الاربعـاء 25 ربيـع الثانـى 1427 هـ 24 مايو 2006 العدد 10039
ارسل هذا المقال بالبريد الالكترونى   اطبع هذا المقال  
 

محمد عفيفي مطر في عباءة السبعين: أنا شاعر كبير والتراث الصوفي ليس ملكا لأدونيس أو أي أحد

القاهرة: محمد أبو زيد

احتفت المؤسسات الثقافية في مصر قبل أيام بالشاعر محمد عفيفي مطر بمناسبة بلوغه السبعين، وضمنها الاحتفالية التي أقامها المجلس الأعلى للثقافة بهذه المناسبة. هنا لقاء معه عن روافد تجربته الشعرية وعلاقته الإشكالية بأدونيس وصلاح عبد الصبور وأمل دنقل، ورأيه بقصيدة النثر، والعلاقة بين الشعر والسياسة.

> أنت واحد من اثنين شكلا ذاكرة شعراء السبعينات في مصر، كيف ترى هذه العلاقة ما بين هذا الثالوث: مطر وأدونيس وشعراء السبعينات؟

ـ أنا أولا ضد تقسيم الشعراء إلى حقب وأجيال، لان هذه مصطلحات غير فنية، ولا يقسم الشعراء على مناهجهم الشعرية ولا على إنجازاتهم، وشعراء السبعينات ليسوا شاعرا واحدا، ولا تجربتهم تجربة واحدة، وكذلك جيل الستينات وهكذا، أما تأثير أدونيس، أو تأثيري، أو تأثير أدونيس على الجميع، فهذا كله في حاجة إلى دراسات موضوعية معمقة لا تجرى فيها مثل هذه الأحكام بشكل عشوائي. وفي نهاية الأمر، الشعر العربي كله يشكل جوقة كبيرة، أوركسترا هائلة، يشترك الجميع في عزف هذه المعزوفة التي تعبر عن روح هذه الأمة، وعن تراثها، وعن مشاكلها، وعما يعتري حياتها من الاختلال، فكل هذا يجعل تجارب الشعراء حتى إن اقتربت أو اختلفت تجرى فيها روح شعرية واحدة تعطيها روحا متشابهة.

> بمناسبة ذكر أدونيس، يرى بعض النقاد العرب أن تجربة أدونيس قد أضرت إلى حد كبير بتجربة مطر، ويعللون ذلك بأن مناطق كثيرة في تجربتك الشعرية افتقدت نموها الخاص، وظلت أسيرة لأدونيس كنموذج، خاصة تعامله مع التراث الصوفي واللغة؟

ـ التراث الصوفي ليس ملكا لأدونيس، وليس ملكا لأحد بالذات، أنا درست فلسفة، ودرست التصوف في الفلسفة الإسلامية، وقرأت كثيرا في التصوف، وأنا قارئ لفلسفة ما قبل سقراط، وفيها كثير من المصطلح الشعري المستخدم، فالفكرة في مسألة التأثير والتأثر أنها لا تقال من أجل التوضيح أو الفهم، لأنها عادة في الدراسات النقدية أو التلسين النقدي، مجرد كلمات تقال حتى يلغي شاعر شعراء آخرين، أو الأوحدية التي تربت عليها الثقافة العربية: الشاعر الواحد، والملك الواحد، والخليفة الواحد، والمذهب الواحد، وهي فكرة سخيفة بلا معنى، فأدونيس شاعر كبير، وله دور كبير أثر على الجميع واشتبك معه الجميع في حوار شعري عميق أو غير عميق ضحل أو غير ضحل، وحسب كل واحد ما أخذ من وجهة نظر أو موقف. وفكرة أن هناك شاعرا يلغي بقية الشعراء مسألة طال عليها الكلام، وأصبحت من السخف إلى احد أن الرد عليها يوقع المرء في أمرين، أما تحقير أدوار الآخرين أو الوقوع في تجريمهم، أو الإهانة، وكل هذا أمر مرفوض. أدونيس شاعر كبير، وسعدي يوسف شاعر كبير، ومحمود درويش شاعر كبير، وشعراء السبعينات فيهم شعراء كبار، وأنا شاعر كبير.

> يرى البعض أن الكثافة اللغوية والمستويات والعلاقات المتعددة في قصيدة مطر، نتيجة لبنية تراكمية، أضرت بالقصيدة، وبتصوري ربما يرتبط هذا أصلا بعالم الرؤية المتشابك عندك الذي تأسس على مزيج من الفلسفة المادية والتصوف والاحتفاء بالخرافة الشعبية. كيف استطعت ان توازن أو حتى تصالح بين كل هذه العناصر؟

ـ الشعر فن زمني تتكون فيه القصيدة بالتراكم والانتقال من سطر إلى سطر وليس فنا كلاسيكيا أو تشكيليا يمكن أن تراه بنظرة واحدة، فالمضاف والمضاف إليه، والوصف والأساليب الأخرى تستخدم لتعطينا في النهاية قصيدة وصورة واحدة. وهذا التراكم ليس تراكما عشوائيا ولا مجانيا، ولا تراكما للتداعي غير المترابط، بل هناك ترابط يحكمه منطق قصيدة معينة، وعالم قصيدة واضح، وليس متروكا في الفراغ واستخدام المضاف والمضاف إليه والعطف والوصف. وكل هذه الأساليب لا تظهر إلا من خلال وجودها وتجسدها في عمل شعري محدد، لأنه من الممكن أن تكون الإضافة فارغة وتافهة ويمكن أن تكون عملية تركيبية لإغناء وتوسيع الأبعاد أو زيادة بؤرة التأمل، فليست المسألة مسألة عطف أو وصل أو إضافة، فالمهم هو بناء القصيدة وعالمها وهل هي محكومة بمنطقها الخاص أم لا، وهل تؤدي في النهاية إلى هذا العمل الكلي المسمى القصيدة أم لا.

> كنت أحد المتحمسين لانفتاح القصيدة على كل الأنواع الأدبية الأخرى لكنك تعاملت بحذر شديد مع قصيدة النثر التي أصبحت تشكل متن الشعر العربي الآن، هل تتفق مع مقولة زميلك الشاعر أحمد عبد المعطي حجازي بأن قصيدة النثر شعر ناقص؟

ـ أولا كل الشعر شعر ناقص.

> بمعنى؟

ـ بمعنى أن الشعر أكبر من الشعراء جميعا، وأكبر من كل ما كتب، وأكبر من كل ما سوف يكتب، من الصعب جدا ومن غير الإنساني أن تطالب رجلا في سن الستين أو السبعين أن تتغير ذائقته، وتتغير مفاهيمه في الأدب والفن والثقافة، أن تتغير مفاهيمه كل عشر سنوات، أو كلما زعق أو نعق ناعق، هذا غير ممكن خاصة في الفن. قصيدة النثر اعتبرها قصيدة وسأتجاوز النظر في إشكالية كلمة قصيدة، وكلمة نثر. الشعر شائع في كل شيء وهناك نثر فيه الشعر المرهف العميق الكثير جدا، لكنك لا تسمى هذا النثر شعرا، ولا تسمى المقطوعة قصيدة، أنت لا تقول عن النثر العظيم عند النفري أو ابن عربي أو المتصوفة أنه شعر، على الرغم من هذه الكتابة لها هذا الشكل، وليس مطلوبا مني أن أوافق على كل شيء أيضا، وليس مطلوبا لهؤلاء الشعراء الذين يكتبون هذه القصيدة اعترافا من أحد، فلينكر الناس أنها قصيدة. لكن ما دمت أنت تراها فنا جديرا بالتعب والجهد، وجدير بالكدح والنحت في اللغة فهي فن وتستحق الدفاع عنها والإيمان بها، ولكن لا تلزم أحدا بالإيمان بها فالحياة متسعة، وهناك مئات الشعراء، والجمهور ليس واحدا وهو يتذوق كل شيء من أحمد عدوية إلى الغناء التافه الذي يقال الآن، وفي تصوري طرح القضايا بهذا الشكل ينطوي على رغبة فاشية وعدوانية سخيفة وكأننا نتنازع ميراثا على أحدنا أن يستولي عليه وعلى الآخر الخروج من اللعبة، فليكتب كل إنسان قصيدته.

> لك تجربة في الكتاب للأطفال يرى البعض أن لغتك فيها لا تتناسب وسيكولوجية الطفل وغير شيقة، ما رأيك؟

ـ أنا لا أكتب للطفل في سن ثماني سنوات، أنا أكتب للأولاد من سن الثالثة عشرة وحتى آخر المرحلة الثانوية وأوائل الدراسة الجامعية. وفي هذه السن بالتحديد انا كنت أقرأ مصطفى صادق الرافعي واحفظ محمود حسن إسماعيل واقرأ الجاحظ وأبا حيان التوحيدي والعقاد وطه حسين، وأنا أثق في الأولاد ومتأكد مائة في المائة أن ما هو قائم لن يدوم، وأن هذا الخراب الذي يحدث في التربية والتعليم والمدارس والكتاب المدرس وفي برامج الأطفال في التلفزيون ومجلات الأطفال. أعلن أن هذه الكارثة لا عمر لها، وستزول ويجب أن تزول، هذه واحدة، الثانية أنني اكتب ولدي هذه الثقة، وأتوقع أن أبا ما أو أما ما أو معلما في المدرسة سيلتقط كتابا من هذه الكتب ويعيد حكيه، وربما يأتي أحد من مسؤولي التعليم ويقرر كتابا من هذه الكتب. هذه طريقتي وعملي الذي اعتبره جهادا مقدسا، أنا معلم، وعشت معلما عشرين عاما، وأفهم التربية والتعليم، وأفهم ما يمكن أن يحدثه المعلم في التلاميذ. أنا أقول أنه لم يعد هناك مهمة كما لا يوجد هناك أب أو أم، لم يعد هناك أحد يجلس مع ابنه ليحكي له أو ليدخله إلى عالم التجربة أو يورث موروثة من حكايات الآباء أو الأجداد، أو حتى يكلمه، الآباء والأمهات والمعلمون منشغلون الآن بأشياء أخرى غير الأطفال، والطفل مسروق بالتلفزيون، والأب والأم أيضا مسروقان بالتلفزيون ولم يعد هناك أحد يكلم أحدا، أنا أكتب كتابة مقاوم ومجاهد واحتسب على الله ما أكتبه.

> يقال ان مطر بعد مواقفه الحادة والمعارضة للنظام، استطاع النظام أن يستأنسه أخيرا، وأصدرت له المؤسسة الثقافية الرسمية بعض الكتب، ما رأيك؟

ـ وهل هي لعبة، هل هناك أحد يستطيع أن يستأنس الأسد؟ ما معنى يستأنس؟ هذه أرضنا وأموالنا ونحن أولى بها من أي أحد، أولى بها من هؤلاء الجالسين على الكراسي أولى بها من الرؤساء والوزراء، كيف يقال هذا؟ هذا الكلام يقال لو كنت أمدحهم، أو أعمل لديهم، لكن هذا غير موجود، أنا من حقي أن أنشر، هذا واجبي، واجبي أن انتزع حقي في النشر من أموال هذا الشعب ولأبناء هذا الشعب، نحن موجودون وهم يريدون ان يتشرفوا بوجودنا، لا نحن، نحن نتشرف بوجود أحد، نحن نتشرف بما نفعله، بما نكتبه، هم يتشرفون بوجودنا يباهون غيرهم بأن لهم شعبا فيه مؤلفون وكتاب وثقافة، من يفخر بمن في هذه الأمة؟

> كيف ترى عفيفي مطر في عباءة السبعين، هل نستطيع أن نقول إنه وصل بحكم السن والخبرة إلى منطقة يمكن أن نسميها منطقة الحكمة الشعرية؟

ـ قد يكون هناك قدر من الوضوح في الرؤية، أو الإحساس بالعالم، لكن الحكمة قد تكون موجودة في كتب الأولاد أكثر، وأنا اعتز بها جدا، غاية الاعتزاز، ومستعد للتنازل عن الشعر لكن هي لا.

 
ارسل هذا المقال بالبريد الالكترونى   اطبع هذا المقال