الاحـد 06 رمضـان 1432 هـ 7 اغسطس 2011 العدد 11940
ارسل هذا المقال بالبريد الالكترونى   اطبع هذا المقال  
 

الكندي يهاجم المتاجرين بالدين

الفيلسوف العربي الأول يقيم أول مصالحة في تاريخنا بين العلم والإيمان أو الفلسفة والدين

غلاف الكتاب
هاشم صالح

مؤلف هذا الكتاب أشهر من نار على علم في عالم الاستشراق. إنه البروفسور هنري كوربان، أحد كبار المختصين بعلم الإسلاميات والفكر العربي الإسلامي الكلاسيكي. وهو يقدم لنا هنا صورة عامة عن الفلسفة العربية الإسلامية ونشأتها وتطورها وكبار أعلامها.

ينبغي العلم أنه في نهاية القرن الثاني الهجري - الثامن الميلادي، كانت الساحة الثقافية الإسلامية محتلة كليا من قبل علم الكلام اللاهوتي، حيث شغل المفكرون بمناقشات كثيرة تناول قضايا دينية وفلسفية كبرى.

وبالتالي فماذا تبقى للفلسفة التي لن تتأخر في الدخول إلى العالم العربي الإسلامي بعد قليل؟ لا شيء تقريبا. ومع ذلك فإنها سوف تدخل بقوة وتحتل المكانة اللائقة بها. بل وسوف تزدهر لعدة قرون متلاحقة قبل أن تتوقف وتموت وتنهار بدخول العالم الإسلامي في عصور الجمود والانحطاط الطويلة.

والغريب في الأمر أنها ستدخل إلى العالم العربي الإسلامي من الخارج، بل ومن عالم وثني أجنبي هو العالم الإغريقي أو اليوناني. ولهذا السبب فإن الفقهاء سوف يحتجون دائما عليها ويعتبرونها دخيلة أو غير شرعية لأنها آتية من جهة الثقافة الوثنية. لهذا السبب كفرها كبار الفقهاء على مدار العصور ولا يزالون.

نستنتج من كلام المؤلف أن وضع الفلسفة في العالم الإسلامي يشبه وضعها في العالم المسيحي أثناء بداياته الأولى. فهناك أيضا أجمع اللاهوتيون على معاداة الفلسفة واعتبروها دخيلة وكافرة لأنها صادرة عن ثقافة اليونان الوثنية. ولكن هنري كوربان يقول لنا إن الفلسفة العربية الإسلامية لم تكن مجرد نقل عن اليونان كما يزعم بعض الاستشراق، وإنما كانت إبداعا وإضافة وإغناء.

والواقع أن الفلسفة ظهرت في السياق العربي الإسلامي بعد أن تمت ترجمة الكتب الأجنبية من الإغريقية إلى العربية، مرورا بالسريانية في معظم الأحيان. ولكن تمت أيضا ترجمة كتب كثيرة من الفارسية والهندية أو السنسكريتية. وهكذا تشكلت مكتبة علمية وفلسفية بكلتا اللغتين السريانية والعربية، وأصبح المسلم قادرا إذا ما أراد على استشارتها والاطلاع عليها.

ينبغي العلم بهذا الصدد أن اللغة العربية أصبحت اللغة الرسمية للإمبراطورية العربية الإسلامية بدءا من نهاية القرن الأول الهجري - السابع الميلادي. وكان ذلك بقرار من الخليفة الأموي عبد الملك بن مروان. وهكذا حلت محل الفارسية والبيزنطية (أو الإغريقية) في الإدارة الرسمية للدولة.

وكان أول الكتب المترجمة هي كتب علمية وطبية وفلكية بالدرجة الأولى. وعلى عكس ما يظن الناس فإن حركة الترجمة ابتدأت في عهد الأمويين لا العباسيين وإن كانت قد بلغت ذروتها في عهد هؤلاء الأخيرين، وبخاصة زمن المأمون وبيت الحكمة.

وإذن فقد ابتدأت ترجمة الكتب الأجنبية إلى العربية قبل منتصف القرن الثاني الهجري - الثامن الميلادي. ثم تواصلت بقوة أكبر بكثير في عهد الخلفاء العباسيين الأوائل وبخاصة المنصور (754 - 775م)، وهارون الرشيد (786 - 809)، والمأمون (813 - 833).

وإذن فقد كانت الكتب العلمية المحضة هي أول ما ترجموه، ولكن تلتها لاحقا الكتب الفلسفية. وكان المترجمون الأوائل يترجمون من الإغريقية إلى السريانية أولا ثم من السريانية إلى العربية ثانيا. ولكنهم فيما بعد أصبحوا يترجمون بشكل مباشر من الإغريقية إلى العربية دون المرور بالسريانية بالضرورة.

ولكن في الغالب كانت الترجمات تتم من السريانية إلى العربية لأن معظم الكتب الإغريقية كانت مترجمة إلى السريانية سابقا. وبما أن السريانية ابتدأت تفقد أهميتها بمرور الزمن فإنهم ما عادوا يترجمون الكتب الإغريقية إليها. فالعربية حلت محلها تدريجيا كأكبر لغة للفكر والثقافة والحضارة في ذلك الزمان. هذا وقد اشتغل المترجمون الكبار مدة قرنين من الزمن: أي منذ نهاية القرن الثامن الميلادي وحتى نهاية القرن العاشر. وكان معظمهم متخصصا بعدة مجالات لا مجال واحد.

فمثلا حنين بن إسحاق لم يكن يترجم فقط كتب الفلسفة، وإنما كتب الطب أيضا. وقسطا بن لوقا كان يترجم كتب الفلسفة والرياضيات في آن معا. وبهذا الصدد ينبغي العلم بأن أحد الرواد الأوائل الذين شكلوا النثر العربي، أي ابن المقفع، لم يترجم فقط من الفارسية كتاب «كليلة ودمنة» الشهير، وإنما ترجم أيضا عدة أجزاء من منطق أرسطو وشكل بذلك أول معجم مفهومي أو مصطلحي فلسفي في اللغة العربية.

وكانوا يمتلكون سابقا عدة ترجمات لكتاب المنطق لأرسطو ولكن بالسريانية. والآن أضيفت إليها الترجمات العربية لنفس الكتاب وهكذا ترجموا كل أعمال أرسطو ما عدا كتاب «السياسة». ولكنهم ترجموا كتبا يونانية أخرى وعزوها إلى أرسطو دون أن يكون هو مؤلفها. كما وترجموا الكثير من مؤلفات أفلاطون.

ومن الكتب التي ترجمت ونسبت خطأ إلى أرسطو نذكر كتاب «لاهوت أرسطو» أو «أثولوجيا أرسطوطاليس». فالواقع أنه ليس لأرسطو وإنما لتلميذ أفلاطون المدعو أفلوطين. مهما يكن من أمر فإنهم ترجموا الشيء الكثير، وبعض هذه الترجمات وصلتنا وبعضها الآخر ضاع على الطريق ولكن ذكرته كتب التاريخ والأدب القديمة مجرد ذكر.

هذا ويتفق مؤرخو الفكر على أن الكندي هو أول فيلسوف عربي بالمعنى الحقيقي للكلمة. واسمه الكامل هو أبو يوسف يعقوب بن إسحاق الكندي الذي ولد في نهاية القرن الثاني ومات نحو عام 256 هجرية: أي أنه عاش عمرا لا بأس به.

ولكن مؤلفاته الكثيرة، سواء في مجال الفلسفة أو مجال العلوم، لم تصلنا إلا جزئيا جدا. بمعنى أن الكثير منها ضاع على الطريق. ويقال إنه ألف أكثر من مائتي كتاب ولكن لم يصلنا إلا خمسها، أي 40 كتابا. ويعتقد الباحثون أنه اتخذ موقفا لصالح المعتزلة لأنه برأيه كان المذهب الإسلامي الأقرب إلى العقل والفلسفة.

ومعلوم أن الصراعات كانت محتدمة آنذاك بين مختلف المذاهب الإسلامية. وقد ألف كتابا كاملا عن أرسطو وهو يعتبر الكتاب المنهجي الذي خلفه للفكر العربي. وكان يعتقد أن إتقان علم الرياضيات والمنطق شيء ضروري للدخول في الفلسفة. ولم يبق من مؤلفه كتاب «الفلسفة الأولى» المشكل من أربعة أجزاء إلا الجزء الأول فقط.

وكان الكندي يعرف الفلسفة على النحو التالي: إنها العلم الذي يعلمنا ما هو الصح لكي نتصرف على هدى من أمرنا. وكان الكندي أول من استخدم كلمة فلسفة وفيلسوف في مؤلفاته. وقد بقيتا حتى الآن وشاعتا من بعده. ولا يزال الانفتاح الفكري الذي تميز به الكندي يدهشنا حتى الآن. فقد اتخذ موقفا مضادا للفقهاء المتشددين الذين احتقروا الفلسفة وكفروها لأنها صادرة عن قوم أجانب وثنيين. لقد رد عليهم قائلا:

«فينبغي ألا نستحيي من استحسان الحق واقتناء الحق من أين أتى، وإن أتى من الأجناس القاصية عنا والأمم المباينة، فإنه لا شيء أولى بطالب الحق من الحق. وليس يبخس الحق ولا يصغر بقائله ولا بالآتي به. ولا أحد بخس الحق، بل يشرفه الحق».

هذا الكلام يعتبر أكبر رد على من يهاجمون «الغزو الفكري» في وقتنا الراهن ويكرهون الحداثة والتحديث.

وماذا يقول عمن يهاجمون الفلسفة الحقيقية؟

إنهم في رأيه «من أهل الغربة عن الحق وإن توجوا بتيجان الحق دون استحقاق. فهم يعادون الفلسفة ذبا عن كراسيهم المزورة التي نصبوها من غير استحقاق، بل للترؤس والتجارة بالدين وهم عدماء الدين، لأن من تجر شيئا باعه ومن باع شيئا لم يكن له. فمن تجر بالدين لم يكن له دين ويحق أن يتعرى من الدين من عاند قنية علم الأشياء بحقائقها وسماها كفرا، لأن في علم الأشياء بحقائقها علم الربوبية وعلم الوحدانية وعلم الفضيلة وجملة علم كل نافع والسبيل إليه والبعد عن كل ضار والاحتراس منه. واقتناء هذه جميعا هو الذي أتت به الرسل الصادقة من الله جل ثناؤه».هكذا نلاحظ أن الكندي قد صالح بين العلم والإيمان أو الفلسفة والدين قبل أكثر من ألف سنة. فهل من سميع؟ إن رسالته موجهة إلينا حاليا وهي الآن ملحة أكثر من أي وقت مضى. لقد تعرض الكندي لحملات التكفير والتشويه بسبب انهماكه بترجمة الفلاسفة اليونانيين إلى لغتنا العربية. وبدلا من أن يمدحوه ويشكروه على الخدمات الجلية التي قدمها للفكر العربي راحوا يهاجمونه. في الواقع أنه كان أكبر منهم بكثير وأعمق نظرا. كان يعتقد أن السعي لمعرفة الحقيقة هو مقصد جميع الأنبياء والرسل وليس فقط الفلاسفة. وبالتالي فالفلسفة ليست كفرا على عكس ما يقول أعداؤها «المتاجرون بالدين» على حد تعبيره. وما أكثر المتاجرين بالدين في عصرنا الراهن! انظر شيوخ الفضائيات الذين تتشرب الجماهير البسيطة خرافاتهم وكأنها كلام معصوم! وهم أبعد ما يكونون عن الانفتاح الفكري وروح العلم والفلسفة..

وأما الفيلسوف العربي الكبير الثاني بعد الكندي فهو بالطبع الفارابي. وقد ولد في السنة التي مات فيها الكندي تقريبا. ثم تلاه أعلام كبار كابن سينا وابن رشد وآخرين. لهؤلاء جميعا يكرس هنري كوربان صفحات مشرقة. ومعلوم الدور الكبير الذي لعبوه في تدشين النهضة الأوروبية عندما كان العرب أساتذة العالم فكرا وفلسفة وحضارة.

 
ارسل هذا المقال بالبريد الالكترونى   اطبع هذا المقال