الاحـد 07 ربيـع الثانـى 1432 هـ 13 مارس 2011 العدد 11793
ارسل هذا المقال بالبريد الالكترونى   اطبع هذا المقال  
 

مونتسكيو رائد الفلسفة السياسية الحديثة

وقف في وجه التعصب المسيحي السائد في عصره ودعا إلى الانفتاح والتسامح

غلاف الكتاب
باريس : هاشم صالح

مؤلف هذا الكتاب هو المؤرخ الفرنسي لويس دوغراف، وهو أحد كبار المختصين في حياة مونتسكيو وفلسفته، وهو يقدم هنا صورة تاريخية متكاملة عن هذا المفكر الذي عاش في عصر التنوير واخترع نظرية الحكم الحديث القائم على الفصل بين السلطات.

ومنذ البداية يقدم المؤلف لمحة عامة عن حياة هذا المفكر الكبير ويقول بما معناه: ولد مونتسكيو في جنوب غربي فرنسا بالقرب من مدينة بوردو عام 1689 ومات عام 1755 عن عمر يناهز السادسة والستين عاما. وكانت عائلته أرستقراطية غنية، ولذلك لم يعانِ من الفقر والجوع في حياته كما حصل لجان جاك روسو مثلا. وعلى الرغم من أنه تلقى تربية مسيحية في طفولته سواء في البيت أو في المدرسة، فإنه راح يبتعد عن الأصولية المسيحية بشكل واضح بعد أن كبر. وقد تجرأ عندما كان عمره عشرين عاما على التصريح بما يلي: إن فلاسفة الإغريق لا يستحقون اللعنة الأبدية على الرغم من وثنيتهم. بمعنى آخر؛ إنهم ليسوا كافرين ولا مدانين روحيا على عكس ما يعتقد الكهنة ورجال الدين.

وكان هذا الكلام خطيرا آنذاك، لأن المجتمع كله كان مضادا له وبالأخص البابا والكنيسة والكرادلة والمطارنة.. فكلهم مقتنعون بأن سقراط وأفلاطون وأرسطو سوف يكون مثواهم جهنم وبئس المصير لأنهم عاشوا قبل ظهور المسيح ولم يتعرفوا على الإنجيل.

في الواقع، إن مونتسكيو كان مستنيرا منذ بداية حياته الفكرية، ولذلك وقف في وجه التعصب المسيحي السائد في عصره واتبع طريق العقل والانفتاح والتسامح، وقد انتسب إلى أكاديمية بوردو منذ بداية حياته العلمية ثم انخرط في دراسة الفيزياء والرياضيات.

ودرس نظريات نيوتن عن نظام الطبيعة قبل أن يتفرغ للفلسفة والدراسات السياسية، وكان أول كتاب كبير أصدره بعنوان: «الرسائل الفارسية عام 1721»، أي وهو في الثانية والثلاثين من عمره. ولكنه أصدر قبله كتابين أقل أهمية.

والفكرة العامة لهذا الكتاب هي التالية: كان مونتسكيو يشعر بأن العقائد اللاهوتية المتزمتة والعادات القديمة السائدة في عصره أصبحت مهددة بالانهيار بعد أن هيمنت على فرنسا طيلة قرون وقرون. وكان يعتقد أن المجتمع الفرنسي أصبح مريضا بأصوليته المتعصبة، ويبحث عن علاج أو تحول ينقله من الفكر القديم إلى الفكر الجديد. ولذلك حاول مونتسكيو أن يكون الطبيب الذي يجد لمجتمعه العلاج الشافي كبقية الفلاسفة الكبار. والواقع أن كتاب «الرسائل الفارسية» يحتوي في طياته على بذور كتابه الكبير الذي نظر لدولة القانون والمؤسسات: «روح القوانين».

أما مؤلفه الأول السابق عليه فقد نشره على هيئة رسائل كتبها أمراء فارسيون زاروا فرنسا في تلك الحقبة ودرسوا عاداتها وتقاليدها. ومن خلالهم راح مونتسكيو ينتقد بشكل هجائي لاذع العادات الفرنسية السيئة والتعصب الديني السائد في عهد لويس الرابع عشر وخلفه لويس الخامس عشر، كما انتقد نظام الحكم المستبد، ولكن من دون أن يتحمل أي مسؤولية لأنه وضع كل ذلك على لسان أشخاص أجانب يبعثون بالرسائل إلى بعض مواطنيهم في إيران. وقد نشر مونتسكيو كتابه من دون توقيع في مدينة أمستردام بهولندا حيث كانت الحرية متوافرة هناك أكثر من فرنسا.

والواقع أنه كان يخشى أن يلاحقوه إذا ما عرفوا أنه هو مؤلف الكتاب. وعادة نشر الكتب من دون توقيع أو ذكر اسم الكاتب على الغلاف كانت شائعة في تلك الأزمان لأن الكنيسة المسيحية كانت تلاحق الفلاسفة والعلماء وتعاقبهم أشد العقاب إذا ما خرجوا على عقائدها. فديكارت مارس هذه العادة، وكذلك غاليليو، وسبينوزا، وعشرات غيرهم. كلهم نشروا كتبهم، أو العديد منها، من دون توقيع.

والواقع أن مونتسكيو كان كارها للاستبداد والأصولية الدينية. وهما شيئان متلازمان في معظم الأحيان. وعلى الرغم من أن أمه ربته على حب المسيحية، فإنه تخلى عن ذلك لاحقا عندما اكتشف تواطؤ رجال الدين مع الأغنياء والأقوياء والحكام. وقد هاجم هذه الظاهرة في كتابه السابق: «اعتبارات وخواطر حول سياسة الرومان (1716)». وفيه يقوم بحملة شعواء على نفاق بعض رجال الدين المسيحيين الذين يخدرون الشعب بمواعظهم لكي لا يثوروا على الظلم والاستبداد السائدين في عهد لويس الخامس عشر الذي كان ملكا ظلاميا يكره فولتير وكل فلاسفة التنوير. ولكن مونتسكيو فعل ذلك بشكل غير مباشر لكيلا يتعرض للمساءلة والمعاقبة.

قبل أن يصوغ مونتسكيو شكل الحكم العادل والصحيح، راح أولا ينقد أسس الحكم السابق أو السائد القائم على الاستبداد والظلم. وهذا شيء طبيعي. فأنت لا تستطيع أن تبني الجديد قبل أن تهدم القديم، ولا أن تركب قبل أن تفكك. وبالتالي فتفكيك النظام القديم للحكم المستبد كان الشرط الضروري والأولي لبناء مشروع جديد وصياغة الحداثة السياسية لفرنسا وعموم أوروبا. وهذا ما فعله مونتسكيو في كتابه الكبير الثاني الذي خلد اسمه على مدى الدهر: أي كتاب «روح القوانين». وهو من أشهر الكتب السياسية في التاريخ. وربما لا يتفوق عليه إلا كتاب «السياسة» لأرسطو، أو كتاب العقد الاجتماعي لجان جاك روسو. ولكن لماذا يتفوقان عليه؟ إنه يقف على قدم المساواة معهما، بل ويتفوق عليهما في بعض الجوانب. والواقع أن كتاب مونتسكيو دشن الروح السياسية للعصور الحديثة مثلما فعل كتاب روسو «العقد الاجتماعي». كلاهما كان ذا تأثير حاسم على الثورة الفرنسية وقادتها الكبار. هكذا نلاحظ أن الفكر التنويري الجديد سبق اندلاع الثورة الفرنسية بعشرين أو ثلاثين سنة ومهد لها الطريق. وهذا يعني أن الفكر يسبق السياسة ويعلو عليها وليس العكس. فلا ثورة تغييرية حقيقية من دون فكر جديد. من هنا، الخوف على الانتفاضات العربية المباركة الجارية حاليا. فالفكر التنويري لا يزال ضعيفا بالقياس إلى الفكر الإخواني الأصولي. ولكن يبقى الأمل واردا؛ إن لم يكن غدا، فبعد غد. لتوضيح هذه النقطة أكثر أحيل القارئ إلى المقالة الرائعة التي نشرها الشاعر أحمد عبد المعطي حجازي في «الأهرام» مؤخرا تحت عنوان: «ركوب الديمقراطية إلى الطغيان!»، فهي تحلل موقف الإخوان المسلمين الذين قد يقطفون ثمار الانتفاضة الأخيرة ويجيرونها كليا أو جزئيا لصالحهم. وعندئذ ترتد الثورة على ذاتها وتفرغ من محتواها التحريري وجوهرها. إنها مقالة تضيء الوضع الراهن من مختلف جوانبه بشكل ساطع ومقنع. إنها ليست مقالة لشاعر كبير فقط، وإنما لمفكر كبير أيضا.

ينبغي العلم بأن كتاب «روح القوانين» هو رائعة مونتسكيو وأهم كتبه على الإطلاق. ويمكن القول بأنه أمضى حياته كلها في تأليفه أو التحضير له. وقد ظهر للمرة الأولى في جنيف بعد ثلاثين سنة عمل. وبالتالي، فهو يشكل خلاصة عمر مونتسكيو وزبدة فكره وتأملاته في السياسة الفرنسية والعالمية. وقد درس فيه كل المؤسسات السياسية التي كانت سائدة في عصره سواء في فرنسا أو خارجها قبل أن ينتقل إلى المرحلة التالية من العمل: بلورة صيغة جديدة للحكم الدستوري الديمقراطي غير الصيغة التقليدية والاستبدادية السابقة. بهذا المعنى، فإن مونتسكيو كان أحد كبار فلاسفة التنوير بالإضافة إلى فولتير، وروسو، وديدرو، وكانط.. إلخ.

وفي كتابه هذا، يدعو مونتسكيو إلى إقامة نظام سياسي ليبرالي جدا؛ أي منفتح على روح العلم والعقل وبعيد عن التعصب والاستبداد بقدر الإمكان. ولكنه يعتقد أن تطوير النظام السياسي القائم يتطلب منا أولا تحليل أصل القوانين الماضية التي هيمنت على البشرية في مختلف العصور السابقة، كما يتطلب منا تحليل القوانين المعاصرة؛ أي السائدة في عصره تحت ظل لويس الرابع عشر والخامس عشر. ويرى مونتسكيو أن القوانين السائدة في بلد ما تكون عادة متأثرة بعاداته وتقاليده وعقائده الدينية لا محالة، كما أنها متأثرة بالموقع الجغرافي للبلد ومناخه وإمكاناته الاقتصادية.. وغير ذلك.

وهذه هي أول مرة يقوم فيها مفكر ما بدراسة القانون بشكل علمي وموضوعي على هذا النحو الدقيق والمدهش بوضوحه وجرأته ونفاذ بصيرته. وفي هذا الكتاب الكبير، يبلور مونتسكيو نظريته عن الفصل بين السلطات الثلاث: السلطة التشريعية، فالسلطة التنفيذية، فالسلطة القضائية. وهذه هي النظرية السياسية الحديثة التي تسيطر على المجتمعات المتقدمة في الغرب.

فالسلطة التشريعية تتمثل في البرلمان المنتخب من قبل الشعب؛ فهو الذي يسن القوانين أو يصوت عليها. وأما السلطة التنفيذية، فتتمثل في رئيس الجمهورية والحكومة، وهي المسؤولة عن تنفيذ أو تطبيق القوانين التي يصوت عليها البرلمان. وأما السلطة القضائية، فتتمثل في وزارة العدل والقضاة الذين يراقبون عمل الحكومة لكي يروا ما إذا كان متوافقا مع القانون أم لا. وأي انتهاك للقانون يتعرض للعقاب من قبل القضاة.

ولهذا السبب، تصيبنا الدهشة نحن أبناء العالم الثالث عندما نجد أن القاضي في فرنسا أو إنجلترا يستطيع أن يستجوب الوزراء وكبار شخصيات الدولة وأحيانا يحكم عليهم بالسجن إذا ما ثبت تورطهم في عملية فساد أو إثراء غير مشروع أو استغلال للمنصب من أجل تحقيق مصالح شخصية.. إلخ؛ انظر خوف شيراك من القضاة الآن.

وبالتالي، فالنظرية التي بلورها مونتسكيو لا تزال سارية المفعول حتى الآن. بالطبع، طرأت عليها تعديلات وتحسينات وتطويرات بمرور الزمن، ولكن نواة النظرية أثبتت صحتها وفعاليتها.

ولكن ينبغي العلم بأن هذا الكتاب الرائد في تاريخ البشرية تعرض لهجوم كبير في عصره؛ فقد انتقده المحافظون ورجال الدين المسيحيون بشدة باعتبار أنه ينقض النظام السائد لملوك فرنسا الذين يمثلون الحكم المطلق وظل الله على الأرض.

ولكن المثقفين المستنيرين وعلى رأسهم دلامبير وديدرو وروسو وفولتير وسواهم، رحبوا به أجمل ترحيب ورأوا فيه بداية العصور الحديثة؛ عصور الحرية والعدل والتسامح. ولكن بعضهم عاب عليه بعض النزعة المحافظة لأنه يعطي الأولوية للطبقة الأرستقراطية في الحكم. وهذا شيء طبيعي، لأن مونتسكيو نفسه كان أرستقراطيا. ولكن ينبغي أن لا نبالغ في أهمية هذه النقطة المرتبطة بظروف عصرها، فنحن انتقلنا من العصر الأرستقراطي إلى العصر الديمقراطي بعد الثورة الأميركية والثورة الفرنسية. وبالتالي، لم تعد لهذه المسألة من أهمية لأن الزمن تجاوزها.

 
ارسل هذا المقال بالبريد الالكترونى   اطبع هذا المقال