الثلاثـاء 21 محـرم 1432 هـ 28 ديسمبر 2010 العدد 11718
ارسل هذا المقال بالبريد الالكترونى   اطبع هذا المقال  
 

التراث والتجديد.. بنية المشروع وأبرز عناصره

محمد حلمي عبد الوهاب

يتوزع مشروع حسن حنفي حول «التراث والتجديد» على عدة محاور رئيسية؛ بحيث شملت معالجاته أغلب القضايا التراثية من جهة، وأهم التيارات الفكرية الغربية من جهة أخرى. ومن ثم، يمكن القول: إن السمة الرئيسية المميزة لمشروع، أو قراءة، حنفي للتراثين: العربي والغربي، تتمثل في اتساع رقعة المشروع والشمولية، الأمر الذي انعكس بصورة سلبية على حساب الدقة في الطرح، والموضوعية في التناول.

بدأ حنفي مسيرة إنتاجه الفكري من التراث الإسلامي وانتهى إليه أيضا؛ فقد قام بنشر أول أعماله وهو كتاب «المعتمد في أصول الفقه» لأبى الحسين البصري، في جزأين، بدمشق عام 1964. ثم التفت إلى التراث والفكر الغربي ليثري المكتبة العربية بترجماته التالية: «نماذج من الفلسفة المسيحية (الإسكندرية 1968)، رسالة في اللاهوت والسياسة لسبينوزا (القاهرة 1973)، تربية الجنس البشرى للسنج (القاهرة 1977)، تعالي الأنا موجود لسارتر (القاهرة 1977)».

على أن حنفي، وإن اهتم بدراسة الفكر الغربي وتحليله، إلا أنه سعى من وراء ذلك إلى خدمة مشروعه الأصلي «التراث والتجديد». وآية ذلك أنه يقرر صراحة أن الانفتاح على الغرب كان مبررا نتيجة الصدام الحضاري القائم وتحدي ما سماه «المدنية الغربية». إلا أن تلك الظاهرة سرعان ما تحولت، برأيه، إلى مجرد «استلاب وتقليد أعمى» من ناحية، وإلى «اعتبار الغرب النمط الأوحد لكل تقدم حضاري، والنظر إليه كممثل للإنسانية جمعاء، واعتباره المعلم الأبدي، ورد كل إبداع ذاتي إليه، وتحويل ثقافاتنا إلى وكالات حضارية وامتدادات لمذاهب غربية» من ناحية أخرى.

نتيجة لذلك، كان الإحساس بالنقص أمام الغرب، وخلق بؤر وفئات ثقافية معزولة لدى الشعوب غير الأوروبية، بحيث تكون مناصرة للغرب وجسرا لانتقاله! أضف إلى ذلك أيضا أن الرجوع إلى فلسفات التنوير عند حنفي كانت تمليه وضعية هزيمة عام 1967 التي عايشها، والتي تتأتى بنظره من كوننا «حاولنا أن نقيم مجتمعات ثورية من دون وعي ثوري»، مما يعني أن فلسفة التنوير ستصبح في القرن التالي فلسفة علم وفلسفة تاريخ، والتي سرعان ما ستتحول بدورها إلى ثورة اجتماعية ونهضة صناعية شاملة، بحيث تصبح دعامة الحضارة الأوروبية الحديثة وفلسفتها الليبرالية. يوظف حنفي إذن التراث الغربي لخدمة فكرته الرئيسية، ألا وهي: «تثوير تراثنا العربي الإسلامي» حتى إن لم يكن قد أصدر بعدُ كتابه «التراث والتجديد». ومن هنا، نفهم انتقائيته الشديدة في اختيار النصوص الغربية التي تكفل بترجمتها وتقديمها للقارئ العربي.

يترتب على ما سبق أن الأهمية الكبرى لفلسفات التنوير تكمن - بل وتنحصر أساسا - في تحليل الشعور الديني بأبعاده الثلاثة: الشعور التاريخي، والشعور الفكري، والشعور العملي، وصولا إلى الاستفادة من هذه الفلسفات بحسب ما توفره دراسات النقد التاريخي للكتابات المقدسة (سبينوزا، وفلاسفة التنوير في القرن الـ18، والمجددون الكاثوليك في القرن الـ20)، وذلك وفق مقولات وقوانين علم النفس الاجتماعي، وتاريخ الأديان المقارن (الدراسة الاجتماعية للظواهر الدينية)، والمقاربة الإنسانية للدين (علم النفس الديني والاجتماعي، وعلم الاقتصاد الديني)، وأخيرا دراسة الحركات العلمانية والإنسانية التي اعتبرت معارضة للدين، وإن كانت في الحقيقة دفاعا عن العقل والحرية والثورة.

بعد ذلك عاود حنفي الالتفات مجددا للمدونة التراثية الإسلامية، عاكفا على قراءتها، فأصدر مجموعة من الأعمال التي رسمت الخطوط العريضة لمشروعه الفكري، ويأتي في مقدمتها كل من: «التراث والتجديد (القاهرة 1980)، من العقيدة إلى الثورة (في 5 أجزاء)، (القاهرة 1988)، الدين والثورة في مصر (8 أجزاء)، (1989)، من النقل إلى الإبداع (9 أجزاء)، (1999)».

وفي الأحوال كلها، اشتغل حنفي بقراءة التراث الأوروبي في محاولة منه لوضعه في سياقه الخاص، ونفى الوهم القائل إن تراث أوروبا هو التراث الإنساني، وإن أوروبا هي (المتن) وبقية الثقافات الأخرى لا تجسد سوى (الهامش). وانطلاقا من هذه الزاوية جاءت مؤلفاته الأخرى (إلى جانب كتابه «مقدمة في علم الاستغراب») لتأكيد هذا المنظور، ومن بينها أعماله الفرنسية التالية: «مناهج التأويل (باريس/ القاهرة 1965)، تأويل الظاهريات (باريس/ القاهرة 1966)، ظاهريات التأويل (باريس/ القاهرة 1966)».

وأيضا دراساته المتخصصة في مجال الفكر والسياسة، وفي مقدمتها: «دراسات إسلامية (القاهرة 1982)، دراسات فلسفية (القاهرة 1987)، هموم الفكر والوطن (في جزأين)، (الإسكندرية 1997)، جمال الدين الأفغاني (القاهرة 1998)، حوار المشرق والمغرب (القاهرة 1990)، الدين والثقافة والسياسة في الوطن العربي (القاهرة 1998)، حوار الأجيال (القاهرة 1998)». وكذلك دراساته التي صدرت بالإنجليزية ومن بينها: «الحوار الديني والثورة (القاهرة 1977)، الإسلام في العصر الحديث (في جزأين)، (القاهرة 1995)».

هذا ويقوم مشروع حنفي لقراءة التراث العربي الإسلامي، في جوهره، على استقراء المدونة التراثية الشاملة بخطوطها السبعة: (علم الكلام، والفلسفة، والتصوف، وأصول الفقه، والعلوم النقلية كالتفسير والحديث والسيرة، والعلوم العقلية كالرياضيات والطبيعيات، وأخيرا العلوم الإنسانية). وينطلق هذا المشروع الضخم من عام 1400 هجرية ليقف بنا على مشارف مرحلة السبعمائة الثالثة من تاريخ الحضارة الإسلامية، بعد مضي وانتهاء مرحلة السبعمائة الأولى التي كانت تمثل مرحلة المد والازدهار، ثم مرحلة السبعمائة الثانية التي كان انقلابها الجدلي إلى الذبول والنكوص والاضمحلال.

يقف مشروع حنفي إذن نزاعا تواقا إلى أن تكون السبعمائة الثالثة والراهنة بمثابة المركب الجدلي الشامل الصاعد الواعد، الذي يجمع ما في الطرفين أو المرحلتين، ويتجاوزهما إلى الأفضل، يربطهما معا في موقف حضاري منشود، ينفض رواسب الجمود والتخلف وصنوف الاستعمار والتبعية، خروجا إلى مرحلة التحرير التام والاستقلال والفاعلية في الزمان والمكان، ومن قبل ومن بعد تأكيد «الأنا» في مواجهة «الآخر».

والحال، أن حنفي يؤكد دائما أن الهدف الرئيسي من دراسة التراث الإنساني عامة، الإسلامي أو العربي، الديني أو العلماني، تكمن في العمل على إمكانية تحويله إلى قوة آيديولوجية فعالة كافية ليس فقط للمقاومة، وإنما للنهضة والانطلاق كذلك. ونتيجة لذلك، نراه يقوم بتطبيق النظرية التي عرضها في كتابه «التراث والتجديد» ليغطي المجالات الشاسعة للتراثين الإسلامي والغربي وذلك عبر المحاور التالية: القسم الأول «موقفنا من التراث القديم» ويتوزع بدوره على كل من: علم الكلام (من العقيدة إلى الثورة)، والفلسفة الإسلامية (من النقل إلى الإبداع)، وعلم أصول الفقه (من النص إلى الواقع)، والتصوف الإسلامي (من الفناء إلى البقاء)، والعلوم النقلية (من النقل إلى العقل)، والعلوم الإنسانية (الإنسان والتاريخ).

أما القسم الثاني فيحمل عنوان «موقفنا من التراث الغربي»، ويتوزع بدوره على 5 مراحل تاريخية تبدأ من عصر آباء الكنيسة أو (مصادر الوعي الأوروبي)، مرورا بالإصلاح الديني وعصر النهضة (بداية الوعي الأوروبي الحديث)، وانتهاء بالعصر الحاضر (نهاية الوعي الأوروبي). وأخيرا يأتي القسم الثالث من مشروعه تحت عنوان «نظرية التفسير»، وذلك بهدف إعادة بناء الحضارتين الإسلامية والغربية معا، عبر الوقوف على نظرية عامة في التفسير، في محاولة لاكتشاف منطق الوحي في كلتا الحضارتين، وتغطي تلك النظرية كلا من: العهد القديم، والعهد الجديد، والمنهاج (القرآن)؛ حيث يتم في الأخير تجاوز مناهج التفسير التقليدية، والجمع بين المناهج النصية والعقلية والواقعية والوجدانية في علوم الكلام والفلسفة الإسلامية وأصول الفقه والتصوف على الترتيب، بغية استنباط منهاج إسلامي عام لحياة الفرد والجماعة في آن معا.

تلك كانت الأقسام الرئيسية لمشروع حنفي الضخم، الذي أثار بدوره - ولا يزال - سلسلة من ردود الفعل الواسعة والمتأرجحة ما بين النقد والتأييد، القبول والمعارضة. فما أهم التيارات الفكرية المعاصرة التي ناصبته العداء؟ وكيف كانت استجابة صاحب المشروع لحملات النقد الموجهة لمشروعه؟ ذلك ما سنفصل القول فيه لاحقا.

* كاتب مصري

 
ارسل هذا المقال بالبريد الالكترونى   اطبع هذا المقال