الثلاثـاء 10 جمـادى الاولـى 1433 هـ 3 ابريل 2012 العدد 12180
ارسل هذا المقال بالبريد الالكترونى   اطبع هذا المقال  
 

«الكتاتيب» في مصر.. عتبة أساسية نحو المعرفة والتعرف على جماليات القرآن

تلاميذها مسلمون ومسيحيون.. ومعلموها يناشدون الدولة دعمها

أحد المشايخ يجلس في أحد الكتاتيب بمصر وحوله تلاميذ يتعلمون اللغة العربية والقرآن الكريم والحساب («الشرق الأوسط»)
القاهرة: رزق عبد المنعم
قديما كان الأهالي في مصر يدفعون بأبنائهم وهم صغار السن إلى الكتّاب بكل الوسائل ليحفظوا القرآن، وحتى تستقيم ألسنتهم في التعامل مع اللغة العربية. وكان للكتّاب، ولا سيما في القرى، مهابة ومكانة خاصة، بل أحيانا كان ذلك مدعاة للفخر بين العائلات.. وفي ظل ما يعانيه التعليم حاليا، سواء في المدارس الحكومية أو الخاصة، من أوجه قصور عديدة، استعاد الكتّاب دوره، والتفت إلى أهميته الكثير من الآباء، فأصبحوا حريصين على إلحاق أبنائهم به، والطريف أن الكتاتيب في مصر لم تعد مقصورة على التلاميذ المسلمين، فهناك الكثير من المسيحيين يدفعون بأبنائهم للكتّاب في سن صغيرة لتعلم مبادئ القراءة والكتابة والحساب قبل أن يلتحقوا بالمدارس الحكومية أو الخاصة.

هذه الحقيقة كشف عنها الشيخ عبد المنعم عبد السميع، قارئ ومحفظ قرآن في أحد الكتاتيب بالقاهرة، مناشدا الدولة والمؤسسات المعنية دعم الكتاتيب، والاعتداد بدورها التربوي والتعليمي ووضعها في المنظومة التعليمية، على الأقل أسوة برياض الأطفال.

خرّجت الكتاتيب في مصر وغيرها من الدول العربية عظماء الفقهاء وحفظة القرآن الكريم، واستعان محمد علي باشا، مؤسس مصر الحديثة، بخريجي الكتاتيب ليكونوا نواة المعاهد الأزهرية وبدأ بهم نهضة تعليمية هائلة، إلا أن «معلمي الكتاتيب، أكدوا أنها تعاني من إهمال الحكومات في مصر»، معربين عن أملهم أن يعيد تيار الإسلام السياسي الذي تصدر المشهد السياسي عقب تنحي الرئيس السابق حسني مبارك عن الحكم في الحادي عشر من فبراير (شباط) من العام الماضي؛ النظر إلى هذه المؤسسات التعليمية الأهلية العريقة بعين الاهتمام والرعاية.

وعلى الرغم من كثرة مدارس رياض الأطفال الخاصة والعامة في جميع المدن والقرى المصرية، فإن «الكتاتيب» ما زالت تحتفظ بمكانتها التي اكتسبتها على مر العصور لما تقوم به من تعليم للنشء، والمتمثل في تحفيظ القرآن الكريم ومبادئ القراءة والكتابة والحساب، في مرحلة عمرية من أخطر المراحل التي تشكل ثقافة الطفل ووعيه، بل وتحفر في ذاكرته أشياء يصعب على الزمن محوها.

وأضاف الشيخ عبد السميع أن «الطفل كان يأتي إلى الكتّاب في سن مبكرة جدا، بل بمجرد القدرة على الكلام والنطق، وكان العمل في الكتّاب يبدأ من طلوع الشمس وحتى صلاة العصر، وكان الطفل يحفظ القرآن الكريم في فترة وجيزة جدا، نظرا لتفرغه الكامل، حيث لا توجد أي مؤثرات خارجية أو وسائل تشغل الطفل عن الحفظ كالتلفزيون والهاتف الجوال»، وتابع: «أما الآن، فإن الطفل يأتي في الصباح الباكر قبل ذهابه إلى المدرسة أو بعد انتهاء يومه المدرسي».

ويعد من مشاهير خريجي الكتاتيب رفاعة الطهطاوي، رائد الثقافة الحديثة في مصر، وعميد الأدب العربي طه حسين، الذي صورت روايته «الأيام» ما يدور في «الكتاتيب» في عصره.

ولا يقتصر التحاق التلاميذ بـ«الكتاتيب» على المسلمين فقط، بل تحرص الأسر المسيحية على إلحاق أبنائها بها، وحول ذلك يقول الشيخ عبد السميع، إن «الالتحاق بالكتّاب ليس مقتصرا على المسلمين فقط، فهناك من المسيحيين من يدفعون بأبنائهم للكتّاب في سن صغيرة لتعلم مبادئ القراءة والكتابة قبل أن يلتحقوا بالمدارس، كما أن الأمر ليس مقتصرا على البنين، بل هناك البنات أيضا وبصورة أكبر».

وانتشرت «الكتاتيب» بصورة لافتة بعدما تطورت بدخول شباب جامعي ومتخصصين، يجمعون بين حفظ القرآن الكريم والدراسة الأكاديمية، هذا المجال، وحول ذلك قال فتحي عبد النبي (26 عاما)، وهو شاب جامعي: «أحمل شهادة جامعية إلى جانب حفظي للقرآن الكريم، إلا أنني قررت افتتاح كتّاب لأقوم بتعليم الأطفال القراءة والكتابة وتحفيظهم القرآن الكريم، لأنني أعتبر ذلك من حق القرآن عليّ ومن واجبي في نشره، كما قال الرسول، صلى الله عليه وسلم: (خيركم من تعلم القرآن وعلمه)».

وعرف معلمو الكتاتيب بـ«المؤدبين» أو المشايخ، واقتصرت مناهجها على القرآن والحديث الشريف ومبادئ القراءة والحساب، وعلى الرغم من أهميتها القديمة، فإنها لم تحظَ بالرعاية الكافية من جانب الحكومات المتعاقبة، وربما يكون السبب دخولها في منافسة شرسة وغير متكافئة مع دور الحضانة والمدارس، رغم تميزها بالصرامة والبساطة.

وعن مصادر الكتّاب المادية، قال الشيخ عبد السميع: «لا توجد منح للكتّاب أو هبات، فأدوات الدراسة تقتصر على المصحف الشريف والكراسات الورقية والأقلام التي يشتريها الطفل، ويبدأ في الحفظ والتعلم مقابل الاشتراك الشهري أو ما نسميه (الشهرية) التي غالبا ما نحددها حسب ظروف الأهالي في المنطقة أو الحي في المدن والقرى، وبالاتفاق مع الزملاء من أصحاب المهنة، والتي لا تتعدى في الغالب الجنيهات المحدودة شهريا».

لكن بنبرة يملأها الحزن، تابع الشيخ عبد السميع: «الآن الكتاتيب تعاني من الإهمال الرسمي من جانب الحكومة، فقد انصرفت عن توجيه مزيد من الدعم إلى الكتاتيب أو القائمين عليها»، معربا عن أمله أن «ينظر تيار الإسلام السياسي (الإخوان المسلمون والسلفيون) إلى هذه المؤسسات التعليمية العريقة بعين الاهتمام والرعاية».

وعن طرق التحفيظ داخل الكتاتيب قديما وحديثا، يقول الشيخ عبد التواب مصطفى، إمام مسجد في ضاحية عين شمس (شرق القاهرة)، إن «(المحفّظ) في الماضي كان يقوم أولا بتقسيم الأطفال إلى مجموعات حسب تاريخ الالتحاق بالكتّاب، وحسب القدرة العقلية لكل مجموعة، وغالبا ما تكون المجموعة قريبة من بعضها في السن، ويقوم في البداية بتلقينهم السور الصغيرة من القرآن الكريم حتى يحفظوها».

وتابع الشيخ مصطفى حديثه قائلا: «كانت هناك الألواح الخشبية أو المعدنية التي كان يصطحبها الطفل ذهابا وإيابا، ويقوم المحفّظ أو من يتخذه مساعدا له، وغالبا ما يكون تلميذا أتم حفظ القرآن وأتقن القراءة والكتابة، بكتابة بعض الحروف الهجائية للطفل على اللوح، ثم يقوم الطفل بكتابتها بواسطة الأقلام (الريش) أو (الغاب)، ثم بعد ذلك ينتقل بعدما يتقن الحروف كتابة وقراءة مع تشكيلها، إلى تجميع بعض الكلمات التي تتم بنفس الطريقة»، موضحا أنه «مع تواصل الحفظ للسور الصغيرة والنظر في المصحف أو جزء منه، يتم تنبيه الطفل إلى شكل الكلمات والإشارة إليها بأصبعه، ثم بعد ذلك ينتقل إلى مرحلة الكتابة من المصحف مباشرة، حيث يحدد الشيخ للطفل (اللوح)، أي الآيات التي عليه حفظها، ويطلب منه كتابتها في اللوح الخشبي أو المعدني أثناء وجوده بالكتّاب، ثم يقوم بمحوها آخر اليوم من لوحه، على أن يأتي بالآيات المطلوبة مكتوبة في لوحه في اليوم التالي، مع حفظها».

وأضاف الشيخ مصطفى «أما الآن، فإن معظم الأطفال يعرفون قواعد القراءة والكتابة، وذلك لالتحاقهم برياض الأطفال (وهي مرحلة ما قبل الدراسة الابتدائية)، وفي العادة يأتي الطفل بعدما ينتهي من يومه المدرسي، فيقوم الشيخ بمنحه بعض الآيات حسب قدرته على الحفظ، ثم يقوم بترديدها عدة مرات إلى أن يحفظها الطفل، ثم يقوم بتسميع جزء مما حفظه سابقا أو ما نسميه (الماضي)، ثم يعطيه الشيخ آيات على سبيل الواجب المنزلي، على أن يقوم الطفل بتسميعها في اليوم التالي».

يذكر أن الكتّاب يرجع إلى عصور قديمة، وهو مكان من الأماكن الأولية لتعليم الناشئة حفظ القرآن الكريم ومبادئ القراءة والكتابة، وهو من المؤسسات التربوية الإسلامية المهمة التي عنيت بتربية وتعليم أبناء وبنات المسلمين، وبدأ ظهورها في الدولة الإسلامية منذ العصر الأموي وحتى الآن، أما في الحضارات السابقة، فيربط بعض الباحثين في تاريخ الحضارة المصرية القديمة بين الكتّاب وما يعرف بـ«مدرسة المعبد»، وفي العصر المسيحي استمرت الكتاتيب أيضا في تعليم أجزاء من الكتاب المقدس والمزامير، وقد عرفت الحضارة العربية الإسلامية مباني مستقلة ملحقة بالمساجد أو منفصلة أو في بيوت المحفظين أو أمامها.

التعليــقــــات
فاطمة الزهراء موسى، «فرنسا ميتروبولتان»، 03/04/2012
وإن كنت أفضّل الكتّاب على روض الأطفال باعتبار المعاملة الطيبة التي كان يغمرني بها السيد الطاهر رحمه الله وجعله
من المكّرمين في جنان الخلد، المشرف على الكتّاب حيث أخذتني أمي لأحفظ القرآن الكريم وأتعلّم مبادئ الحساب والكتابة
مع أقراني من الذين أنعم الله عليهم بأن يكون مؤدّبهم بلا عصا، إلا أن ما ذكره المحفّظ الشيخ عبد السميع بشأن مميزات
الكتّاب التعليمية ومنها تقسيم الأطفال حسب القدرة العقلية لكل مجموعة وإن كان مثيرا لتعجّبي دون اعتراضي خلال تلك
الأيام، هو ما جعلني أستمر في الاعتقاد أن المرء على دين وعقل خليله!
 
ارسل هذا المقال بالبريد الالكترونى   اطبع هذا المقال