الاربعـاء 19 شعبـان 1427 هـ 13 سبتمبر 2006 العدد 10151
ارسل هذا المقال بالبريد الالكترونى   اطبع هذا المقال  
 

الشاعر شيركو بيكه س: الحرية هي التي تفتح الطريق أمام حركة الترجمة في العالم

الأدب الكردي والنشر والترجمة في حديث مع زير الثقافة السابق في الحكومة الكردية

لندن: معد فياض

إذا كانت هناك غالبية من الشعراء يسكنون في بيوت اشعارهم، فإن الشاعر الكردي العراقي شيركو بيكه س، احد أبرز الشعراء الكرد المعاصرين بعد جيل رائد الشعر الكردي الحديث عبد الله كوران، ووزير الثقافة سابقاً في الحكومة الكردية في السليمانية، يسكنه الشعر مثلما يسكنه بيته الاول في مدينة السليمانية. يقول ان «البيت الأول كان معي في أقاصي الدنيا ولم أغادره، رغم مغادرتي للوطن. البيت الأول كان يسكن في قلبي أينما ذهبت».

هنا حوار معه عن الترجمة والشعر والأدب الكردي وتجربته الشعرية حيث التقيته في مكتبه في مؤسسة سردم للطباعة والنشر:

> في اعتقادكم، ما هي المشكلة في ترجمة الأدب الكردي الى اللغة العربية. هل تعتقدون ان هذه المهمة تقع على عاتق العرب أم الكرد؟

ـ الجسور ما بين جميع الثقافات في العالم هي الترجمة، فلا وجود للتواصل الحي إلا من خلال الترجمة الجادة، وهذا ما حصل في التاريخ الأدبي عبر القرون. ان المشكلة الأساسية بعدم أو قلة ترجمة الأدب الكردي الى اللغة العربية أو اللغات الاخرى، ترجع الى عدم وجود كيان سياسي لشعب كردستان، والى تجزئة أوصال هذا الوطن، أو، بتعبير آخر، ان الحرية هي التي تفتح الطريق أمام حركة الترجمة في العالم وبدون هذه الحرية، وهي الأرضية الأساسية، لا تثمر هذه الشجرة شيئا يذكر، وهكذا كان حال الادب الكردي إذ بقي هذا الأدب في إطار لغته كأنه طير محبوس في قفصه! ان ما ترجم من الادب الكردي الى اللغة العربية، وخاصة «الشعر» قليل جداً، لا يعدو أن يكون حزمة من بيادر هذا التراث الغني في هذه المنطقة من العالم. ان تراث الأدب الكردي وخاصة الشعبي والفلكلوري والأسطوري منه معطاء اكثر ومضيء اكثر من بعض تراث الشعوب الأخرى، كونه قد شرب في الوقت نفسه من مياه التراث المجاور أي من الأدب العربي والفارسي والتركي معاً. وان هذا التأثير قد ولد منه، نتيجة هذه الصيرورة والتفاعل والانفتاح، تراث كردي أكبر وأغنى، مقارنة بكل تراث على حدة. ولكي نرجع الى سؤالك فإن مشكلة الترجمة لا تحل عن طريق الجهود الفردية هنا أو هناك. ولكي نقدم اكثر النماذج جمالاً في اللغة الكردية عبر الترجمة الى اللغة العربية، بحيث تشمل تراثها الفني من الأساطير والملاحم والحكايات الشعبية وآدابها المدونة من الشعر والقصة والنثر الى الكتابات الابداعية في الوقت الحاضر من المسرح والقصة القصيرة والرواية وغيرها، فيجب أن تكون لدينا مؤسسات تقوم بهذه المهمات الكبيرة. ان هذه المهمة، أي ترجمة آدابنا الى اللغة العربية، تقع على عاتقنا أولاً، ولكن عبر المساعدات ودعم الجهات الدولية كمنظمة يونسكو مثلاً. اننا في الوقت الحاضر وفي كردستان العراق، وخاصة بعد سقوط الطاغية، شرعنا نتنفس ونخطو خطواتنا الأولى، وهنا تقع هذه المهمة على عاتق الحكومة الموحدة لإقليم كردستان وعلى عاتق وزارة الثقافة بالذات لكي تبدأ فعلاً بالعمل الجاد لترجمة الأدب الكردي الى اللغة العربية. وكذلك يجب ان أشير الى بعض الجوانب الأخرى لهذه المشكلة، وهي قلة المترجمين الضالعين في اللغتين الكردية والعربية، بما تتطلبه هذه الترجمة الشاملة والواسعة، وباختصار ان الترجمة من الكردية الى العربية هي مهمة المؤسسات» وليست الأفراد، وأمامنا طريق طويل لإنجاز هذه المهمة.

> بعد طول اغتراب قررتم الاستقرار في السليمانية. هل هذا يعني العودة الى البيت الاول؟

ـ إنني لم أغادر كردستان الا في أواخر عام 1986 وذلك عن طريق الجبل والمقاومة الكردية، حيث كنت اعمل في «اتحاد أدباء كردستان». وكنت اتجول في المناطق المحررة، وأقرأ قصائدي لتجمعات البيشمركة والناس عموماً. وكنت اتلذذ من ذلك كثيراً. وبعد الانتفاضة الشعبية في كردستان عام 1991 وفي الشهر العاشر من السنة نفسها، رجعت الى كردستان والى مدينتي السليمانية وبقيت الى عام 1994، ورجعت مرة أخرى الى السويد، وبقيت أربع سنوات أخرى. وفي عام 1998 عدت وأسسنا مع مجموعة من الأصدقاء «مؤسسة سردم للطباعة والنشر»، حيث أعمل لحد اليوم، لذا فإن الاغتراب لم يكن طويلاً جداً. ان البيت الأول، كما تقول، كان معي في أقاصي الدنيا ولم أغادره، رغم مغادرتي للوطن. البيت الأول كان يسكن في قلبي أينما ذهبت. الشجرة المعمرة حين تقتلع من مكانها لا تنبت في مكان آخر أبداً. إن السنوات التي أمضيتها في الغربة كانت مفعمة بالعذاب والانتاج معاً. لقد كتبت قصائدي الطويلة او الروايات الشعرية هناك قرب القطب الشمالي ابتداء من «مضيق الفراشات» الى «الصليب والثعبان ويوميات شاعر» والى «سفر الروائح» وغيرها. إن العذاب النفسي في الغربة ينبت فوقه أجمل القصائد. المهم ان لا ينقطع الشاعر عن عشقه واحتراقه. الجسد كان هناك ولكن روحي كانت تطير فوق سفوح جبالنا دائماً! السليمانية بالنسبة لي هي مهد الكلمات الأولى ومنبع حلمي. وشغل المكان حيزاً كبيراً في قصائدي، فلا أستطيع أن أكتب بدون الحضور القوي والدائم للأماكن والطبيعة بصورة خاصة.

> ما هو تأثير الطبيعة الكردستانية على شعركم؟

ـ لقد فتحت عيني وأنا طفل في منطقة «سورداش» القريبة من مدينة السليمانية، حيث كان والدى معلماً هناك، على سلاسل من جبال وعرة ووديان سحيقة، وكهوف عميقة الغور وكنت أسمع من القرويين وهم يتحدثون ويحكون لي حكايات أو أساطير قديمة، ويشيرون الى جداريات حجرية على شكل أجسام بشرية كأنها محطة فوق السفوح والقمم: هذه امراة وذلك طفل، وهذا جواد مجنح وتلك سلة مليئة بالفواكه الجبلية، وحين أنام في الليل كنت أحلم بهم. إذن فالتشكيلة الأولى في تفكيري وحلمي بدأت مع ولوجي في عالم الجبال السحري وأسرار الطبيعة وجمالها أيضاً.

نصف المخيلة الشعرية للشاعر يرجع الى عالم الطفولة، وتلك العلاقات التي كونت الأسئلة الأولى في حياته. الطبيعة في كردستان قاسية ومرنة في وقت واحد. قاسية في شتائها ورياحها ومرنة في شفافية ربيعها وجمالها السحري في صيفها وخريفها. انها الألوان التي لاحصر لها والتموجات الجبلية وكأنها سمفونية حجرية تعزفها الطبيعة باستمرار. ان الطبيعة الكردستانية هي التي كونتني منذ صباي وأعطتني من ألوانها وألحانها موهبتي الشعرية. ومن ثم كان لوالدتي الدور المهم في تنمية وبروز تلك الموهبة في الحياة اليومية، حيث كانت أمي تروي لنا الحكايات الكردية وعبر صوتها وأسلوب سردها الجميل أحببت اللغة الكردية وعشقت الشعر وكذلك الأغاني الكردية والصور الملونة فيها وهي البدايات أو البذور الأولى التي نبتت في روحي وكبرت مع تجاربي ورؤياي للشعر والحياة معا.

> هل يمكن ان يعيش الشاعر على انتاجه الإبداعي؟

ـ لا أعتقد، وربما الاكثرية منهم اذا لم تدعمهم الحكومات أو المؤسسات الثقافية يطبعون نتاجاتهم على حسابهم الخاص. ربما هنالك اقلية من الشعراء المشهورين الذين لهم جمهورهم وشعبيتهم يربحون شيئا، ولكن حتى هذا الربح ليس بقادر على ان يعيش الشاعر منه، او يعتمد عليه بالاساس كما اعتقد.

> هناك من يعتقد ان الانجاز الابداعي الكردي محدود، وقراءه بالتالي محدودون، كيف تنظر الى هذا الرأي؟

ـ ليس هذا بصحيح. ان الانجازات الابداعية ليست كثيرة في عديد من بلدان العالم. فالمبدعون دوما قلة. فاذا نظرنا الى العالم العربي، وفق الاحصائيات المنشورة، فإن عدد القراء ومستهلكي الكتاب سواء أكانوا كتاب شعر أم رواية أم دراسات أدبية قليل جدا. ان عدد النسخ الكتب المطبوعة مثلا لديوان شعر لن يتعدى أربعة آلاف او خمسة آلاف نسخة، علما ان هذه النسبة مقارنة بعدد نفوس العرب بملايينهم الكثيرة لا تشكل شيئا يذكر على الاطلاق. ان ما يطبع سنويا من الكتب في اسبانيا مثلا، يزيد عشر مرات على ما يطبع في الدول العربية مجتمعة، ووفق هذا القياس اذا قارنا عدد نفوس الكرد في كردستان العراق بعدد نفوس قراء العرب، ستكون النتيجة لصالح قراء الكرد. فمثلا ان عدد النسخ المطبوعة لديوان شاعر كردي معروف، لن يقل عن الفين او ثلاثة آلاف، كما ان الانجاز الابداعي في اية لغة مسألة نسبية وليست مطلقة. فليس كل دواوين شعراء العرب المطبوعة في الوقت الحاضر تعتبر انجازات ابداعية، او كل رواية مطبوعة تعني انجازا او اضافة ابداعية، وهكذا في مجالات الانجاز الابداعي الكردي ايضا.

> هل تكتبون الشعر بلغة أخرى، بالعربية مثلاً؟

ـ كلا انني اكتب الشعر باللغة الكردية فقط، ومن ثم تترجم الى اللغات الأخرى. وفي حالات نادرة كتبت بعض المقالات باللغة العربية.

 
ارسل هذا المقال بالبريد الالكترونى   اطبع هذا المقال