقالات والصحفيين تباين واضح في حدود حرية الكلمة لصالح الطرف الأول. كيف تفسرون ذلك؟ ـ ليس لدي إجابة جيدة لذلك. لكنني في النهاية ألوم المحررين. إذا كانت الفرصة متاحة للكتاب فبالتالي هي متاحة للمحررين، لكنهم لا يستخدمونها بالرغم من أن المحرر لديه إمكانية التحري والتقصي وجمع المعلومات أفضل مما هو متاح عند الكاتب.

* ما هو الفرق بين جمال خاشقجي الصحافي، والكاتب؟

ـ أفتقد العمل الصحافي، فهو ممتع جدا. حين تخرج من مكتبك لتذهب الى المصادر لجمع المعلومات. في عملي الكتابي من وراء المكتب أعتمد على تحليل المعلومات التي تصلني من خلال الهاتف أو في الجلسات أو المؤتمرات التي أحضرها، فأضعها في مقالي. من حظي الجيد أن عملي الآن ما زال قريبا من مصادر المعلومات مما يوفر لي مادة لكتابة المقال. وأشكر الفرص التي توفرت لي والتي لم تبعدني من القدرة على أن أكتب مقالا يحتوي على معلومة، لأنني أعتقد أن كتابة مقالة بدون معلومة ستكون مقالة انطباعية ولا أعتقد أن القراء يهتمون بمعرفة رأي الكاتب بقدر ما يريدون معلومة من الكاتب ورأيه القائم على هذه المعلومة.

* من النادر ان نقرأ لك مقالا عن المرأة؟

ـ المرأة ودورها موضوع أساسي، وأتمنى ان تكون هناك خطة من الصحافة لمعرفة الفوائد الاقتصادية التي سيجنيها البلد من تشغيل المرأة. للأسف هناك الكثير من المسائل نحن نناقشها بعيدا عن الاقتصاد. وأعتقد أن السيدات السعوديات مقصرات، فهن لا يدافعن عن حقوقهن، ولا يجب لأحد أن يطالب بحق الا من خلال أصحاب هذا الحق، وليس كاتبا بالوكالة.

* لماذا اخترت ان يدرس أبناؤك في الجامعات الأميركية لماذا لم تدرسه في اليابان مثلا؟

ـ أحب الجامعة الأميركية، كما أنني اريده أن يتقن اللغة الإنجليزية فإذا أراد ولدي أن ينجح في حياته فعليه أن يجيد اللغة الأنجليزية، وعندما أتته الفرصة رحب بها ودعمته تماما، للأسف هناك شيء خطير وقادم سيحصل في السعودية. وهو أن هناك طبقة من السعوديين الذين يعرفون الغرب ويجيدون لغته، وهم متعلمون في جامعات غربية وهؤلاء سيكونون في المناصب القيادية والعليا بحكم تعليمهم العالي سواء في الشركات والمصانع والبنوك وغيرها وآخرون رافضون لهذا كله، وبالتالي لن يتبوأوا مناصب وستحصل فجوة ثقافية واقتصادية بين المجموعتين. وقد تؤدي هذه الفجوة الى نوع من الاحتقان وهذا مفزع.

 
ارسل هذا المقال بالبريد الالكترونى   اطبع هذا المقال